الناشطة السودانية هدى سليمان
الناشطة السودانية هدى سليمان

لا تتنازل أبدا عن ثوبها السوداني الذي يميزها في كل مكان تعبره... فخورة هي الى حد الاعتداد بهذا الثوب، وبهذا المعلم البارز في هويتها السودانية الإفريقية العربية، لكنها في قلب افتخارها ذلك لا تنسى أن تتحدث عن ذلك المكان العميق الذي تأتي منه في ذلك الجزء الغربي من السودان.. إقليم دارفور.

قبل 15 عاما وصلت السيدة  هدى سليمان إلى واشنطن في رحلة كانت مجهدة في تفاصيلها المكانية المتعددة المحطات وفي طموحها وأحلامها والرغبة الكبيرة في تحقيق الذات بأفضل الأشكال الممكنة. وصلت السيدة السودانية وهي مطالبة بشق طريق البدايات واحتماله بكل تكاليفه المعروفة سلفا بالنسبة لمهاجرة تصل أميركا لتوها.

كافحت المرأة بصغيرها في مسار شاق وحسنت من تعليمها وجعلت من تكوينها مساعدا لاقتحامها سوق العمل بشروط ومفاتيح واشنطن ورسمت بذلك معالم حياة جديدة لها ولعائلتها على ضفاف نهر البوتوماك بالعاصمة واشنطن.

لكن هدى وهي تحقق ذاتها واستقرارها هنا فيما وراء الأطلسي كان الحراك في إقليم دارفور قد بلغ مداه الأقصى ولاحت في الأفق ملامح أزمة سياسية وأمنية في الإقليم الذي بات لاحقا مضطربا بامتياز.

تحول الأهالي الآمنون إلى مشردين في صحارى الإقليم الواسعة وهجرت عائلات وقبائل في اتجاهات شتى ووجد العالم نفسه بصدد أكبر مأساة إنسانية

​​
 تحول الصراع السياسي إلى حالة حرب كاملة بين قبائل الإقليم في ما بينها وبين القبائل وقوات الحكومة المركزية القادمة من الخرطوم لدعم طرف من أطراف النزاع على حساب طرف آخر.

 كبرت الحرب وجاءت على معالم الحياة في الإقليم بالكامل وتحولت البلاد الآمنة إلى ساحة اقتتال وموت يومي في ظل إصرار  معلن من طرفي النزاع على الاستخدام الأقصى للقوة العسكرية.

 تحول الأهالي الآمنون إلى مشردين في صحارى الإقليم الواسعة وهجرت عائلات وقبائل في اتجاهات شتى ووجد العالم نفسه بصدد أكبر مأساة إنسانية كما قال عنها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حينذاك.

في كل خطوة من خطوات اتساع الأزمة هناك كان الوجع يكبر في قلب المرأة أكثر لكن سؤالا بداخلها ظل يطاردها  في نهاية كل مساء... ماذا يمكن أن أفعل لأهلي هناك وأنا أنعم هنا في واشنطن بفرص الحياة الآمنة والسهلة فيما تواجه ملايين النساء الكثير من صور التشرد والضياع والموت في كل لحظة وبكل الأشكال نتيجة لنقص أو حتى انعدام كل مقومات الحياة في مخيمات اللاجئين التي أقيمت على عجل في بعض مناطق الإقليم أو على مناطق الحدود المشتركة مع الدولة المجاورة تشاد.

طرحت هدى الفكرة على شريكاتها في الانتماء إلى الإقليم وإلى الوطن الأم السودان هنا في منطقة واشنطن الكبرى وتدحرجت الفكرة من مجلس إلى آخر قبل أن تأخد على عاتقها  تأسيس مجموعة العمل التي حملت لاحقا شعار " أميركيات لأجل دارفور".

تقول فكرة المشروع قبل أن ترسم خطواتها العملية على أرض الواقع بإقامة حلقة وصل بين نساء الإقليم من خلال مدهم بالمواد الأساسية لصناعة حقائب النساء وإعادة إرسالها إلى واشنطن على أن تقوم النساء النشطات بيبعها للأميركيين وجمع ريعها وإعادة إرسال المبالغ المحصلة إلى النساء في المخيمات.

وجدت النساء اللاجئات في الفكرة ضمانا لأمنهن وسلامتهن الشخصية لأن في ذلك تحصين لهن من مخاطر التعرض لجرائم الاغتصاب الفردي والجماعي في حالة مغادرتهن المخيم وفي ذلك أيضا حفظ لكرامتهن من الاستغلال من أي طرف من الأطراف وتأمين لبعض الدخل الذي يساعد في تحسين حياة  النساء الأمهات وأطفالهن خاصة الرضع منهم.

في كل خطوة من خطوات اتساع الأزمة هناك كان الوجع يكبر في قلب المرأة أكثر، لكن سؤالا بداخلها ظل يطاردها في نهاية كل مساء: ماذا يمكن أن أفعل لأهلي هناك؟

​​

تقول لي هدى إن النساء اللاجئات يتعرضن إلى أبشع أنواع الاغتصاب عندما يغادرن المخيمات بحثا عن الحطب أو الفحم في الغابات لتحضير الطعام لأطفالهن وفي المبالغ التي ترسل لهن من أميركا تأمين لحاجتهن  من الحطب والفحم.

في ذلك المساء كانت الريح تعصف بكل شيء في واشنطن.. مشغولة هي المدينة بزهوة الاحتفال بالعام الجديد.

في تلك الأثناء ارتفع صوت نسوي غنائي يحمل في تفاصيله ذلك الشجن البعيد المقيم عميقا في ذوات أصحابه القادمين من تلك الديار البعيدة جدا لكنها مقيمة في القلب دائما.

ارتفع الصوت بإيقاعه وغنت الفنانة السودانية سميرة أحمد من ذلك التراث الغني جدا والممتد في ذاكرة المكان ورحلت بالقلوب في اتجاه ذلك الوطن الذي يتكرر قدره باستمرار بالدخول إلى حرب جديدة بعد الخروج من كل حرب سابقة.

وثوبها الزاهي الألوان يسبقها رحبت بي وبفريق التصوير وقالت في هدوء: في هذا المساء نعمل على أن نجمع أكبر قدر من التبرعات لكن هذه المرة لدينا هدف أسمى نريد أن نحققه. نهدف إلى جمع المبالغ المالية التي تساعد النساء الدارفوريات على الخضوع إلى الفحوصات المبكرة  للتأكد من خلوهن من الإصابة بسرطان الثدي وكذلك مساعدة أولئك النساء اللواتي تأكدت إصابتهن بهذا الداء.
 

​​
ولأن التحدي أكبر في هذه المبادرة استعانت هدى بوجه آخر من بنات دارفور هي الفنانة التشكيلية ميمونة البنجاوي، دارفورية أخرى قدمت للعالم نموذجا جديدا من أزياء الحفلات والسهرات والمناسبات العامة من خلال رسم لوحاتها الفنية فوق الثوب السوداني وتحويل هذا الأخير إلى لوحات تجوب العالم وتحقق الرواج لرمز المرأة السودانية ولفت انتباه سكان العواصم الكبرى إلى أزمة الإقليم المضطرب.

ميمونة تعرض أثوابها من خلال  نسا ء ويافعات سودانيات متطوعات يشاركنها الفكرة والطموح في خدمة نساء وأطفال الإقليم وتبيع أثوابها في مزادات علنية على أن يعود العائد بالكامل إلى النساء المصابات بسرطان الثدي في المخيمات.

في زاوية من قاعة العرض استذكرت معي ميمونة ذلك الزمن الجميل الذي لايزال يقيم في ذاكرتها عن الإقليم وكيف كانت دارفور حينذاك رمزا للخير بين أبناء السودان ورمزا للكرم بين أهله وسكانه، وتقول إنها تشعر الآن بواجب أخلاقي كبير وهي التي لا تزال تحتفظ بكل ذكرى صغيرة من زمن طفولتها في الإقليم خاصة أن كثيرا من أفراد عائلتها لا يزال يعيش في أجزاء  مختلفة من دارفور حتى الآن.

هدأت الموسيقي في ذلك المساء لكن أصوات أنين معاناة ملايين النساء الدارفوريات لا تتوقف عن الانطلاق بإتجاه السماء سؤالا للرحمة والسلام والعيش في أمان

​​

بفخر لا تخطئه العين في عيون هدى وميمونة يتحدثان عن ذلك الإنجار الكبير الذي تحقق من وراء سعيهن لإقامة مجموعة مدارس للأطفال في المخيمات منذ بدء الحرب هناك العام 2003.

نجحت نساء دارفور في أميركا في جمع المبالغ الكافية لإطلاق مدارس للأطفال في المخيمات ونجحن أيضا في تأمين رواتب المعلمين والمعلمات من خلال تبرعات الأميركيين المؤمنين بالقضية الانسانية في مخيمات دارفور ونجحن كذلك في إقامة مركزين لخدمة النساء في معسكري "أبو شوك "و"كساب".

وأكثر من ذلك نجحن في تأمين مساعدة نوعية قدمتها جهات خيرية أميركية بتأمين تعلم الدرفوريات استخدام الطاقة الشمسية في الطبخ وفي ذلك تأمين لهن من مخاطر التعرض مرة أخرى للاغتصاب في غابات الإقليم هن يعشن رحلة البحث عن الفحم والحطب.

تقول هدى وميمونة إنهما حريصتان على تقديم وجه آخر في أميركا وكل العالم من خلال عملهن التطوعي والخيري.. وجه يرفض الصورة النمطية للمرأة الدارفورية اللاجئة في المخيمات والمعرضة للاضطهاد في كل لحظة والمحتاجة إلى المساعدة للاستمرار على قيد الحياة بمعية أطفالها.

هدأت الموسيقي في ذلك المساء لكن أصوات أنين معاناة ملايين النساء الدارفوريات لا تتوقف عن الانطلاق باتجاه السماء سؤالا للرحمة والسلام والعيش في أمان، لكن تلك السماء تفتح مزيدا من أوجه الرحمة عندما تعيش ميمونة وهدى في واشنطن بأجسادهن لكن قلوبهن لا تتوقف عن النبض لأجل نساء دارفور.

رابح فيلالي رفقة نور الدين ميكيليشي
رابح فيلالي رفقة نور الدين ميكيليشي

كان الخريف يلتهم آخر ما تبقى من معالم الصيف في ولاية "ديلاوير"  وفي البيت سكينة عميقة جدا ..

أشجار التين من حوله تتزين بحبات ناضجة وجاهزة للاستهلاك ..وأنا أطرق ذلك باب البيت الذي يقع على طرف وادي جار على مدار أيام السنة  عبر بالي كثير من الأسئلة عن رحلة هذا الرجل الذي قطع المسافة من واشنطن إلى ديلاوير لأجل مقابلته والحديث إليه.
 
أطرق الباب في هدوء خوفا من إزعاج رجل يختلف عن العادي من الناس وقصته في الحياة مختلفة عن قصص كثيرين في هذا العالم.

عالم أميركي من أصل جزائري
 
 يفتح الباب في هدوء من ورائه يطل رجل تحدثت إليه كثيرا عبر الهاتف وقرأت عنه أكثر من ذلك بكثير وشاهدت حضوره اللافت في أغلب القنوات التفزيونية الأميركية.
 
نور الدين مليكشي  عالم أميركي من أصل جزائري وصل أميركا قبل 30 عاما شابا يافعا متخرجا من جامعة "هواري بومدين" في العاصمة الجزائرية.
 
انخرط نور الدين في رحلة بحث علمية طويلة وواسعة عبر خلالها عشرات المراكز الجامعية، وعادل شهاداته الجامعية التي حصل عليها في كل من الجزائر وفرنسا ليتحول  من التحصيل العلمي إلى التدريس في الجامعات الأميركية، لكن طموح الرجل لم يكن في ذلك.
 
 الطموح كان في مكان آخر بعيد وبعيد جدا ..
 
أدرك الرجل أن طريقه إلى تحقيق طموحاته العلمية الواسعة يجب أن تتوفر له ميزانيات  كبيرة ويجب أن تتوفر  ظروف عمل وفريق من الباحثين والمساعدين لتحقيق غاياته العلمية التي لا تتوقف عند حد معين.
 
وسط  النجاحات  التي كان الرجل يحققها  في عالم البحوث الأميركية تقدم منه خلال حفل عشاء حاكم ولاية دلاوار وعرض عليه  استقباله في ولايته وتوفير كل الشروط التي يراها نورالدين ضرورية لتحقيق طموحه.

حزم نورالدين الحقائب وانتقل من كاليفورنيا حيث كان يعيش مع زوجته وولديه اليافعين حينذاك للاستقرار في هذه الولاية التي توصف بأنها الأصغر مساحة بين الولايات الأميركية الخمسين.
رابح فيلالي

​​ 
حزم نورالدين الحقائب وانتقل من كاليفورنيا حيث كان يعيش مع زوجته وولديه اليافعين حينذاك للاستقرار في هذه الولاية التي توصف بأنها الأصغر مساحة بين الولايات الأميركية الخمسين.
 
يستعرض معي الرجل في حديقة بيته الخلفية  هذه الذاكرة البعيدة قليلا بصحبة كأس شاي أصر على أن يقوم بتحضيره بنفسه وبصحبة إناء زاهي الألوان على الطاولة ملأه بحبات التين من شجيراته التي غرسها بيديه في حديقة البيت.
 
كنت أستعجل السؤال عن قصة الرحلة من الجزائر  إلى أميركا  وكان نورالدين في أدب ظاهر  للعين وحرص عميق لا يريد أن يعود إلى تلك التفاصيل التي تركها من ورائه.

طموح لم تستغله الجامعات الفرنسية
 
  قال الرجل والإصرار مني يتكرر إنه درس في الجزائر ككل أبنائها وحقق النجاح المرغوب هناك ودرس في الجامعة التي تخرج منها، لكنه وبعد أداء واجب الخدمة العسكرية لمدة عامين قرر أن يغادر إلى الجامعات الفرنسية علها تنجح في تحقيق بعض من طموحاته العلمية التي ينام ويستيقظ عليها في تفكيره.
 
 التجربة في فرنسا لم تكن ناحجة كما يتمناها نورالدين. يقول الرجل عن تلك التجربة "هناك حاجز كبير بين الفرنسيين  والقادمين للحياة في فرنسا و خاصة أولئك المتحدرين من شمال إفريقيا".
 
الفرنسيون حريصون جدا على أن يفتحوا أمام كل أجنبي نصف الباب فقط وليس كل الباب  ولا يسمحون لك أن تكون في دائرة الضوء بالكامل لذلك أدرك ابن مدينة بومرداس الساحلية في شمال الجزائر أن طموحه غير ممكن التحقيق بين الفرنسيين واختار أن يركب الطريق إلى هجرة بعيدة جدا هذه المرة إلى أميركا بعد دعوة من أحد أساتذته  الأميركيين الذي فتح له  بيته  ومراكز بحوثه إلى أن تجازو نورالدين طبيعة البدايات في كل تجربة هجرة جديدة.
 
هنا في أميركا أعاد المهاجر الجزائري صياغة العالم في تفكيره من جديد وتعرف إلى زميلته الجامعية التي  ستصبح فيما بعد زوجته وأم ولديه ويبدأ رحلة جديدة في الحياة وفي رحلة البحث العلمي التي كان يتمناها في كل العمر.

تهنئة من أوباما ومكالمات للجزائر
 
لم تأخد منا هذه الذاكرة المقيمة في قلب الرجل كثيرا من الوقت قبل أن ننخرط  في الحديث عن اللحظة التاريخية التي إنتظرها نورالدين وفريق من الباحثين والمساعدين  والعاملين  في شبكة من الجامعات الأميركية كان لجمعهم إسهام وشراكة في وصول مركبة  "كيريوزيتي "إلى سطح المريخ.
 
كان المساء غائما في المدينة يقول نورالدين عندما انزوى الرجل في بيته.. وتابع كالملايين على شاشة التلفزيون اللحظة التاريخية والمركبة تحط عجلاتها على سطح المريخ.

سارع إلى الهاتف ليطلب والديه في أعالي شمال الجزائر ويصر على سماع تبريكات أمه بنجاحه الذي عاشت لأجله كل عمرها

​​ 
سارع إلى الهاتف ليطلب والديه في أعالي شمال الجزائر ويصر على سماع تبريكات أمه بنجاحه الذي عاشت لأجله كل عمرها. وانطلق بعدها في سلسلة مكالمات أخرى للتهنئة لكثير من الرجال والنساء الذين شاركوه رحلة هذا الحلم الذي كان يبدو مستحيلا إلى حين تحقيقه.
 
في تلك الأثناء كان الرئيس الأميركي  باراك أوباما يقطع فناء البيت الابيض الداخلي ليعلن الخبر السار لمواطنيه ولكل البشرية في كل العالم.
 
الخبر يقول إن رحلة بحث الانسان عن معالم الحياة  فوق كوكب المريخ قد بدأت في هذه اللحظة التاريخية وأن المركبة التي ستحقق في هذه الإمكانية تنزل بنجاح فوق الكوكب البعيد ووراء كل ذلك رجل جزائري مبتسم الوجه دائما هادئ وعميق في طباعه ويخفي بريق عينيه من وراء نظارة أنيقة.. تماما كما يخفي أية حالة غرور أو تباه بهذا النجاح الذي سيغير الكثير من مسار البحوث العلمية في التاريخ الحديث.
 
يقول نورالدين عن تلك اللحظة "لم أفكر في شيء آخر سوى في تلك الجهود الجبارة التي بذلها رجال ونساء العلم لتحقيق هذه المعجزة" .. كانوا يعملون بلا انقطاع بلا أمل في الراحة  ولسنوات طويلة جدا وفي غياب كامل  لكل الأضواء التي يمكن أن تشكل طاقة للدفع الإضافي.
 
"هؤلاء هم الذين فكرت فيهم وحرصت على أن أكتب لهم كلمات التهنئة بالمناسبة العظيمة وأنا أسمع أصواتهم على الهاتف في تلك اللحظة التاريخية". يقول العالم الجزائري.
 
عالم بـ16 اختراع

في ذلك اليوم الذي قصدت فيه مختبر نور الدين في جامعة ديلاوير وجدت الجامعة تخصص جناحا كاملا للرجل ومساعديه وجزءا كبيرا من مركز الأبحاث تحت إدارته وإشرافه وتصرفه، ووجدت الرجل أيضا منخرط في مشاريع بحث متعددة وتحلق في كثير من الفضاءات التي لها بداية ولا تريد أن تقف عند نهاية.
 
 في حوزة العالم الأميركي الجزائري الأصل حتى الآن 16 اختر اعا علميا مسجلا بإسمه في مختلف المختبرات الأميركية ويعمل حاليا على تحليل الصور القادمة من المركبة المرسلة إلى الفضاء إلى مختبره الجامعي لتأكيد أو نفي إمكانية وجود حياة فوق هذا الكوكب، وبعد أن يتم تحليل هذه الصور يرسل نور الدين كل نتائج قراءاته وتحليل الصور إلى مقر وكالة الفضاء الأميركية "ناسا".
 
تتعدد وتتنوع خبرات الرجل لكن طموحه الذي يعمل عليه بدون هوادة ولا توقف هو أن يتمكن يوما ما من وضع طريق جديدة يتم من خلالها الإستغناء عن كل أنواع التحاليل الطبية ويعتمد فيها على قراءة تحليلية للحالة الصحية لأي انسان في العالم من خلال أخذ بصمته.
 
 يبدو الأمر عندما فكرت فيه والرجل ومساعديه يقدومون لي عملهم اليومي أنه أمر مستحيل الحدوث في منظورنا القريب لكن العقل الذي يسكن العالم ليس هو نفس العقل الذي يسكن الكاتب الصحفي فما أراه أنا بعيدا يراه الرجل قريبا، بل وقريب جدا.
 
غادرنا المختبر سوية لتناول وجبة من الطعام في زاوية هادئة وأنا أستمع إلى الرجل لم تمهلني رغبتي في معرفة المزيد منه وعنه لأسأله ماذا أضاف لك الوجود في أميركا؟
 
"لا يمكن حصر ذلك في كلمات". يقول لي الرجل بيقين "لا سقف لطموحي هنا ولا حدود للفكر العلمي ولا حدود لأدوات تحقيق الذات والطموح في المنظومة الجامعية الأميركية ولا سؤال عن عرقي ولا عن جذوري ولا عن تاريخي.. أنا هنا أشكل صورتي وكياني في أمتي الأميركية بالنجاح الذي أحققه وبالإضافة التي أقدمها للبحث العلمي في البلاد".

عالم يرعى أشجار التين
 
كانت الشمس الخريفية تتوارى  في سماء المدينة وأنا أودع الرجل على مشارف المدينة مرة أخرى لكنه في هذه اللحظة اختار أن يودعني بالحديث عن إنسانه الذي يسكنه حتى اللحظة.
 
  لايزال نور الدين كما يعبر في كلماته يزرع الأرض في حديقة بيته وأهداني كثير من حبات الطماطم والخيار وأصر على أن آخذها إلى عائلتي في ضاحية واشنطن، ولايزال يعرف جيدا كيف يرعى شجرات التين في نهاية يومه وفي عطله القليلة ولايزال أيضا يصر على استقدام والديه إلى بيته وعندما يجلسان في نهاية المساء في شرفة بيته المطلة على الوادي المجاور لحديقته يجدان حبات التين في انتظارهما.

ولايزال نورالدين المتعدد الأسفار بين الجامعات الأميركية للتعليم والمحاضرة وفي جامعات الجهات الأربع من العالم يجد الوقت الكافي لزيارة والديه في مدينة بومرداس وقضاء بعض الوقت المريح بصحبتهما والأكثر من كل ذلك أن نورالدين عندما يلعب منتخب بلاده مباريات كرة القدم يحمل ولديه في سيارته ويصحبهما إلى أحد المقاهي حيث يلتقي أقرانه من الجزائريين الذين حققوا كل النجاح الممكن في أميركا، لكن في زاوية من قلوبهم لا تزال الجزائر تسكن هناك.
 
نورالدين الذي عندما سأله في حفل عشاء تكريمه حاكم الولاية بعد نجاح وصول المركبة إلى المريخ .. عن وظيفة أمه العجوز الجزائرية رد في كلمات أدهشت الجميع أن والدته لم تقرأ يوما ولم تكتب وأن والده حارس مدرسة حكومية، لكنهما علماه أن قيمة العلم هي قيمة الحياة في حد ذاتها.

نورالدين الذي عينه حاكم ولاية دالاوار أول سفير للولايات المتحدة على سطح المريخ وخصه بلوجة فريدة توضع على لوحة سيارته الخلفية بعبارة لامثيل لها في العالم لوحة تقول" إذا كانت سيارتي هذه تتحرك هنا بينكم فإن سيارتي الثانية تتحرك الآن فوق سطح المريخ.
رابح فيلالي

​​ 
نور الدين الذي عينه حاكم ولاية  ديلاوير أول سفير للولايات المتحدة على سطح المريخ وخصه بلوحة فريدة توضع على لوحة سيارته الخلفية بعبارة لا مثيل لها في العالم لوحة تقول "إذا كانت سيارتي هذه تتحرك هنا بينكم فإن سيارتي الثانية تتحرك الآن فوق سطح المريخ"
.
 
في ذلك المساء عدت إلى بيتي بعد رحلة  العودة إلى واشنطن وسعادة تقيم في قلبي لأني سأقول لأطفالي  في ساعة النوم قصة نجاح بدأت من الجزائر وأينعت في أميركا لشاب جزائري آمن بنفسه واختار أميركا لتوصله إلى المريخ وأن طموحه تجاوز حدود كوكب الأرض بكاملها..

​​