رابح فيلالي في حواره مع صافيناز
رابح فيلالي في حواره مع صافيناز

كانت في غاية الشجاعة وهي تتحامل على نفسها وآلامها وتحضر مباشرة من سرير المستشفى من باريس لتقطع المحيط الأطلسي لحضور أول حفلات فرقتها الموسيقية "القوسطو" في مركز كينيدي للفنون بواشنطن لأول مرة.

 تحدثت إليها عبر الهاتف لمرات عدة، وفي كل مرة كانت تشعرني بأنها على ما يرام وأن قلبها مملوء بالسعادة لهذه المناسبة الكبيرة التي خططت لها كثيرا وسعت لأجل تحقيقها في وطنها، خاصة وأن هذه المناسبة ستسمح لها بمعايشة نوعية خاصة جدا من المشاعر عندما تقدم لمواطنيها الأميركيين هذا اللون الممتد في جذور الجزائر الاجتماعية والثقافية ألا وهو الفن الشعبي.

هكذا كانت صافيناز بوصبيعة الأميركية من أصل جزائري وهي تحضر إلى واشنطن هذه المرة بروح تختلف عن باقي المرات.

إنها تأتي في هذا المساء لتحقق طموحا شخصيا غائرا في نفسها وهي تعلن لجمهور واشنطن قصتها الشخصية في الكفاح لأجل جمع أطراف لوحة فنية رائعة المعاني والأحداث والألوان من تلك الأرض البعيدة التي ولد فيها والدها، قبل أن يحط رحاله هنا في أميركا وتأتي هي إلى هذا العالم لتخط بأصابعها وبإصرار من روحها على رسم معالم ملحمة إنسانية متناهية الجمال والإبداع في عناصرها.

في واحدة من المرات القليلة التي زارت فيها صافيناز الوطن الأم، كانت تقطع شوارع القصبة المدينة القديمة في قلب العاصمة الجزائرية لتتوقف عند محل لبيع الأدوات الموسيقية، حيث صادف أن صاحب المحل هو جزء من قصة هذه الأدوات الغائرة في تاريخ المكان والانسان.

 توقفت المرأة المملوءة بالرغبة في الاكتشاف عند الرجل الذي كان في شوق معلن لكل من يرغب في سماع قصته وقصة أولئك الأصدقاء الذين صنعوا مجد الأغنية الشعبية في النصف الأول من القرن الماضي عندما كانت الجزائر تحت الاحتلال في تلك المرحلة من التاريخ.

توقفت الفتاة بشوقها الى التطلع والمعرفة وغاص الرجل في عرض قصته وأشواقه الى تلك المرحلة من حياته ومن تاريخ العاصمة الجزائرية قبل قرابة أكثر من نصف قرن من الزمن.

 في لحظة ما لمعت الفكرة في ذهنها: لماذا لا تطلق مبادرة تعمل من خلالها على جمع هذا الجيل الذهبي من الموسيقيين الذين يشكلون هذه الذاكرة البعيدة والمقيمة في قلوبأصحابها وتعمل على لم شملهم مرة اخرى والجمع بينهم في مشروع موسيقي جديد يقدمقصة جميلة لبقية العالم.

بدت الفكرة براقة وجذابة لتفكير المرأة وسرها التعبيرعنها للتاجر شريك الجلسة والقهوة لأن القهوة هي المادة التي يجلس من حولها الناس ويتبادلون اطراف الحديث في الجزائر كما هي العادة دائما.

 لم تنتظر كثيرا صفيناز لتنفيذ فكرتها حيث اختارت ان تتفرع بالكامل لمشروعها وانطلقت في سعيها لتحقيقه في كل اتجاه بين اميركا وفرنسا والجزائر تبحث فيما تبحث عن صورة ووجه إنسان وعلامات على وجود هؤلاء الموسيقيين في مكان ما من الجزائر أو فرنسا قبل ان ترسم خيوطا جديدة للتواصل فيما بينها وبينهم من جانب وبين الجميع من جانب آخر.

نجحت صافيناز فيما لم يفكر فيه الآخرون وجمعت شتات فرقة موسيقية شكلها جزائريون في تلك المرحلة من التاريخ بشراكة تلتقي من حول الفن ولأجل الغاية السامية والنبيلة لكل ما هو جميل وفرح في حياة الجزائريين.

 حدث ذلك اللقاء الجميل بعد حين بين هؤلاء الموسيقيين في مدينة مرسيليا جنوب فرنسا اولا قبل ان يعاد تشكيل الفرقة مجددا وتنطلق في رحلة حفلات طويلة عبر عدة عواصم عالمية.

 في ذلك المساء وقفت صافيناز متحاملة على وجع المها وسعيدة في الوقت ذاته لتقول للجمهور الواسع الذي ضاقت به قاعة العروض الفنية بمركز كينيدي بواشنطن أنا هنا لأقدم لكم فرقة فنية لا تعزف الموسيقي وتغني وحدها وانما تقول لكم بالإضافة الى ذلك قصة شعب يحرص على الفرح ويقدم الوانا جميلة في الحياة ليس لأبنائه فقط ولكن أيضا الى كل انسان في أي مكان من العالم.

على خشبة المسرح تتابع دخول أعضاء الفرقة الموسيقية أجيال وذاكرة تتحرك في كل لمسنة منهم بل وفي كل نظرة من نظراتهم فيما

كان واضحا ذلك المشترك بين هؤلاء جميعا الذين فرقت بينهم الحياة وحملتهم للعيش في اوطان بعيدة ومختلفة انهم هنا لأجل الفن ولأجل اسعاد الاخرين والاهم من كل ذلك انهم هنا لتقديم لمحة فنية عن تلك البلاد التي تملؤها الشمس وتنتشر الموسيقى كعلامة حياة في كل طرف من اطرافها المتعددة والمتنوعة .

 على مرأى ومسمع من جالية عربية وجمهور اميركي متعطش لسماع نوع موسيقي جديد مفعم بالذاكرة الحية وبقصة شعب كافح وضحى كثيرا لأجل استقلا له وحريته

بالنسبة للعرب الاميركيين تحقق في ذلك المساء لون اخر من التواصل مع الجزائر من خلال الموسيقى والاغنية الشعبية وكذلك من خلال القصة الشخصية الانسانية لهذه المجموعة من الفنانين الذين ولدوا في الجزائر وغادروها في وقت مبكر من اعمارهم في صورة روبرت كستال وروني بيريز وليك شاركي ومديوني واخرين.

رقص جزائريون على وقع ايقاعات شعبية لأفراح تسكن قلوبهم وتحقق ذلك المعنى الذي سعت لأجله المخرجة الاميركية الجزائرية الاصل صافيناز في ان تجمع فنانين فرقت بينهم الحياة على منصة واحدة بعد عمر طويل وفي ان تقدم هذه القصة التي تؤسس لمعنى عميق من المحبة والتسامح بين الجزائريين وان اختفت جذورهم ومواقعهم وحتى مواقفهم لكنهم جميعا يتشاركون في الوفاء لذاكرة واحدة ومشتركة بينهم جميعا .

في مشهد الوداع بين الفنانين والجمهور بدت تلك اللحظة مؤثرة جدا عندما يقول فنانون للجمهور العام انهم يحملون اسمى التقدير لمبادرة صافيناز وهي تعطيهم فرصة العودة الى الاضواء م جددا بعد ان طالهم النسيات لعشريات كاملة من الزمن واكثر من ذلك انها تحقق لهم انتشارا عالميا وتقدمهم في اكبر المسارح في كبريات مدن وعواصم العالموتقدم قصتهم في فيلم سينمائي يعرض في عدة مهرجانات سينمائية دولية

تلك هي صافيناز بوصبيعة المرأة التي امنت بهويتها المشتركة بين وطنين وقدمت للعالم قصة نجاح شخصية في تجاوز كل العقبات لتحقيق حلم لها وفي وضع جزء من تراث والدها على مرأى ومسمع من كل العالم. 

عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر
عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر

أثارت هزيمة قوات حفتر التي تدعمها روسيا في قاعدة الوطية الجوية وفي مناطق أخرى غربي ليبيا، على يد قوات حكومة الوفاق التي تدعمها تركيا، تساؤلات عن سر التفوق التركي على الروس، مع إشارات إلى أن الطائرات المسيرة التركية هي التي لعبت الدور الحاسم في المعركة.

وأعلنت حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، الاثنين، سيطرتها على قاعدة الوطية الواقعة على بعد 140 كلم جنوب غرب طرابلس، بعدما كانت خاضعة لسيطرة القوات الموالية لخليفة حفتر.

وقال هاميش كينير، المحلل في معهد "فيريسك مابلكروفت" للأبحاث لفرانس برس، إن سيطرة قوات حكومة فايز السراج على هذه القاعدة تمثّل "ضربة جديدة" لقوات حفتر بعد خسارتها مدينتي صرمان وصبراتة الاستراتيجيتين غرب طرابلس إلى جانب أربع مدن أخرى قبل أسابيع قليلة.

وكان إعلان استعادة القاعدة متوقعا، خصوصا مع ضربات كثيفة شنتها طائرات من دون طيار تركية داعمة لقوات الوفاق منذ الشهر الماضي وطيلة الأيام الماضية، استهدفت بشكل يومي خطوط الإمداد ومخازن السلاح داخل القاعدة.

ونشرت قوات حكومة طرابلس مقطع فيديو يظهر تعرض أحد المخازن داخل القاعدة لقصف جوي، وقالت إن داخلها منظومة دفاع جوي، قبل إعادة نشره الاثنين وظهور إحدى منظومات الدفاع الجوي الروسية بانتسير محترقة جزئيا.

التدخل التركي في ليبيا غير سرد ما يجري فيها، بحسب الخبير في الشأن الليبي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، طارق مقريزي، الذي قال إن الوضع انقلب "من تشديد حفتر الخناق على طرابلس، إلى فوضى عمليته باتجاه الغرب". وأوضح أن "اللعبة انتهت بشكل أساسي" للعسكري المتقاعد الذي يسعى إلى إطاحة حكومة السراج. 

ومنذ تدخل أنقرة في يناير، لم يتم صد حفتر وما يسمى "الجيش الوطني الليبي" التابع له من أبواب طرابلس فحسب، بل فقد أيضا عدة مدن سيطر عليها خلال مسيرته نحو العاصمة التي أطلقها في أبريل 2019.

عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر

انتكاسات حفتر في الغرب شجعت أعداءه وهزت قبضته على معقله في الشرق، وفق مقريزي، الذي رأى أن "ما كان حفتر يديره بشكل أساسي هو عملية احتيال"، مضيفا أنه "طالما استمر في التقدم وتوسيع سلطته، فإنه كان بخير. لكن الآن بعد تعرضه لانتكاسات، فإن الجميع ينقلب عليه".

وتعد قاعدة الوطية إحدى أكبر القواعد الجوية في ليبيا وتصل مساحتها إلى 50 كيلومترا مربعا، في حين يمكنها استضافة سبعة آلاف عسكري في مرافقها، فضلا عن أنها تعد القاعدة الاستراتيجية الأبرز والوحيدة التي تستخدمها قوات حفتر في شن ضربات جوية ضد مواقع قوات حكومة الوفاق في غرب البلاد.

وبالسيطرة على القاعدة تكون المنطقة والمدن الممتدة من العاصمة طرابلس غربا وصولا إلى معبر راس جدير الحدودي مع تونس، تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني بالكامل.

أما بالنسبة لحفتر، فخسارتها تعني أنه لم تعد له أي سيطرة في غرب البلاد باستثناء مدينة ترهونة التي تمثل مقرا لغرفة عملياته وقاعدته الخلفية الرئيسية حيث تشن قواته هجماتها منها على جنوب العاصمة.

دور تركيا في ليبيا ليس سريا، فهي ترسل الطائرات المسيرة والمدرعات والمرتزقة، بينما تتحدث وسائل الإعلام الرسمية والمقربة من حكومة رجب طيب أردوغان عن النصر هناك.

أما فوزها فيبدو أنه يرجع إلى "وضعها أهدافا محدودة" لعمليتاها، وفق مقال تحليلي لصحيفة جيروسالم بوست. تركيا سعت لمنع حفتر من الوصول إلى طرابلس، بينما تفاخر الأخير لأشهر طويلة بـ"فتح قريب" للعاصمة، وأمهلها قبل أشهر ثلاثة أيام لمغادرة المدينة، لكنها لا تزال هناك، بينما اظطر هو إلى التراجع اليوم.

وبينما حددت أنقرة أهدافها، لم تكن أهداف كل من روسيا والإمارات ومصر التي تدعم حفتر واضحة، بحسب المقال الذي كتبه المحلل الأمني المتخصص في الشرق الأوسط سث فرانزمان، والذي أوضح أن هذه نقطة مهمة لأن "أوجه القصور في سياسة القاهرة وأبو ظبي وموسكو تشبه صراعاتها في اليمن وسيناء وسوريا".

وأردف أن "البلدان الثلاثة لا تجيد حروب الوكالات حتى تفوز فيها، لكنها جيدة في ما يخص إبقاء النزاعات قائمة"، على حد تعبيره. وأشار إلى أن روسيا تعلمت ذلك في أوكرانيا وجورجيا، وأنها وإن أنقذت نظام الأسد من زوال وشيك في 2015، إلا أنها تحب اللعب على طرفي النزاع وبيع تركيا صواريخ إس-400 والاتفاق على سيطرة أنقرة على مناطق في سوريا مثل عفرين وإدلب وتل أبيض.

وتابع الكاتب أن روسيا بدت وكأنها تفوز في كل مكان بين عامي 2015 و2020 نظرا، إلى حد كبير، للتراجع الأميركي عن الساحة الدولية. وأضاف أن "واشنطن عندما تنسحب، روسيا تتدخل وهو ما كان واضحا في شرقي سوريا" حيث أحبطت حملة أميركية ناجحة ضد داعش في أكتوبر 2019 مع انسحاب الولايات المتحدة ما أدى إلى عدوان تركي على حلفائها الأكراد. "هنا روسيا انقضت على اتفاق لوقف إطلاق النار فهي تحب الانقضاض"، وفق الكاتب.

"لكن عندما يتعلق الأمر بتدريب الليبيين على استخدام نظام بانتسير الروسي، فليس واضحا إن قدم الروس المساعدة. لماذا نقل حفتر أنظمة بانتسير إلى قاعدة الوطية وقرب سيرت ليتم استهداف الواحد تلو الآخر بدرونز يبدو أنها تركية؟"، كما تساءل فرانزمان.  

قاذفة صواريخ في قاعدة الوطية الجوية التي استعادتها القوات التابعة لحكومة الوفاق

وتابع "أنظمة الدفاع الجوي يفترض أن تحمي من الطائرات المسيرة وليس أن تكون هي هدفا. لا نعرف سبب فشل الأنظمة الروسية أو كيف بالتحديد وصلت إلى ليبيا. ربما عن طريق الإمارات أو مصر، لكنها دمرت الآن ولا توجد إمدادات غير متناهية منها. توجد إمدادات لا نهاية لها من طائرات بيرقدار المسيرة التي يصنعها صهر الرئيس التركي وترسل إلى ليبيا حتى تتعلم تركيا ما يصلح" وما لا يصلح.  

مقريزي من جانبه أوضح في مقال بعنوان "ليبيا أصبحت الآن شأنا تركيا"، أن حفتر "إن لم يتمكن من استعادة التفوق الجوي، فإن خساراته ستتوالى"، لكنه أشار إلى أن الحرب لم تنته بعد، حتى وإن حصدت حكومة الوفاق مكاسب كبيرة في الشهر الماضي.

مجموعة الأزمات الدولية سبق أن قالت إن اندفاعة تركيا، التي تكمن وراءها مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الخاصة، زادت في تعقيد الأزمة الليبية ذات الأوجه المتعددة أصلا وكشفت أنه كلما قدم اللاعبون الخارجيون العتاد والمقاتلين لحلفائهم الليبيين، طال أمد الصراع وأصبحت حصيلته أكثر تدميرا.

وترى أنقرة أن دعمها لحكومة طرابلس ضروري لمواجهة مجموعة من القوى المعادية العازمة على احتواء نفوذ تركيا الاستراتيجي والاقتصادي في حوض المتوسط وفي الشرق الأوسط عموما. 

وفي الوقت نفسه يرى الداعمون الخارجيون لحفتر في ليبيا ميدانا رئيسيا لمعركة جيوسياسية ولم يترددوا في التصعيد، وفق المنظمة.

 الفكرة هي، كما ختم فرانزمان، أن "ليبيا جزء من صراع حول من سيفوز في الصراع الأكبر على النفوذ في الشرق الأوسط. تركيا وقطر أم إيران أم روسيا أم مصر والسعودية والإمارات؟ هل قلبت تركيا الأحوال في ليبيا؟ الإعلام يصور الوضع على أنه كذلك وهذا كل ما يهم أنقرة، فهي تريد إظهار أن نموذجها ناجح. وهو ما فعلته في سوريا من خلال إحراج الولايات المتحدة ومحاربتها نظام الأسد، وهي تقصف العراق أيضا لإظهار قدرتها على السيطرة على مجاله الجوي. هل يستطيع داعمو حفتر تغيير سرد الأحداث أو على الأقل حثه على البقاء في اللعبة؟ لم يقدروا على حمله إلى الهدف ويبدو أن تركيا نجحت في دعم طرابلس في الوقت الراهن".