الزميل رابح فيلال خلال تغطية  اول انتخابات رئاسية تعددية في أفغانستان
الزميل رابح فيلال خلال تغطية اول انتخابات رئاسية تعددية في أفغانستان

كنت في بداية مشواري المهني وأنا أبدأ اكتشاف الرحلات الطويلة الشاقة بحثا عن القصص الإخبارية اللافتة عندما طلب مني مسؤولو صحيفة النصر الذائعة الصيت في شرق بلدي الأم الجزائر رصد معاناة سكان جبال "بابور" الشديدة الارتفاع والكثيرة الثلوج في مواسم الشتاء الطويلة، حيث يعاني أهلها مرارات متعددة لمواجهة البرد وأهواله في كل موسم برد يحل عليهم.

 كان الموسم في إطلالاته الأولى حينذاك، عندما وصلنا قمة الجبال ومعي فريق التصوير وسائق الصحيفة وواجهنا جميعا حقيقة ذلك البرد القارس في هذا الجزء من المرتفعات العالية جدا، وأدركنا معاناة هؤلاء الناس في هذا الوقت من كل عام.

 بدأنا حديثنا إلى سكان المداشر المبعثرة في قمة الجبال عن معاناتهم وعن طموحاتهم، والتي لم تكن تتعدى القدرة على مواجهة هذا البرد القارس والقدرة على تأمين التدفئة اللازمة لصغار ومسني العائلات المتواجدة هناك.

 كتمت وجعي الكبير لحظتها والناس لا يجدون وسيلة لإجلاسنا عليها سوى الاستعانة بأفرشتهم العائلية ووسائد نومهم في محاولة للقيام بواجب الضيافة معنا. ولأن البرد هنا يأتي باكرا في ساعات ما بعد الظهيرة مباشرة، كان السائق يشير علي بين اللحظة والأخرى وبين نظره وأخرى بتكرار النظر إلى ساعة يده، في دعوة صريحة منه لنغادر المكان سريعا قبل أن يداهمنا الظلام سريعا ونحن مضطرون في كل الحالات لقطع كيلومترات هائلة على أقدامنا.

كان علينا أن نتمكن من الوصول إلى المكان الذي تركنا عنده سيارتنا حتى نتمكن من إكمال طريقنا إلى قمة الجبال.

عند لحظة السلام تلك وبعد الفراغ من إجراء الأحاديث المطلوبة وسماع مختلف القصص التي سيكون من الظلم أن أتجاوز عن أهم مشاهدها وهي قول السكان لي إنهم لا يتمنون الموت أبدا لأي من أفراد عائلاتهم في كل الحلات وخاصة في هذا الموسم الشديد.

في حال حدوث ذلك، سيضطرون لدفن موتاهم مرتين مع كل الذي يسببه ذلك لأهاليهم من آلام في المرتين مرة في مدفن مؤقت مخصص لمواسم الثلج الطويلة وآخر بعد انقشاع الثلوج وذوبانها وقدوم موسم الربيع وبداية إطلالات الحرارة والدفء على هذه الجبال الغاية في الارتفاع.

عند لحظة السلام وأنا أمد يدي لأصافح أحد أعيان ساكنة تلك المنطقة، وأستأذنه في الرحيل انفتح فاه عن آخره وهو لا يصدق ما يسمعه مني وأنا أردد: شكرا لكرمكم أيها الشيخ الفاضل، حان الآن وقت مغادرتنا ونتمنى لكم كل الخير".

وعدته مع أمنياتي الصادقة بأن أكتب معاناتهم متمنيا أن يوجد من يتكفل بحل مشكلاتهم على كثرتها وتعقيدها.

 رد الرجل كان في منتهى العفوية وهو يقول "هل ستغادرون من غير أن نقوم معكم بواجب الضيافة؟".

شعرت بالخجل العميق عن أي ضيافة يتكلم الرجل الكريم وهو لا يكاد يجد الحيلة إلى ملء بطون أطفاله الصغار الذين بالكاد يضعون على أجسادهم ما يكفي من الثياب الذي يقيهم شر هذا البرد الذي يتربص بهم.

سألت الرجل عن أي واجب ضيافة يتحدث . صمت قليلا ليقول لي "يا بني لدي شاتان سأقوم بالاحتفاظ بالأولى لأنها حديثة الولادة ومنها يتغدى صغاري من حليبها، وسأذبح لكم الثانية لأن مقامكم عال جدا عندنا وقدومكم لنا وفي هذا الموسم تضحية لامست قلوبنا".

هزمتني صدمة اللحظة ووجدتني أفقد السيطرة على دموعي وأنا أمد يدي للرجل لمعانقته طويلا على حرارة الكرم في روحه والسخاء في قلبه. رجوته صادقا أن يحتفظ بكل شيء في حيلته لأجل أطفاله لأن في ذلك التكريم الحقيقي لشخصي الفقير الحيلة أمام هذا الموقف.

عدت إلى مقر الصحيفة في اليوم الموالي وأنا أتساءل كيف سأبدأ سرد القصة التي أخذتني إلى جبال بابور. وبعد إلقائي التحية على رئيس التحرير وسرد الموقف واللحظة والدمعة التي هربت من عيني، كان الرد سريعا والدمعة تكاد تخونني مرة أخرى بأن هذه الحادثة يجب أن تكون هي مطلع التحقيق الصحافي، وعلينا أن نجعل منها مقدمة رئيسية على الصفحة الأولى من العدد الجديد للصحيفة.

وقتها وفي أوقات أخرى عادة ما انشغلت فيها غرف الأخبار في جهات العالم المختلفة عن حق الصحافي في التعبير عن مشاعره والانخراط في أجواء القصة الصحافية ولذلك مؤيدون ومعارضون ولكل فريق من الاثنين حجته التي يدافع عنها بقوة وشراسة دائمتين.

لكنني بين الطرفين وجدتني دائما أكثر إيمانا بالشق الإنساني الذي هو مفتاح العمل الصحافي في حد ذاته، بل إنه هو الطريق الأقصر للوصول إلى قلوب الناس ونقل قصصهم. تلك هي قناعتي في الممارسة الصحافية بكل أنواعها وأنماطها.

في مكان آخر من العالم المتباعد الأطراف وفي مناخ مختلف تماما كنته في ذلك الشتاء القارس هو أيضا عندما دفعت بي أقدار المهنة إلى كابل عاصمة أفغانستان لتغطية أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الأفغان فوجدتني أواجه قصة مختلفة تماما هذه المرة.

تلك القصة تعود بي إلى مواجهة مشاعر امرأة اختارت أن تترشح لانتخابات الرئاسة في مجتمع اختار أن يغلق كل المنافد والنوافذ والأبواب جميعها في وجه نسائه وبصورة لا تسمح لهن على الإطلاق بالقيام بأي نشاط عام في حضور رجال آخرين.

 كانت المرشحة لتلك الانتخابات طبيبة أطفال تعمل مع النساء والأطفال على مدار السنة، لكنها كانت في الوقت ذاته محاطة بقيود عدة لا تسمح لها بالنشاط العام حتى وهي ترتكز على رصيد اجتماعي هائل في العاصمة الأفغانية باعتبارها محاضرة سابقة بكلية الطب الأفغانية، وهو الأمر الذي فتح لها الطريق واسعا لتكون واحدة من النساء القليلات اللواتي سمح لهن بالمشاركة في مجالي اللوياجيرغا التي وضعت دستور أفغانستان الجديد في المرحلة التي أعقبت سقوط حركة طالبان في البلاد.

شكوى الطبيبة والناشطة السياسية الأفغانية النشطة ليس فقط من ذلك الميراث الذي يحول بين الأفغانيات وتحقيق ذواتهن في الحياة، إنما اضطرارها وهي التي تقدم نفسها كمشروع رئيسة لأفغانستان إلى أن تنظم حملتها الانتخابية من وراء الأبواب فهي ووفقا للأعراف القائمة عليها أن تجتمع بالنساء في بيتها أو بيوت أخرى أو هنا في عيادتها حيث تستقبلني في كل مرة لإجراء مقابلات صحافية للحديث عن تطورات الحملة الانتخابية في كابل ومستقبل الرئاسة في البلاد.

وجع آخر لا تتردد المرآة التي لا تزال حتى اللحظة تعرف بين الأفغان باسم الدكتورة جلال اختصار لاسمها الكامل " مسعودة جلال "وهي الطبيبة المعالجة لأغلب أطفال العاصمة الافغانية وهيتلك الطريقة التي تم التعامل بها مع صورها التي أراد أنصارها إلصاقها في أطراف مختلفة من المدينة في محاولة للفت الأنظار إلى وجود امرأة مرشحة لمنصب الرئيس في أفغانستان الجديدة.

ما كان قاسيا على القلب لحظة حديث جلال عن أحلامها في أن تقدم بخروجها إلى العلن لأجل أن تحيي قدرة الحلم في قلوب الأفغانيات اليافعات، وحلمها بان يكون ذلك ممكنا في حياتها. لكنها بكت وأبكتنا جميعا في ذلك المجلس لعجزها عن حلحلة هذا الكم الهائل من الحواجز التي تحيط بالواقع اليومي في حياة الأفغانيات، حتى وهي لا تخفي سعادتها بجرأتها في المحاولة.

ليس من السهل أن يحدثك إنسان عن قهره في مكان وعن وعيه بالخطأ الذي يملأ الحياة حوله وعن ضرورة التعامل معه وفي أحيان أخرى عن ضرورة التكيف معه.

 لم يكن سهلا على الإطلاق المحافظة على الحياد أمام "هول" الموقف ذاك، وهنا أيضا هربت مني دمعتان وبذكاء منها اعتذرت المرأة وطلبت لي كاس ماء لتجاوز الموقف لكن الموقف كان وسيظل أكبر من أن ينسى. 

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.