الحرة تغطي العاصفة الثلجية التي ضربت واشنطن
الحرة تغطي العاصفة الثلجية التي ضربت واشنطن

يعيدني الثلج في العادة إلى تلك السنوات الأولى من الطفولة الباكرة وإلى قريتي الأولى في أقصى شمال شرق الجزائر، حيث تحيط بنا الجبال من كل جانب وتنقطع سبل الحياة عن أهل القرية بصورة كاملة إلى حين انقشاع الثلج، لكن هذه القساوة من الطبيعة كان للسكان وقتذاك أساليبهم الخاصة لمواجهتها من خلال الاستعداد الباكر لموسم الثلوج، فهم يخزنون في بيوتهم الطينية كل الذي يحتاجونه لموسم الثلج الطويل، وحتى لأبقارهم وأغنامهم وعنزاتهم من مؤونة وعلف وحطب للتدفئة.

مشهد أول

 في تلك القرية كان الناس يؤمنون أن حاجات الشتاء الطويل يجب تأمينها في موسم الصيف الحار والمفتوح الفضاءات أمامهم للسعي الدؤوب، لذلك يلجؤون إلى تجفيف الفواكه والخضروات وتخزينها في أواني الطين وتغليفها وترتيبها في "الدكان "، وهو مكان قصي عادة ما يبنى من طين في الجانب الخلفي من البيت ويغطى بالفلين إلى حين قدوم أول عواصف الثلج، وحتى اللحم الذي يعتبر مادة غنية ومكلفة لميزانيات العائلات هناك، تلجأ الأمهات والجدات إلى تخزينه عن طريق تحويله إلى قديد بالاستعانة بالفائض من لحم عيد الأضحى وما يجود به موسم الأعراس في كل صيف.

هذه الذاكرة أستعيدها مع نفسي في كل مرة تغزو العواصف الثلجية العاصمة واشنطن وأتأمل من خلالها الفوارق الهائلة في حياة الإنسان عندما كان يعتمد على عبقرية فطرته في تأمين نفسه وحاجاته الأساسية أمام تقلبات الطبيعة، وكيف تساعد الحياة اليوم باختلاف أساليبها في مساعدة الإنسان على جعل الحياة أسهل وطرق ممارستها متاحة بجهد أقل واحتياطات أقل بكثير.

هذه الذاكرة تزداد لمعانا بداخلي وأنا أستمع إلى محطات الإذاعة في الطريق إلى العمل أو البيت، وهي تطالب من السكان أخد احتياطاتهم اللازمة لمواجهة العاصفة الثلجية التي عبرت واشنطن وما جاورها الأسبوع الماضي، والتي وصفت بأنها الأسوأ في تاريخ مدن الساحل الشرقي الأميركي منذ العام 1928 من القرن الماضي.

ولأن التحذيرات كانت جدية وجادة هذه المرة، كان القلق الذي سكنني وسكن قلوب كثير من الآباء والأمهات هو الخوف من انقطاع الكهرباء، وهو الأمر الذي سيؤدي حتما إلى تعقيد تأمين طلبات الأطفال من أكل وتدفئة في مثل هذه الظروف فوجدتني أعود إلى تلك الخبرات الدفينة في القلب والذاكرة معا، والتي استلهمتها من تجربة جدتي وأمي في التعامل مع موسم الثلوج باللجوء إلى تأمين كمية من الحطب الجاف وتخزينها في الحديقة الخلفية من بيتي، وتجهيز مدفأة البيت للضرورة القصوى، وحينها قطعا سأجدني وعائلتي أعتمد على أساليب أصيلة في الطبخ والتدفئة، ولكن لحسن الحظ أن الكهرباء لم تنقطع عن أغلب مدن الساحل الشرقي، وظلت الحياة قائمة في صورتها البهية، بل إن ذلك البياض زادها كثيرا من السحر الإضافي، لمعالمها وطرق ممارستها.

موسم الثلج هذا كان أيضا مناسبة رائعة في الذاكرة لسماع آلاف القصص والحكايا التي يطلقها الأجداد والجدات على مسامعنا الطرية والشغوفة لمعرفة تجارب السابقين من الناس إلى هذا العالم. حينها وللمزيد من أدوات التشويق، تلجأ جدتي إلى إضرام النار في "الكانون "الذي يتوسط البيت الطوبي، وإطفاء القنديل الزيتي ومد أفرشة الصوف التي هي في الأصل من بركات عيد الأضحى علينا، ومدنا كأطفال بغطاء كانت قد عملت على نسجه في موسم الصيف الماضي مما زاد عن حاجتنا من ملابسنا التي ضاقت على مقاساتنا أو زادت عن حاجتنا أو لم تعد صالحة للاستعمال أصلا.

أصابع الجدة الناعمة والصانعة للحياة لم تكن تفوت أي فرصة لإعادة تدوير كل شيء من حولها ليعود صالحا للاستعمال في حياتنا بطريقة مغرية وجذابة لرغباتنا كأطفال.

 تطفئ الجدة القنديل الزيتي الذي يكفي لإضاءة كل زوايا البيت الطوبى وتطلق في الفضاء حكاياها التي تنقلنا إلى عالم بعيد جدا، ولأننا لا نملك أمام جماليات صوتها وأدائها القصصي الراقي جدا سوى إطلاق العنان لخيالاتنا لتصور لنا المشاهد التي تتحدث عنها، فتبكينا أحيانا وتضحكنا في مناسبات أخرى، قبل أن تأخذ أنفاسنا إلى السماء دهشة وارتفاعا أمام ما تقوله لنا عن أبطال قصصها قبل أن يداهمنا النعاس في صمت كبير، لتتفرع هي لصلواتها التي لا تنقطع بأن يحفظ الله لها أحفادها وزرعها وأبقارها من كل سوء وسط هذه العواصف الهوجاء التي تضرب القرية في كل جانب، فيما يأخدنا النعاس في اتجاه أحلامنا التي عادة ما تكون استمرارا لتلك المشاهد التي رسمتها لنا حكايات الجدة الأسطوري.

مشهد ثان 

لم يكن التلفزيون متاحا لطفولتنا، ولم يكن عالم الإنترنت الذي يملأ حياتنا الآن بالمطلق قد وجد في ذلك الزمن، لكن أحلامنا كانت تكبر وخيالاتنا تتشكل بحسب تلك القصص التي تمتعنا بها الجدات والأمهات. بل إن كثيرا من قيمنا التي صنعت رؤيتنا للحياة والإنسان صنعتها تلك القصص والروايات التي عبرت مسامعنا في ذلك الزمن العميق، واستقرت في القلوب منا ورسمت لنا هوية ثقافية لرؤيتنا في الحياة منذ الزمن الباكر من طفولتنا.

هذا المشهد بكل الجماليات التي تقيم في تفاصيله لم يكن لينتهي دون العبور على تلك الصورة التي يرسمها الصباح الموالي في أرجاء القرية عندما يعبر الشباب اليافعون على كل البيوت، ويطرقون أبوابها الخشبية للاطمئنان على بقية أهل القرية، وتفقد حاجتهم في الليالي الطويلة وإن كان هناك ما يمكن أن يقدم من مساعدة ومن أي نوع.

هذا المشهد يتكرر في كل صباح موالي لليالي العواصف .. مشهد عاد إلى ذاكرتي بكل الذي فيه من وهج ورئيسة بلدية واشنطن رويال باوسر تطلب من سكان مدينتها بأن يبادروا إلى تفقد بيوت جيرانهم خاصة المسنين منهم للاطمئنان على صحتهم والسؤال أن كانوا بحاجة إلى مساعدة في هذه الساعات العصيبة.

ما رسخ في ذاكرتي الشخصية منذ الزمن البعيد كما يبدو الآن وما قامت به عمدة واشنطن المكافحة لأجل تحسين ظروف الحياة في شوارع العاصمة الفيدرالية ورجاءها من السكان بتفقد أوضاع بعضهم البعض، والتأكيد على أن ذلك من صفات المواطنة الجيدة وسلوك إيجابي يعزز المحبة والتظافر بين الناس في الأوقات القلقة.

لقد جعل هذا إيماني يتعمق أكثر بأن القيم الإنسانية واحدة في كل مكان وزمان من حياة الإنسان، وإن اختلفت القارات وباعدت بين الأمكنة محيطات وبحار وجبال، إلا أن فطرة الخير في الإنسان تظل هي القيمة القابلة للحياة في كل مكان و مع كل إنسان.

مشهد ثالث 

كانت فصول العاصفة الطويلة قد انقضت وبدHت مع فريق التصوير الذي قطع أميالا طويلة ليصلني نتلمس معالم الطريق بحثا عن قصة صحافية، فيما أعقب العاصفة من مشاهد حياة في واشنطن و مدن شمال فرجينيا.

الشمس تطل في فضاء المكان وتجهد في إخفاء شوقها للسطوع بعد أن ظل المشهد لعواصف من الثلج لم تنقطع ليومين وليلتين كاملين نام فيهما الناس باكرا. تعطلت الحياة بصورة شبه كاملة في أرجاء أكبر عاصمة سياسية في العالم على غير العادة تماما في هذه المدينة المزدحمة الحركة والحياة والأحداث على مدار الساعة والزمن في كل أرجائها.

تنبهني الزميلة المصورة " اليزابيت ساوساو " أن هناك رجلا يطرق الأبواب ويتحرك من بيت لآخر في أحد الأحياء السكنية في منطقة "سبرينغفيلد" شمال فرجينيا، وهو الحي الذي لفت انتباهنا واخترناه ليكون موضوعا لقصة اجتهاد السكان لأجل استعادة معالم الحياة في المدينة فيما بعد العاصفة.

 اقتربت من الرجل لأسأله السماح لنا بالحديث إليه أولا، قبل أن نطلب منه ماذا يريد من جيرانه؟

في هدوء يقول الرجل إنه حاول جاهدا الخروج من بيته في ساعة مبكرة صباحا للوصول إلى مرضاه المسنين الذين هم في انتظار وصوله في الساعات القادمة بحكم وظيفته كممرض مناوب، وهو لا يستطيع التأخر عنهم و صحتهم لا تحتمل البقاء من غير متابعة دقيقة وأدوية في مواعيدها. وجد نفسه في مواجهة أكوام هائلة من الثلوج التي تحاصر بيته وسيارته وحتى الطريق الفرعي الذي يوصل حيه السكني بالطريق الرئيسي الذي تكفلت مصالح الحكومة بتنظيفه أمام العابرين.

 ولأنه لا يمكن لإريك أن يؤجل موعد عبوره على مرضاه المسنين لليوم الثاني على التوالي، فانه وجد الحل في طرق أبواب الجيران وسؤالهم المساعدة في هذا الأمر، وعرض قصته عليهم والتأكيد على أن اقتناعا مشتركا بينهم جميعا تجسد بضرورة الذهاب سريعا إلى مرضاه وتقديم الخدمة المطلوبة.

أتم "ريك "جولته بين السكان ليتغير المشهد بالكامل في الحي السكني. خلال لحظات قصيرة جدا خرج العشرات من بيوتهم بألوانهم المختلفة وبأعمارهم المتباينة أطفالا وأمهات وآباء لينخرط الجميع في عملية تنظيف المساحة المشتركة بين سكان الحي لتمكين الجار الممرض من الوصول إلى مرضاه المتنظرين لقدومه.

في المشهد ذلك كانت أميركا في أجمل صورها، حيت توحد سكان الحي ذوي الأعراق والأصول والأديان المختلفة في خدمة غاية إنسانية في منتهى السمو والنبل: مساعدة للجار المحتاج لمساعدة حتى يستطيع هو من جانبه الوصول إلى مرضى مسنين في بيوتهم، ويعطيهم الدواء اللازم وفي الوقت اللازم أداء لوظيفته وتمسكا بواجب إنساني مقدس أولا.

 في نهاية ذلك المساء، كنت أنا من جانبي أنقل هذه القصة الإنسانية إلى ملايين المشاهدين عبر شاشة الحرة.

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.