إلهان عمر
إلهان عمر

في تلك الليلة التي فاز فيها المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية دونالد ترامب في ذلك الثلاثاء، الثامن من نوفمبر 2016، وفيما كان أنصاره يحتفلون بهذا الفوز عبر كامل الولايات المتحدة، كانت هناك قصة أخرى تحدث في ولاية مينيسوتا وهي واحدة من تلك القصص التي تجعل من أميركا دائما موطنا فريدا في تحقيق الأحلام الكبيرة لأبنائه والمهاجرين إليه المؤمنين بأنفسهم من شتى بقاع العالم.

 في تلك الساعات أيضا كانت الأميركية من أصل صومالي إلهان عمر تحتفل بفوزها التاريخي بمقعد في مجلس النواب المحلي في مينيسوتا لأول مرة في التاريخ كامرأة مسلمة لاجئة من الصومال إلى الولايات المتحدة، ترتدي حجابها وهو شعارها الذي حملته معها خلال حملة انتخابات طويلة بدأت منذ عامين قبل أن تنتهي بها إلى الحصول على الانتخاب العام لتمثيل مقاطعتها في مجلس الولاية المحلي.

في الصباح الموالي لفوز عمر التاريخي في مينيسوتا، كنت وكثير من مراسلي واشنطن نحاول جميعا الوصول إليها للحصول على انطباعها وحكاية قصتها للجمهور العام في أميركا وفي بقية العالم. لكنها وبأدب غامر اعتذرت، وقالت إنها الآن تحتاج إلى بعض الراحة بعد مشوار حملة انتخابات شاقة كانت خلالها تنافس مرشحا شغل هذا المنصب النيابي لمدة أربعة عقود كاملة.

في الشهر الموالي لليلة فوزها رن هاتفي وأبلغتني عمر أنها ستكون في واشنطن لإلقاء خطاب عن قصتها الشخصية في مؤتمر "حاضر ومستقبل المرأة العربية" بمعهد السلام الأميركي بالشراكة مع جامعة الدول العربية. واتفقنا في ذلك الاتصال السريع على أن يكون لنا لقاء سريع بعد الفراغ من خطابها في المؤتمر.

في ذلك الصباح كانت عمر صاحبة الحضور الكبير في المؤتمر النسوي وحتى النساء القادمات من بلدان عربية عدة، كنّ حريصات على اللقاء بها والاستماع لتجربتها في الحياة عامة وفي مغامرتها السياسية بصورة خاصة.

عمر قالت على المنصة إنها آمنت بأحلامها في الحياة حتى في تلك اللحظات العصيبة من طفولتها الباكرة جدا، عندما كانت تعيش في مخيمات اللجوء بعد أن اضطرت عائلتها إلى الهروب من العاصمة مقديشو وعمرها لا يتعدى الشهور.

في تلك الأيام الباكرة من طفولتها كان على عمر أن تكتشف الحياة في المخيم وتعرف كتابة الحروف الأولى هناك وأن تشكل عالمها الطفولي من خلال أطفال المخيم من أبناء وطنها.

في الثامنة من عمرها، سعى والدها للحصول على اللجوء إلى الولايات المتحدة بوساطة من الأمم المتحدة، وكان له ما أراد. حينها أدركت عمر في ذلك العمر أنها وعائلتها ستعيش في أميركا وأن هناك طريقا طويلا عليها أن تقطعه لتحقق ذاتها كما حلمت دوما بذلك.

 لا تذكر عمر الكثير من التفاصيل عن تلك اللحظة الفارقة في حياتها، لكنها تعود وتقول إنها منذ ذلك الحين قطعت كل أشواط تعليمها في الولايات المتحدة وبعض منه كان في بريطانيا أيضا قبل أن تقرر خوض التجربة السياسية في ولايتها.

لحظة أخرى فارقة تواجهها الأميركية الصومالية المحملة بأحلامها الكبيرة وهي تقرر خوض غمار المنافسة السياسية والتمثيل النيابي في موسم انتخابي أميركي حافل وساخن في ظل أجواء التنافس حينها بين مرشحة الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون ومنافسها الجمهوري دونالد ترامب، وكل ما صاحب تلك الحملة من توتر وخطاب متعدد المفاجآت.

تقول عمر عن هذه اللحظة إنها كانت مثيرة للدهشة في محيطها القريب جدا أكثر من محيطها البعيد، إذ يقول المقربون إليها من باب النصح لها "سيكون الأمر معقدا جدا بالنسبة إليك بلونك وبخطابك وبحجابك". وأكثر من ذلك أن عمر كما تقول، كانت تصر على أن تفتتح خطابات تجمعاتها الانتخابية ببعض من آيات القرآن الكريم، وهو ما دعا مقربيها لنصحها بالتخلي عن حجابها وعن تقاليدها الخاصة في الخطابة. لكنها تقول وهي ترد على ناصحيها إنها اختارت أن تكون هي ذاتها لأنها تؤمن أن ذلك من حقها كمواطنة أميركية، وأنها هنا في محاولة لتقديم أفكارها الشخصية لخدمة جيرانها ومواطنيها الأميركيين بأفضل صورة تراها سليمة وإيجابية، وأن المجتمع الذي فتح لها ذراعيه واسعا واحتضنها لاجئة في طفولتها الباكرة سيعطيها ما تستحقه بغض النظر عن لون بشرتها وعقيدتها.

 هذا الجدل الذي كان يدور من حول عمر استمر مدة عامين كاملين وزاد حدة، وهي تصر على أن تنضم لتجمعاتها الانتخابية بعباءتها السوداء في نهاية الأسبوع تماشيا مع تقاليد عائلتها وتماهيا مع طقوس تحب أن تمارسها هي شخصيا تعبيرا عن أناها، وكما تقول في مفردات خطابها لناخبيها إنها تفضل دائما أن تقدم نفسها للآخرين كما هي، وأن ذلك ما تعلمته من القيم الأميركية.

 وأنا أسمع لخطاب ومداخلات عمر، آمنت قطعا بتلك الطاقة الإيجابية التي تستطيع نشرها في المكان وفي نفوس الحاضرين في تجمعاتها لأنها كانت تتحدث إلى الحاضرات من النساء العربيات القليلات القادمات من الوطن العربي وإلى نساء عربيات أميركيات بروح تتجاوز وبمسافات كبيرة اللحظة الراهنة، وتقف عند حدود أحلام تؤمن يقينا بالذي يجب أن يكون أكثر من الذي تراه العين أو ذلك الخوف أو التردد الذي عادة ما تقف عنده النفوس وهي تسأل الذات عن ماهية الممكن في الخيارات وما هو المستحيل بشأنها.

قالت عمر وأنا أحاورها إنها تقدم قصتها الشخصية في المنابر كافة حتى يعرف الجيل الجديد من أبناء المهاجرين إلى الولايات المتحدة أنهم مطالبون بالإيمان بأنفسهم لأنهم أذكياء بما فيه الكفاية، وأنهم مواطنون يتمتعون بكل الحقوق، والتي من واجبهم ممارستها، وهم أيضا مطالبون بالعمل القاعدي الطويل الأمد وهم في سبيل ذلك مطالبون أيضا بالبحث عن شركاء لهم في أهدافهم وقضاياهم وتطلعاتهم، وفي خضم كل ذلك هم مطالبون بالتعبير وبالصوت العالي عن طموحاتهم وأهدافهم وتطلعاتهم، والأمر سيان من وجهة نظرها أن يكون المتحدثون هؤلاء نساء أو رجالا.

 الصومال في تلك الزاوية البعيدة هناك، لا يزال يحجز مكانا في قلبها، وهي تقول إن انشغالها بمتابعة تفاصيل حملتها الانتخابية لم يسمح لها بالاطلاع على تطورات الشأن السياسي في الوطن الأم، لكنها تعود وتقول إنها تعرف جيدا حاجة تلك البلاد إلى مزيد من الاستقرار وإلى المزيد من العمل والوقت لتحقيق حد أدنى من التنمية في حياة مواطنيها حتى، وهي تعرف جيدا أن هناك مظاهر للفساد المالي والإداري وهو أمر ليس غريبا حدوثه في ظل افتقار البلد لحكومة ومؤسسات قائمة لسنوات طويلة.

لم تدم طويلا وقفة عمر مع قضايا الوطن الأم لتعود وتؤكد أنها هنا لتعمل لإنجاح تجربتها السياسية في ولايتها، وأنها تعمل على إضافة الكثير من التفاصيل التي تؤمن بها هي وشركاؤها الآخرون والذين يتجاوز عددهم الـ30 من القيادات الشابة الجديدة في المشهد السياسي الأميركي الداخلي وأنها وهؤلاء جميها يؤمنون يقينا أنهم سيكونون حجرة الزاوية في تحقيق التغيير الذي تؤمن به هي وأبناء جيلها هنا في أميركا وفي بقية العالم.

على عجل اعتذرت عمر عن مواصلة حوارنا لأن جدولها يلزمها بالتحرك سريعا لموعد عمل آخر صباحي في البيت الأبيض، لكنها وهي تغادر تلقت كثيرا من تعابير المحبة والتقدير لصبرها وروح التحدي فيها ووصولها بأحلامها إلى حيث أرادت لها واختارت لها أن تكون حتى والرحلة تبدأ من مخيمات اللجوء في الصومال وتنتهي إلى مجلس النواب بمينيسوتا. وهذا ليس كل ما تتمناه هذه المرأة المكافحة لأن أحلامها لا تقف عند هذا الحد.

 

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.