أبرار حسان مدير مهرجان أفلام الـ60 ثانية
أبرار حسان مدير مهرجان أفلام الـ60 ثانية

في تلك الأرض البعيدة، هناك في ذلك الجزء المضطرب من باكستان حيث الناس يموتون لا لسبب سوى لانتمائهم الديني أو الطائفي.. هناك أيضا حيث تعمل الجماعات المتطرفة على نشر كل ما تستطيع من ثقافة رفض وكراهية الآخر، كل الآخر على إطلاقه، هناك، حيث أصوات الموت تنتشر في كل الزوايا من المدينة والقرية البعيدة في أقصى الجبال وفي أعماق الوديان، 
هناك ارتفع صوت لم يكن في العادة له مكان في المشهد، إنه صوت يتهدده الموت في كل يوم ولحظة.
 
هذا الصوت لذلك الشاب الثلاثيني أبرار حسان جاء من منطقة حلم مختلفة تماما ليطلق مبادرته بين أبناء بلده. إنها مبادرة للدعوة وصناعة ثقافة السلام من خلال أفلام قصيرة يكتبها ويصورها ويخرجها شباب يافعون يقولون من خلالها شوقهم للحياة و العيش مع الآخرين في ظل قيم من التسامح بين الجميع والحرص على قبول الآخر بكل اختلافه الفكري والديني والثقافي.
 
ولأن الإنترنت هي قلب الحياة في عالم اليوم، لم يحتج حسان وغيره كثيرا من الوسائل لتحقيق فكرتهم الحالمة، التي بدأت باثنين وثلاثة لكنها سرعان ما تحولت إلى قصة تشغل

حسان وجد من حوله أولئك الصامتين خوفا، في وطن يريده هو والآخرون في أفلامهم أن يتسع للجميع

​​وقت وأفكار آلاف من أبناء باكستان باختلاف واضح في الأصول الدينية والعرقية والألوان، تماما كما هي الألوان مختلفة في مشهد الطبيعة في بلادهم.
 
حسان وجد من حوله أولئك الصامتين خوفا، وآخرين حزانى لفقدان كبير هز القلب والروح معا في لحظة تعصب عمياء أقصى فيها التعصب رحلة حياة كانت مزدحمة الأحلام، في وطن يريده  حسان والآخرون في أفلامهم أن يتسع للجميع.
 
بين اليوم والآخر تكبر الفكرة وتحقق رواجا أكثر ليس فقط في باكستان وحدودها، بل تتجاوز الحدود إلى الجوار القريب في أفغانستان حيث مركز آخر لمحاولة نشر ثقافة الكراهية. وتتجاوز الفكرة بعد حين كل حدود القارة إلى القارات البعيدة، وهناك باتت تجربة الأفلام القصيرة لصناعة ثقافة السلام قضية تشغل تفكير جيل كامل من أبناء دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
 
كبر الحلم بكثير عن حدود التوقع له وعن حدود الفكرة الأصلية وضاقت الـ60 ثانية بأحلام وآلام شباب ويافعين من 14 دولة في كل القارات وهم يتحدثون عن شوقهم لأوطان خالية من العنف والتطرف وتوفر لهم أسباب الحياة النظيفة والعيش الكريم وبمساواة وبين الجميع.
 
هكذا كان يتحدث حسان مؤسس ومدير مهرجان أفلام في 60 ثانية أو مهرجان أفلام الدقيقة الواحدة لصناعة السلام وهو يزور  واشنطن مروجا لفكرته ومشروعه الذي تحول إلى ظاهرة فنية واجتماعية وحالة فكرية تملأ شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت.
 
حسان يقول لجمهور الباحثين والمهتمين خلال عرض لمشروعه في معهد السلام الأميركي بواشنطن إنه يعمل بلا توقف حتى تستطيع هذه الفكرة تحقيق المزيد من الانتشار بين شباب دول مناطق العنف والنزاع في كل أنحاء العالم وإنه لن يتوقف عن الدعوة إلى ثقافة السلام وهو يجد  هذه الطاقة الهائلة تسكن هذه الأعداد الهائلة من شباب يقيمون في مناطق مختلفة من العالم لكن جميعهم يتحدون في أحلام الحياة في سلام وتسامح مع الذات ومع الآخرين جميعا.
 
نجح حسان والآخرون في نقل مهرجانهم من العالم الافتراضي على شبكة الإنترنت، وتحقق الحلم في لقاء هؤلاء الشباب في باكستان.
 
جاؤوا إلى هناك من دول عدة يحملون أفلامهم القصيرة جدا لكنها مكثفة جدا بمعاني وقيم إنسانية نبيلة والسعي لمحاربة كل أشكال الكراهية للإنسان بل إن بعض الأفلام سخر من  أشكال الرفض للآخر ورأى فيها معادة لقيمة وجود الإنسان الأصلية.
 
صمت الجميع في القاعة وهم يرون ذلك التدفق من المعاني في أفلام صورت في باكستان وأفغانستان والنيبال والهند ومصر والسعودية والعراق والمغرب وتونس وكانت الأنفاس تتقطع في كل لحظة تقفز فيها إلى المشهد أفكار لشباب يعيش على هامش ما في هذا العالم الكبير، لكنه بما يقدم ويطرح من أفكار يخاطب روح وقلب الإنسان في كل زاوية من العالم وتلك هي

كلما نجحنا في نشر رسالة المحبة وحاصرنا انتشار رسالة الكر اهية في المكان، كلما ضاقت أو حتى انعدمت فرص الجماعات المتطرفة في تجنيد عناصر جديدة إلى صفوفها
الدبلوماسي من أصل باكستاني هارون عبد الله

​​القوة الحقيقية التي تطبع هذه التجربة الإنسانية اللافتة في بساطة وسائلها والعظيمة في نبل وكبير مقاصد أصحابها.
 
قطع الصمت ذلك الصوت الهادئ لهارون عبد الله ذلك الدبلوماسي الرصين الذي تعود جذوره العائلية إلى باكستان، قطع الصمت وهو يقول في لغة عميقة مدركة لحجم ومخاطر انتشار ثقافة الكراهية في بلاد أجداده "كلما نجحنا في نشر رسالة المحبة وحاصرنا انتشار رسالة الكر اهية في المكان، كلما ضاقت أو حتى انعدمت فرص الجماعات المتطرفة في تجنيد عناصر جديدة إلى صفوفها".
 
مقاربة في منتهى الذكاء يضيف إليها حسان زاوية أخرى من المشهد وهو يقول إن العالم المتحضر وهو يحاصر أزمات حاجة الناس المتزايدة في بعض أجزاء العالم إلى الخبز وإلى الماء الصالح للشرب وتوفير المزيد من مقاعد الدراسة لليافعين، إنه بذلك يجفف منابع نشاط وحركة الفكر المتطرف.
 
 إنها معركة طويلة ومتعددة الأوجه والمساحات يقول الرجل الذي حمل كاميرا التصوير ونزل إلى  قرى في باكستان يتهدده فيها الموت بسبب اسمه الذي يشير إلى طائفة ما من طوائف المجتمع الباكستاني.
 
على الطرف الآخر من الطاولة تتدخل ناشطة السلام الأميركية شارلوت كول لتقول إنها تتمنى أن تجد هذه الرسائل إقبالا أوسع من الناس، وأن يتمكن أكبر عدد من الناس من رؤيتها، "إنها رسائل لا تحتاج من وقت الناس إلى أكثر من دقائق معدودات لكنها في المقابل توصل المعنى الكفيل بتحقيق أسمى الغايات في حياة الناس".
 
يستدل الستار على القاعة المخصصة للعرض، يصمت المكان وتحبس الأنفاس أمام ذلك السيل الهائل الجمال من أفكار ليافعين لا نراهم  إلا من خلال صورهم وأفكار تقيم في خيالهم ومشاعر  غاية في النبل لا تفارق قلوبهم.
 
يبدأ العرض وتظهر صورة طفل صغير يكافح في أزقة إسلام أباد لتحصيل قليل جدا من المال من خلال بيع الصحف اليومية على قارعة الطريق. ينجح الطفل في كسب معركة الحصول على الدراهم المعدودة في نهاية اليوم في سرعة الريح ينطلق في اتجاه محل لبيع الورد حيث يدفع كل الذي يحويه جيبه. يأخد الوردات الجميلات وينطلق في سرعة أخرى لكن هذه المرة لأهدافه  المختلفة والمحددة سلفا.
 
يوزع الورد في كل زاوية من المدينة، على تلك المرأة المتسولة على طرف الطريق، على عامل النظافة في ظل حرارة لا تطاق، على تلك الطفلة اليتيمة عند بوابة المدرسة، يبتسم الجميع في لحظة واحدة، ويبتسم الطفل بلباسه الأبيض ابتسامة في حجم ابتسامات الجميع ويطلق صوته مغردا عاليا. كم تستطيع وردة واحدة أن تصنع من فرح في قلب إنسان ما مع أنها لا تعدو سوى أن تكون وردة.
 
ينتهي الفيلم القصير وتصل الرسالة إلى الجميع. خرجت من الفيلم وأنا أكثر إيمانا بقيمة الوردة في صناعة الحياة والسلام أكثر من كل العمر الذي انقضى. 

وصلت رسالة الفيلم ونجح يافع باكستاني في أن يعيد ترميم رؤيتي للوردة وقوة الصنيع منها في الحياة. كل ذلك حدث في 60 ثانية.

وهذا فيديو عن عرض مشروع الشاب الباكستاني في في معهد السلام الأميركي بواشنطن:
 

​​

رابح فيلالي
رابح فيلالي

يافعون هم.. جمعوا ما تيسر لهم من أموال الأهالي.. تبرعت الأم بما تملك من مجوهرات وتنازلت الشقيقة عن مهر عرسها وجهازها ليوم الفرح الكبير وانخرط الأب في الزاوية البعيدة من البيت، في صمت كبير، فيما كانت عينا الشاب اليافع وهو يقف على شرفة البيت تلقي نظرات الوداع في كل المكان.
 
ثقيلة هي اللحظة تلك في كل شيء وفي كل الإتجاهات، لكن الحلم الذي أقام في القلب عميقا ولردح طويل من الزمن، لا يفارق خياله ويستوعب عليه اللحظة بالكامل.
 
يحلم باليوم الذي تنتهي فيه ظلمات الانتظار الطويلة من وراء ساعات الليل والنهار  والانتظار، في صورة أخرى لما تتكرم به عليه الوالدة الكريمة في كل صباح من بقايا مصروف البيت الذي يتركه الوالد من ورائه وهو ينصرف إلى عمله الذي حمل أعباءه كل العمر على كتفيه وكان كل  أمله أن يكبر هذا الصغير ويكون كل السند له في الحياة، وينقل العائلة إلى واقع آخر ويحمل عنه هذه المتاعب التي أثقلت كاهله.
 
أحلام الوالد فضلت هي أيضا أن تقيم في خانة المستحيل، لأن الولد الذي أنهى دراسته الجامعية لم يفتح طريق الوظيفة أمامه، بل أن البلاد تشهد حالة  إنغلاق كامل، لكل الآفاق في وجه الشاب اليافع خاصة وأن عائلتة واحدة من عائلات الهامش، فهي لا تملك الوزن الثقيل الذي يفتح الأبواب أمام ابنها ولا تملك طريقا يوصلها إلى أصحاب القرار.
 
نام الجميع في تلك الرقعة الضيقة المطلة  على شاطيء العاصمة الجزائرية على فجيعة الخيبة، وراحوا ينتظرون معجزة يمكن أن تحدث في يوم ما، لكن زمن المعجزات اختار أن ينحصر في زاوية بعيدة من التاريخ ومرت السنة والأخرى وواقع  الإبن لا يتغير، وواقع العائلة من حوله يزداد سوءا والأفق في البلد بكامله يزداد ضيقا.
 

عندما كان الشاب اليافع يقف على شرفة البيت متأملا خطو موج البحر في غدوه ورواحه .. تملأ أسماع أذنيه في اللحظة تلك القصص التي يسمعها من كل جهة عن شباب آخرين يافعين اختاروا ركوب المجهول والمغامرة في الضفة الأخرى ..
رابح فيلالي

​​
عندما كان الشاب اليافع يقف على شرفة البيت متأملا خطو موج البحر في غدوه ورواحه.. تملأ أسماع أذنيه في اللحظة تلك القصص التي يسمعها من كل جهة عن شباب آخرين يافعين اختاروا ركوب المجهول والمغامرة في الضفة الأخرى.
 
أخذتهم  الأموج طويلا وبعيدا قبل أن تلفظهم في ساعة صباح باكرة على شاطيء إسباني، ومن هناك بدأت رحلتهم في الإتجاه المجهول الآخر .
لكن هذا المجهول على الأقل يملك بعض الأمل في إستشراف زمن أجمل سيأتي ولو من بعد معاناة.
 
هنا.. لا أمل حتى في التوقع. كسر الانتظار ظهر الشاب اليافع وباتت الكوابيس تملأ عليه ليله وشهقات الإنتظار الطويلة تملأ وقته بين شرفة البيت ورصيف الشارع، وانتظار زوارق الصيادين في عودتها المسائية محملة ببعض السمك.
 
انخرط اليافع في مسلسل تفكير وأفكار لكن جميع ذلك يقدف به إلى مزيد من الإستغراق في تفكيره من غير أمل في الإهتداء إلى مخرج قريب لأزمته، حتى وقلبه يحدثه عن الحب والتفكير في مشروع فرح لقلبه ولقلبي والديه، لا يجرؤ القلب أن يفكر في مغامرة من هذا الحجم وكأن الزمن يتوقف بالكامل والصورة، هي هذه من حوله.
 
كان المساء يزحف بخطوه، وكانت عيناه لا تفارق خطو أمه المتنقل بين زاوية وأخرى في البيت يعرف هو قراره ولا تعرف هي نياته، وفي قلبه هاجس من خوف لا يعرف له مصدرا.
 
كل الذي يشعر به الآن أنه يريد أن ينخرط في صدرها ويأخذ نفسا عميقا يكفيه لمواجهة المجهول الذي اختار ركوبه في ساعة لاحقة من الليل.
 
في عينيه الحيرة، وفي عينيها سكينة  الأم المؤمنة الراضية بقدرها في نفسها وفي كل فرد من عائلتها.
 
عندما انسدلت خيوط الليل، تسلل اليافع في خطوه الخجول وطبع قبلة على جبين أمه واستأذن والده في الخروج، وهي العادة التي تحدث في كل مساء من حياته منذ أن انقطع عن انشغالاته الدراسية وتفرغ لإسناد ظهره على الجدار كما هي العادة مع كافة الشباب الآخرين من جيله في هذا الحي من العاصمة.
 
في أسفل العمارة، كانت سيارة في انتظاره وعلى متنها شباب آخرون يتقاسمون معه نفس الأوجاع ومرارة الخيبات في الوطن والإنسان، ويشاركونه مغامرة ركوب البحر في ساعة ليل مظلمة والتي ستقودهم إلى طريق المجهول.
 
تقطع السيارة بعضا من أطراف العاصمة وتنتهي إلى زاوية قصية من الشاطئ.. 
 
يركضون في خطو لاهث إلى زورق تحكم حباله عصابة وظيفتها  أن تقبض مالا من هؤلاء الشباب الجائع إلى الحياة وإلى تحقيق الذات وتبيعهم الوهم بالحياة الأفضل في ما وراء البحر. وعندما تبدأ رحلة الزورق في البحر تنتهي مسؤولية العصابة وتبدأ حقيقة مواجهة القدر المجهول في عرض البحر.
 

إلى هنا عينا أمه تسكنا تفكيره وصلاة والده ودعاءه بالستر لولديه لا يتوقف عن التردد على مسمعه .. لكنه الحلم بالواقع الأفضل يناديه إلى أعماق البحر حتى وهو لا يملك خبرة في العوم وفي التعامل مع الموج الأزرق.
رابح فيلالي

​​
إلى هنا عينا أمه تسكنا تفكيره  وصلاة والده ودعاءه بالستر لولديه لا يتوقف عن التردد على مسمعه، لكنه الحلم بالواقع الأفضل يناديه إلى أعماق البحر حتى وهو لا يملك خبرة  في العوم وفي التعامل مع الموج الأزرق.
 
 طال المسار والشباب السبعة منكمشون متزاحمون في زورق متروك لقدر الموج الهائج. وبمرور المساء واختفاء ضوء المدينة في الأفق البعيد يغرق المهاجرون غير الشرعيون في خوف يملأ كل كياناتهم لكنهم هنا لايملكون غير حيرة الصمت بل الصمت العميق.
 
يرتفع الموج عاليا ويرتفع الزورق بارتفاع الموج، وقائد الزورق يقو ل إن الجو المتقلب في هذا الضفة من البحر والموج العاتي يهدد سلامة الجميع، ويهدد حتى عمر الرحلة ويمكن للزورق أن يرمي بهم في مكان مجهول لا يعرفون له مخرجا.
 
ارتفعت أصواتهم وظهرت في عيونهم معالم الحيرة والخوف من النهاية الموجعة، بارتفاع منسوب المياه في الزورق وبداية توقف محركه عن دفع الطاقة إلى الأمام. وبدا واضحا لإدراكهم أن الرحلة سوف تنتهي هنا.
 
انقطعوا في تلك اللحظة القلقة لشيء من الصلاة وسؤال الله الرعاية والستر.
 
ازداد الصمت في المكان.. انخرط بعضهم في بكاء يسمع بالصوت وتعطلت ماكينة الأحلام وبات الحلم في اللحظة تلك في عبور سفينة بالجوار القريب تنقذهم من موت محقق، بات يتربص بهم هنا في عرض البحر.
 
طالت الساعات وبدأت معالم  السكينة تأخد منحى آخر والموج يقذف بالزورق من اتجاه إلى آخر.. قبل هذه اللحظة التي أدرك يقينا أنها ستقوده إلى نهاية حزينة.
 
في جيبة ورقة وقلم كان يحتاط بها لطارئ. خطر لفكره أن يكتب رسالة اعتذار لأمه ويرميها في قارورة المياه في عرض البحر.
 
وكذلك فعل.. رمى بالقارورة وبالرسالة في قلبها وقبل أن يفعل كتب على الورقة رقم هاتف بيت العائلة وانصرف إلى مواجهة قدره المحتوم هو صحبة الآخرين، لكنه كان يشعر بقليل من  الراحة أنه على الأقل كتب اعتذارا لأمه يراه مخففا لها لفجيعة فقدانه إن تكرم الموج بايصاله يوما إلى بر الأمان واستلمها فاعل خير في مكان ما فعل البحر الهائج بالزورق ما يفعله عادة بأرواح كثير من الشباب اليافعين الذين يركبون مخاطره.
 
مضت أيام من بعد ذلك والعائلة لا تعرف خبرا عن مصير ابنها. وكثرت المخاوف إلى أن رن الهاتف في مساء شتوي بارد وفي رنته غرابة الإيقاع ترفع الأم السماعة يقول صياد من على طرف البحر الحكاية الكاملة لقارورة المياه ولرسالة الاعتذار.
 

"سامحيني يا أمي الغالية. لم يكن القصد عندي أن أحزن قلبك الطيب ولا لأفجعك بالفقدان. كنت يا أمي أريد المستقبل الأفضل لي ولك ولكل العائلة .. سامحيني يا أمي أريدك فقط أن تعرفي إني أحبك حبا عظيما .. سامحيني.
مقطع من الرسالة

​​
سامحيني يا أمي الغالية. لم يكن  القصد عندي أن أحزن قلبك الطيب ولا لأفجعك  بالفقدان.

كنت يا أمي أريد المستقبل الأفضل لي ولك ولكل العائلة.. سامحيني يا أمي أريدك فقط أن تعرفي إني أحبك حبا عظيما.. سامحيني.
 
غابت الأم عن وعيها فيما غرقت العاصمة في حزن عميق جدا حدادا على أرواح اليافيعين السبعة، وتساءلت الجزائر من أقصاها إلى أقصاها في مساء دامع، لماذا يحدث هذا في بلد يملك كل مقاومات الحاضر الجميل لأبنائه والمستقبل الأفضل لهم جميعا. ولماذا يضيق على البعض إلى حد الموت غرقا؟
 
تحزن الأم جدا لأنها لن تقيم وداعا لفقيدها ويحزن الوالد في كبرياء الرجال لكنه يفقد في اللحظة عينها آخر أمل في الحياة، وتنام الشقيقة على خيبة العمر ليتها كانت تعرف أن عائد بيع جهازها سيفقدها شقيقها الأوحد وإلى الأبد لكانت منعته حتى لو اضطرت إلى تقييد أطرافه بالسلاسل. لكنه اختار وقرر وغادر في غير علم ولا معرفة لكل إنسان من حوله.

مات وحيدا على خشبة زورق ومات في عرض بحر.
 
كم أكل هذا البحر من أرواح الشباب اليافعين من أبناء هذه الأرض الحالمين بالمستقبل الأفضل لهم ولذويهم.
 
كانت الجزائر حينذاك تجدد في ولاية انتخابية جديدة لرئيسها وكنت أنا من جانبي أحمل  هذه القصة وأرويها على مسامع حكامها متمنيا أن أسمع إجابة شافية لحيرتي في فهم معادلة كيف يمكن لشباب أغنى وأكبر دولة في قارة إفريقيا أن يموتوا في عرض البحر؟
 
سمعت كثيرا من خطاب السياسة، ولم أسمع الإجابات الشافية لأسئلتي القلقة.
 
حملت حيرتي معي وقصدت الشاطئ الذي يعبر منه الشباب إلى المجهول، وتحدثت إلى بعضهم وهم يراقبون أحلامهم في الفضاء البعيد.
 
قالوا لي كثيرا جدا من الحكايا ومن البوح ومن الوجع ومن الضيق بكل الذي يحيط بهم، لكنهم   أقنعوني، وأنا أسألهم لماذا تصرون على مواجهة الموت في عرض البحار العاتية الأمواج.
 
قالوا في نبرة حزينة مصحوبة بنفس عميق، إنه اليأس والخوف من الموت دون أن يحققوا شيئا في الحياة وعندما يتراكم اليأس بهذه الصورة الأسطورية في النفس، يتساوى التقدير فيها بين الموت والحياة، حينها سيكون الإيمان بين الشباب أنهم على الأقل حاولوا أن يفعلوا شيئا وإن لم ينجحوا.
 
تأملت العاصمة من حولي كانت الأنوار فيها ساطعة والفنادق زاهية والأغاني تصدح في كل الأفاق، وأنصار الرئيس الفرحين بإعادة انتخابه تجوب سياراتهم الشوارع مطلقة الأغاني والأفراح ويعيشون الليالي الملاح.

قالت لي خواطري في تلك اللحظة.. متى يشعر هؤلاء بجلال الموت في نفوس غيرهم؟
 
غادرني النوم وفي  أذني يتكرر صدى رسالة اعتذار الشاب اليافع المغدور بأحلامه في عرض البحر على مسامعي.

​​