مؤسسة الصحة المغاربية الاميركية
مؤسسة الصحة المغاربية الاميركية

رابح فيلالي

للطفل بلال صاحب الـ10 سنوات حكاية مؤلمة في عمره القصير، وعائلته تكتشف بعد فترة من ميلاده إصابته بهذا المرض الكثير الانتشار بين مواليد منطقة شمال إفريقيا "سبينا بيفيدا"، والذي تتجسد أعراضه في هذا الكيس المائي الذي ينتشر على ظهر الأطفال في مراحل العمر المتفاوتة، مما يؤدي الى عجزهم عن الحركة والنشاط والالتحاق بالمدارس كبقية الأطفال. وتضيع بذلك أحلام كبيرة وكثيرة وفي مقدمتها تلك الفرحة الأسطورية التي تعمر قلب كل أم بصغيرها وهو يخطو خطوه الأول في الحياة، وبتلك الخطوات الأولى لخروجه من ظلها إلى العالم الآخر بدخوله المدرسة.

والدة بلال في طريقها لأن تواجه كل هذا الحرمان. ويزيد حزنها كبرا وألمها اتساعا والأطباء يخبرونها بنوع من القطع والتأكيد على أنه لا أمل في شفاء طفلها وأنهم هنا في هذا الجزء من غرب الجزائر لن يستطيعوا حيلة أمام هذه الوضعية الصحية المعقدة لصغيرها.

هنا في واشنطن، يوجد رجل بمعية أصدقاء له اختاروا أن يحملوا هم والدة بلال وهموم هؤلاء الآباء والأمهات في قلوبهم.

إنه الطبيب الأميركي من أصل جزائري عزالدين إسطنبولي، الذي تخرج من الجامعة الجزائرية قبل ربع قرن من الزمن قبل أن يلتحق بباريس لمواصلة تعليمه هناك ويختار لاحقا إكمال دراسته الأكاديمية الطبية والحياة هنا في الولايات المتحدة.

عزالدين ورومية وآخرون انخرطوا جميعا في عمل تطوعي من خلال مؤسسة أنشأوها هنا في منطقة واشنطن الكبرى، لأجل المساعدة في علاج هؤلاء الأطفال ومساعدتهم على العودة إلى الحياة، وفي أبهى الصور الممكنة.

في بداية الفكرة، كانت العملية التي خاضها عزالدين تتجسد في التواصل مع أطباء وممرضين أميركيين عبر مشافي المدن الأميركية واستقدام الأطفال المصابين إلى هنا، ولأن العملية تحتاج إلى جهود جبارة من الناحية الإدارية والرعاية الصحية والمالية فكانت الحاجة ماسة إلى جهد كبير من المتطوعين والمتبرعين من أبناء الجالية الجزائرية والعربية هنا في واشنطن، إضافة إلى مؤسسات أميركية اختارت أن تساهم في هذا المسعى الإنساني بامتياز من خلال رعاية أمهات الأطفال في فترة إقامتهم بالمشافي وتقديم الخدمات اللازمة من إطعام وإيواء إلى حين تعافي الأطفال وقدرتهم على العودة إلى ديارهم سالمين معافين.

هكذا كانت الفكرة عند إطلاقها ولأن عدد الأطفال الذين يعانون من المرض في منطقة شمال إفريقيا واسع وكبير، انتقل إسطنبولي وشركاؤه في جمعية الصحة الأميركية المغاربية إلى مرحلة أخرى، والتي تتجسد في السفر كفريق طبي مرفقا بالتجهيزات اللازمة كافة إلى تونس لإجراء عمليات جراحية مجانية هناك، وفي ذلك تيسير كبير للعائلات المعنية، بل إن الجمعية بادرت إلى خطوة اخرى أكثر إنسانية وجمالية وذلك من خلال التكفل بنقل الأطفال المرضى وذويهم في حافة للنقل الجماعي من الجزائر برا إلى تونس، وإعادتهم إلى وطنهم بعد الفراغ من العمليات الجراحية المعقدة جدا بطبيعتها.

 في هذه الخطوة تحقق اختلاف آخر كبير جدا في مسعى هذا الفريق الطبي من خلال استفادة عدد أكبر من الأطفال ومد جسور تواصل بين الفريق الطبي الأميركي المسافر من واشنطن إلى تونس مع زملاء أطباء من دول شمال إفريقيا في محاولة لتبادل المعرفة وتحقيق المنفعة ونقل الخبرات العلمية والتطبيقية في إجراء هذا النوع المعقد من الجراحات، وبالتالي النجاح في إنقاذ حياة مئات الأطفال المصابين بهذا النوع من الأمراض المعقدة.

 وأنا اتحدث إلى إسطنبولي وشركائه عن هذا العمل الذي يستغرق وقتا طويلا من حياتهم وأعمارهم في مد قنوات الاتصال مع جهات عديدة في الجهتين من العالم والتحضير الطبي للأطفال المعنيين بالجراحة في الجزء الآخر من العالم، ثم مباشرة إجراءات السفر من الولايات المتحدة إلى شمال إفريقيا إضافة إلى الأيام الطويلة التي يقضيها هؤلاء المتطوعون في إجراء العمليات الجراحية لهذا العدد الهائل من الأطفال.

إنها أتعاب متراكمة بكل تأكيد، يعترف إسطنبولي وشركاؤه لكنهم جميعا يعبرون عن سعادة عميقة وهم يرون تلك الابتسامات التي يطلقها الأطفال وذويهم وهم يكتشفون قدرة أطفالهم على الشفاء والتعافي والقدرة على العودة إلى حياتهم الطبيعية وأكثر من كل ذلك أنهم الآن فقط يملكون القوة المشجعة على الحلم بالذهاب إلى المدارس ومباشرة تعليمهم كبقية الأطفال الآخرين.

 في هاتف إسطنبولي الكثير من هذه التعابير الساحرة من الأطفال وكثير من دموع الفرح التي تنساب بعفوية خرافية من عيون أمهات أطفال رأوا الفرح ممكنا في حياتهم بعد رحلة طويلة من المعاناة بين المشافي ويأس كبير من شفاء أطفالهن بل إن البعض منهم سلمن بقدرهن وقررن مواجهة الحقيقة على مرارتها في حياتهن وحياة أطفالهن بعد تأكيد أكثر من طبيب محلي أنه لا طريق لعلاج هذا المرض في ظل الإمكانيات المتوفرة ومحدودية الخبرات في التعامل مع هذه الحالة المرضية.

 يعتقد إسطنبولي وشركاؤه أن هذا العمل الذي يقومون به هو أفضل تجسيد لثقافة مشتركة تجمع بين القيم الأميركية التي تقوم على تقديم المساعدة الواجبة للآخرين عندما نملك القدرة والاستطاعة على فعل ذلك، وبين ذلك الواجب الإنساني الذي يشعرون به تجاه أطفال أبرياء في مواجهة مرض ولدوا به وهم جديرون بالفرح في حياتهم كبقية أطفال العالم الآخرين وأن هذا المرض الذي تملك المشافي الأميركية القدرة العلمية والخبرة العملية في التعامل معه ممكن التعافي منه.

 هذه المرجعية الثقافية المشتركة بين أوطانهم الأصلية ووطن المهجر هذا، هي التي جعلت المتطوعين في منظمة الصحة المغاربية الأميركية يحققون هذه النجاحات في سبيل إسعاد أطفال لا يملكون من الحياة سوى ابتسامات وكلمات طبية يطلقونها في وجوه الأطباء الأميركيين الذين قطعوا آلاف الأميال لأجل الوصول إلى تونس وإجراء هذه العمليات الجراحية مجانا لعشرات الأطفال الذين تخلى عنهم الجميع، ولكن في قلوب أعضاء هذه المؤسسة الخيرية متسع كبير لهم جعلهم يعملون كل ما هو متاح لهم حتى تنتهي هذه المأساة في حياة هؤلاء الأطفال.

 قبل شهور ثلاثة فقط فتح إسطنبولي وشركاؤه بابا جيدا لسعيهم الإنساني هذا الذي لا يتوقف عند حد أو طموح وذلك من خلال مباشرة عمليات جراحية جديدة ولكن هذه المرة بمحافظة المدية وسط الجزائر وهي العملية التي استفاد منها عشرات الأطفال وتغيرت حياتهم من بعد ذلك إلى الأفضل وإلى الأبد.

عن هذه التجربة يقول جميعهم إنها تجربة خاصة جدا في مشاعرهم وهي التي تعيدهم هذه المرة إلى الوطن الأم والاحتكاك بأطفال جزائريين وعائلاتهم والذين لم يكن بإمكانهم ولا في إمكان هذه المؤسسة الخيرية أن تستقدم جميعهم إلى الولايات المتحدة، يقولون إن التجربة حققت نجاحا طبيا رائعا بالتأكيد وهي التي كانت بمشاركة فريق من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات الأميركيين والأميركيات الذين كانوا في غاية السعادة وهم يتعاملون لأول مرة وبصورة مباشرة مهنيا وإنسانيا إلى هذا الجزء من شمال إفريقيا ويكتشفون حجم القيم العظيمة التي غمرهم بها الناس هناك من كرم وعطاء ومحبة واحتضان خاصة وأن هؤلاء الأطباء فضلوا ترك أعمالهم وعائلاتهم هنا في الولايات المتحدة والسفر تطوعا إلى الجزائر والبقاء هناك لمدة 10 أيام كاملة لإجراء الجراحات للازمة لهؤلاء الأطفال.

أكثر من ذلك يقول الدكتور إسطنبولي إنه بالإضافة إلى هذا التواصل الإنساني بين العائلات الجزائرية والأطباء الأميركيين، تحقق ذلك المعنى الإنساني السامي من خلال لقاء الناس على خير يخص حياة ومستقبل وصحة أطفال أبرياء لا يملكون سوى الابتسامات البريئة التي يوزعونها في وجوه الجميع وهي الابتسامات التي يقول بشأنها الأطباء المتطوعون إنها حقا تستحق كل هذا العناء.

هدف بعيد آخر تسعى هذه المؤسسة الخيرية إلى تحقيقه وهو نقل الخبرة والمعرفة الأميركية في معالجة هذا المرض إلى أطباء شمال أفريقيا وتمكين هؤلاء من كيفيات إجراء الجراحات الناجحة للأطفال المصابين وفي ذلك أفضل حل لهذه المأساة الإنسانية وتحقيق لأعظم معنى إنساني يمكن أن يجتمع عليه أناس خيرون من ضفتي العالم ولأجل خير أطفال أراد لهم كثيرون الحياة على الهامش وأراد لهم هؤلاء الخيرون هنا في الولايات المتحدة كل الحياة الجميلة التي يستحقونها والتي تليق بهم.

عدد من القوات التي هزمت داعش في سرت (صورة من صفحة المركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص)
عدد من القوات التي هزمت داعش في سرت (صورة من صفحة المركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص)

بخسارة داعش لمقرة قيادته في سرت الأربعاء لصالح قوات حكومة الوفاق الوطنية، يكون التنظيم المتشدد قد فقد أحد أهم معاقله بليبيا التي تقول أغلب التوقعات إنه أراد أن يتخذها مستقرا له مع تضييق الخناق عليه في سورية والعراق.

وتساءل محللون حول ما إذا كانت خسارة التنظيم المتشدد لمقر قيادته في سرت وطرده من أماكن أخرى كان يسيطر عليها في المدينة، تمهيدا لبداية اندحاره من هذا البلد.

إلى أين سيذهب داعش في حال هزم في ليبيا؟ هل سيتحول إلى مجرد مجموعات مشتتة تفرق بينها الجغرافيا وتجمعها أيديولوجية التشدد لتحاول شن هجومات منفردة متى ما سنحت لها الفرص بذلك؟

خسارة معركة أم خسارة حرب؟

يتعلق الأمر حسب رأي المتحدث باسم الجيش الليبي الرائد محمد حجازي بخسارة "معركة كبرى. "

لكن حجازي يضيف في حديثه مع موقع قناة "الحرة" بأن خسارة سرت "هزيمة قاصمة وقاسية تلقاها داعش في المدينة التي أرادها معقلا رئيسيا في ليبيا."

ويرى محمد الغصري الناطق الرسمي باسم عملية البنيان المرصوص التي قادت عملية طرد التنظيم المتشدد من مقر قيادته في سرت أن هزيمة الأربعاء "ليست فقط بداية نهاية داعش في سرت، بل هي نهايته في المدينة."

لكن الغصري يشرح في حديث مع موقع "الحرة" قوله "لا نقول إن هزيمة داعش في سرت هي نهايته في ليبيا. أكيد هناك خلايا نائمة في ليبيا، أما في سرت فلن يكون هناك مستقبل للتنظيم المتشدد."

ويعتقد عضو برلمان طبرق يونس فنوش أن "علينا أن نتريث قليلا قبل أن نقول إننا هزمنا داعش أم لا".

ويضيف في حديث لموقع "الحرة" أن "الأمور ما زالت غامضة في سرت، كنا نتحدث عن وجود كبير لداعش في المدينة، ونحن الآن لا نعرف أين ذهب المسلحون."

شاهد تقريرا لقناة الحرة عن معركة سرت:

​​

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لسرت كونها تطل عل البحر الأبيض المتوسط، وكونها تقع عند منتصف المسافة بين طرابلس وبنغازي.

وقد فرض التنظيم المتشدد سيطرته عليها شهر حزيران/ يونيو من العام الماضي، لكن الصحافي الليبي عبد العزيز الرواف يرى أن أهمية هذه المدينة في إطار الحرب على داعش ليست كبيرة مقارنة مع بنغازي مثلا.

ويقول الرواف في حديث مع موقع الحرة "الوجود العسكري الأكبر للتنظيم المتشدد موجود في مدينة بنغازي. في سرت عدد مسلحي داعش لم يكن يتجاوز 300 مسلح، والمدينة ذات مساحة صغيرة، بالتالي فالسيطرة عليها مهمة، لكنها ليست هي مفتاح هزيمة داعش في البلاد."

ويضيف الرواف "الذي سيحسم المعركة هو انتصار الجيش في بنغازي، لأن هذه المدينة هي النقطة الأساسية التي تجمع فيها آلاف من الإرهابيين."

أين الوجهة المقبلة؟

تتقاسم ليبيا حدودها مع ثلاث دول عربية توجد بها جماعات أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ففي مصر تنشط جماعة "ولاية سيناء" المتشددة في شبه جزيرة سيناء بالجزء الشمالي الشرقي للبلاد.

خريطة ليبيا

​​​

وأعلنت هذه الجماعة مبايعتها لداعش في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وقامت قبل ذلك التاريخ وبعده بالعديد من الأعمال الإجرامية التي استهدفت عناصر الأمن والجيش المصري.

أما في الجزائر، فقد أعلن متشددون تقول الصحافة الجزائرية إنهم منشقون عن القاعدة انضمامهم إلى داعش تحت مسمى "جند الخلافة".

ومن أبرز العمليات التي قام بها هذا الفرع المتشدد خطف ومقتل السائح الفرنسي أيرفي غوردل سنة 2014 بمنطقة القبائل.

وفي تونس أيضا التي اكتوت أكثر من مرة بنيران متشددي داعش، أعلن تونسيون انضمامهم إلى "جند الخلافة".

وتوقع تحليل نشرته مجموعة "سوفان غروب" الأميركية المختصة في التحليل الاستراتيجي أن يحاول فرع داعش في ليبيا التسلل إلى دول الجوار بحثا عن متنفس فيها في ظل الدعوات المتزايدة لدحره من ليبيا.

وتزامن ظهور التحليل مع تحذير أطلقه رئيس الحكومة التونسية السابق الحبيب الصيد من أن داعش "أراد إحداث إمارة في بن قردان" التي تعرضت لهجوم نفذه متشددون تونسيون قدموا من ليبيا واشتبكوا مع القوات التونسية لمدة يومين قبل أن يقتلوا جميعا في الهجوم.

وتقع هذه المنطقة على الحدود التونسية الليبية، وقد تعرضت أكثر من مرة لنيران متشددي داعش.

فهل يستغل داعش القرب الجغرافي ويحاول التوجه إلى تونس؟

بالنسبة لـ"سوفان غروب" فإن تونس هي "المتنفس المنطقي المقبل لتمدد داعش في شمال أفريقيا". 

لكن الغصري يقول إنه لا يتفق مع هذا التحليل رغم هجمات داعش على تونس "فخلال الشهرين الماضيين لم يقم داعش تقريبا بأي عملية إرهابية في الجارة تونس."

 ويستبعد الرواف أن تكون أي من الدول العربية الثلاثة المجاورة لليبيا وجهة موالية لداعش، بل إن "الصحراء المتاخمة للحدود مع النيجر وتشاد أو تلك الموجودة على الحدود مع الجزائر." هي المكان الذي يحتمل أن تتوجه إليه بقايا هذا التنظيم حين تتيقن من هزيمتها أمام القوات الليبية التي استفادت في معركة سرت من غطاء جوي أميركي.

ويشدد الرواف "لا أعتقد أن مقاتلي التنظيم المتشدد سيستطيعون المرور إلى تونس أو الجزائر نظرا للاحتياطات الأمنية في الدولتين، أما مصر فمن المستحيل أن يمروا إليها."

وبغض النظر عن كون داعش سيحاول اللجوء إلى أي واحدة من تلك الدول، فإنها جميعا "في خطر ويشكل التنظيم تهديدا"، لها حسب حجازي.

ويختم حجازي "ربما سيتشتت المسلحون على شكل جيوب في الجنوب الليبي."

المصدر: موقع قناة الحرة