ريك ماشار  أثناء حوار مع مراسل قناة الحرة
ريك ماشار أثناء حوار مع مراسل قناة الحرة

رابح فيلالي/

في حياتي المهنية كمراسل صحافي متنقل عبر مناطق الحروب والنزاعات العالمية وجدتني لأكثر من مرات في قلب الحرب الدائرة في جنوب السودان بين شماله وجنوبه بحثا عن حلم كبير لدى أهل الجنوب في الاستقلال عن الشمال الذي يرونه دوما ظالما لحقهم في تنمية شاملة نتيجة لاستئثاره الكامل بمركز الدولة وكل ما يتبع ذلك من مكاسب في الخرطوم وما جاورها من مدن شمالية فيما يغرق الجنوب في نزاعاته المستمرة وفي غياب أية معالم لتغيير واقع ذلك الجزء من السودان في كامل تاريخ السودان الحديث.

اعتمادا على هذه الخبرة الشخصية في هذه الأزمة، وفيما كنت أجهز نفسي للسفر إلى جوبا أواخر عام 2010 لتغطية تلك اللحظة التاريخية التي قضى الجنوبيون أعمارهم في انتظارها وهي لحظة الاستفتاء لتقرير مصير علاقتهم بالخرطوم، ألتقي مجددا بالعاصمة واشنطن بنائب رئيس حكومة الجنوب وقتداك وقائد النزاع والتمرد القائم حاليا في جنوب السودان "ريك ماشار" الذي حل ضيفا على معهد السلام الأميركي بواشنطن في آخر زيارة له إلى هذه المدينة قبل أن يغرق الجنوب في حرب الأشقاء في أعقاب إعلان الدولة المستقلة.

في حقيبتي كان هناك سؤال واحد يمكن أن يوجه إلى العسكري والسياسي ماشار الذي ارتدى اللباس المدني للمساهمة في مشروع الدولة الفتية عن مدى استعداد الجنوب لإقامة دولته الكاملة والمستقلة.

هذا السؤال كان جديرا بالطرح بالنظر إلى تلك المعطيات التي توفرت للجنوب في المرحلة الانتقالية التي استمرت لمدة ست سنوات بنصوص اتفاق السلام الشامل بين الشمال والجنوب، بحسب نصوص اتفاق العاصمة الكينية نيروبي مطلع العالم 2005 .

ماشار كان في غاية السعادة وهو يتحدث إلى الخبراء والديبلوماسيين الأميركيين عن توقعاته الكبيرة بأن أهله في الجنوب سوف يختارون الاستقلال وأن قناعته الأكيدة لن تخيب في أهل الجنوب الذين عاشوا أعمارا طويلة وهم ينتظرون هذه اللحظة التاريخية.

من الواضح أيضا أن عقلية المقاتل السابق لدى هذا المسؤول الجنوبي لم تكن ترى في قرار الانفصال سوى العلامة المؤكدة للانتصار في حرب الجنوب لكن السؤال الآخر الذي كان في حقيبتي وواجهت به العسكري الجنوبي كان يتعلق بتلك الرؤية التي عاش لها وعاش بها الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق لأجل سودان موحد لكنه يقوم على أسس مختلفة ومنها العدالة والمساواة بين جميع مكونات كامل السودان الاجتماعية والعرقية.

ريك وفي مواجهة هذا السؤال ظل يردد على مسامعي أن الجنوبيين عملوا كل الذي يجب أن يعمل من جانبهم لأجل إعلان الدولة المستقلة وأنهم في سبيل ذلك فعلوا كل الذي يجب عليهم فعله وأن رؤيتهم لهذه الدولة سوف تكون دولة تقوم على احترام الحقوق وتحقيق العدالة للجميع.

وعند سؤاله عن أكبر التحديات التي سوف تواجه الدولة الفتية لا يجد ماشار في حديثه أي مجال أو حتى احتمال بسيط بحساب الموقف على الأرض حينها أن هناك مجالا لوقوع خلافات جنوبية جنوبية سوف تقوض المشروع بكامله في جوبا ويتحول الحلم إلى سراب في حياة الجنوبيين الذين سوف يواجهون في عهد الدولة الجديدة واقعا جديدا هو الأسوأ من نوعه  في حياتهم رغم تلك السنوات الـ50  الطويلة التي قضوها في حالة الحرب ضد الأشقاء الشماليين.

بعد هذا الحوار بأسابيع فقط أعود إلى ممارسة ذلك التقليد الذي عشت عليه سنوات عدة في قطع الطريق من واشنطن إلى جوبا مرورا بأديس أبابا ونيروبي قبل الوصول إلى العاصمة الفتية في السودان الجنوبي وفي واحدة من المحطات التي أعمل على تحقيقها على الأرض من الطبيعي أن يكون منها اللقاء مع  الرئيس سيلفا كير  ونائبه ريك ماشار على الأقل للحديث عن هذه اللحظة التاريخية الفارقة في تاريخ جنوب السودان وأهله جميعا.

 في أعقاب وصولي جوبا فتحت خطوط التواصل مع مسؤولي الجنوب ومن بينهم نائب الرئيس حينها الذي كان لا يجد متسعا كافيا من الوقت لإجراء مقابلة صحفية في زحمة تنقلاته الواسعة بين محافظات الجنوب ولقاءاته المكثفة مع زعماء القبائل حشدا لهمم الجنوبين للذهاب والتصويت بكثافة لمشروع الانفصال عن الشمال والمشاركة  الواسعة في هذا الموعد التاريخي والاحتفال به كما يليق.

سمح برنامج الرجل أخيرا ثلاثة أيام قبل إجراء الاستفتاء بالاتفاق على لقاء سريع بيننا في مطار جوبا  قبل أن يستأنف رحلته باتجاه مدن أخرى، ولقاء سريع مع قيادات الحركة الشعبية في مدن أخرى خارج العاصمة جوبا.

قدرت عاليا للرجل كرمه في التوقف بالمطار لأجل مقابلة صحفية قبل مواصلة رحلات حملته  الانتخابية  .

على عجل تم تحضير المكان لتلك المقابلة التي تعتبر من وجهة نظري المهنية على الأقل امتدادا للقاء واشنطن وطرح أسئلة جديدة باختلاف وحيد هذه المرة، بروح المكان الأقرب إلى الواقع وفي مساحة نشاط وحركة القائد الجنوبي وتحت سماء جوبا وليس واشنطن.

لم يكن  تفكير الرجل ولا الخطاب السائد في جوبا في تلك الأيام يسمح بطرح قضايا أخرى بعيدا عن الاستفتاء وكان  ماشار في كل إجاباته يؤكد أن هذا  الموعد سيكون هو نهاية العلاقة مع الشمال وأن حلم الجنوب المستقل قد قارب على الميلاد  لكنه لم يغفل مرة أخرى وانا أعود إلى تجديد تذكيره بالسؤال عن رؤية جون قرنق لم يتردد في إعادة التأكيد مرة أخرى على أن الرؤية التي يعمل الجنوبيون على تحقيقها في دولتهم المستقلة هي تلك الرؤية التي رباهم عليها قائدهم التاريخي والروحي جون قرنق الذي أقيم له تمثال فوق أعلى هضبة في العاصمة جوبا وكأن المدينة أرادت أن تستمد هديها المستقبلي من رؤية رجل عاش الحلم إلى لحظة تحقيقه لا أكثر .

لم يكن ماشار يرغب في سماع أسئلتي عن تحديات الدولة الجديدة فالتفكير في حدود اللحظة وأصوات الأغاني التي ترتفع في كل جزء من المدينة لم تكن تسمح بسماع أي سؤال يأتي من المستقبل بل ربما أنه كان يجد فيه تشويشا على جمال اللحظة.

احترمت رغبة الرجل بينما يطلب منه مساعدوه الاستعداد للعودة إلى الطائرة لأعود إلى السؤال إن كان هو ومحيط رئيسه الذي تحول لاحقا إلى خصم وغريم على يقين أن الاستقلال هو المصير الجديد للجنوب.

قال نعم كبيرة جدا وهو يودعني على أمل اللقاء بي بعد نهاية الاستفتاء وتقرير الجنوب لمصيره.

وهذا الذي حدث لاحقا وأنا أسارع الخطى مع مئات المراسلين الصحافيين إلى القصر الرئاسي المحصن المسالك في قلب العاصمة جوبا لحضور أول مؤتمر صحفي في أعقاب إعلان الجنوب لخياره بالانفصال.

في هذه المناسبة كان ماشار يقف في الصف الأمامي خلف رئيسه سيلفا كير  الذي كان يعلن خيار الجنوبين إلى العالم بالاستقلال عن دولة السودان.

ما الذي تغير بعد ذلك ويحاول الرجل الذي كان نائبا أن يكون رئيسا ويضع جانبا اللباس المدني ويرتدي مجددا البزة العسكرية ويحمل الرشاش بدلا من مفردات السياسة ويبدأ التمرد مرة أخرى ضد حكومة الجنوب التي كان هو شخصيا واحدا من مؤسسيها ومن الداعين إلى دعمها في واشنطن وبقية عواصم العالم الكبيرة. 

تلك حكاية أخرى.

الكثيرون يرون أن أعمال العنف والتخريب تنسف قضية الاحتجاجات الأميركية
الكثيرون يرون أن أعمال العنف والتخريب تنسف قضية الاحتجاجات الأميركية

بالنسبة لكثير من الأميركيين السود الذين تدفقوا إلى شوارع عشرات من كبريات مدن البلاد في الأيام الأخيرة، شكلت وفاة جورج فلويد خلال اعتقاله الاثنين الماضي في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، أحدث حلقات العنصرية التي عانى منها المتحدرون من أصول أفريقية، خلال عام يشهد تحديات غير مسبوقة وسجلا يطبعه اليأس والفقر بالنسبة لهؤلاء على وجه التحديد.

 فقد أثرت جائحة كورونا على الأميركييين السود بشكل غير متكافئ إذ يعدون أكثر عرضة للإصابة والوفاة جراء كوفيد-19 مقارنة بالمواطنين من العرق الأبيض. وفي حين لا يمثل الأميركيون السود سوى 12 في المئة من مجموع سكان الولايات المتحدة، إلا أنهم يشكلون، وفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، حوالي 26 في المئة من حالات الإصابة بالمرض الجديد وما يقارب 23 في المئة من الوفيات التي وصلت حتى صباح الاثنين إلى 104 آلاف و383 حالة.

وكشفت دراسة وفق مجلة تايم، أن المقاطعات التي تقطنها غالبية من السود فيها حوالي نصف حالات الإصابة في البلاد وأكثر من 60 في المئة من الوفيات. 

التداعيات الاقتصادية للأزمة الصحية وجهود مكافحتها كذلك أثرت بشكل غير متكافئ على الأميركيين السود. وبحسب مركز بيو للأبحاث فإن 44 في المئة من السود قالوا إن شخصا يعيش معهم على الأقل فقد وظيفته أو قلص راتبه بسبب الجائحة، فيما كشف 73 في المئة أن ما من مدخرات لديهم لتغطية حاجياتهم خلال الحالات الطارئة.

وفي مدينة نيويورك التي كانت أشد المناطق تضررا من كورونا مع أكثر من 203 آلاف إصابة وأكثر من 21 ألف وفاة، كان معظم "العاملين الأساسيين" الذين غامروا بحياتهم لكي تستمر حركة مدينتهم من الأميركيين السود، وفق إحصائيات رسمية للمدينة. 

وجاءت حوادث القتل التي تعرض لها أميركيون من هذه الفئة خلال الأسابيع القليلة الماضية لتصب مزيدا من الزيت على نار غضب الأميركيين الأفارقة الذين هم جزء من نسيج الولايات المتحدة منذ أن استقدم أجدادهم قسرا من القارة السمراء اعتبارا من عام 1619.

وبدأ الغضب يستعر إزاء قضية الأميركية بريانا تيلور التي كانت مسعفة تعمل قسم طوارئ مستشفيين في لووفول بكنتاكي، وقتلت في 13 مارس داخل منزلها بثماني رصاصات أطلقها عليها عناصر شرطة اقتحموا بيتها خطأ تنفيذا لأمر متعلق بقضية مخدرات. قضية تيلور لم تحظ بتغطية إعلامية واسعة في ظل الانشغال بفيروس كورونا، لكن الأضواء سلطت عليها، بعد مقتل أحمد آربري الذي قتل برصاص رجل أبيض بينما كان الشاب الأعزل يمارس رياضة الركض، وفشلت السلطات في متابعة القضية إلى حين ظهور فيديو بعد أسابيع على وقوعها.

لكن وفاة فلويد الموثقة في فيديو يظهر فيه وهو مثبت على أرض، بينما الشرطي الأبيض، ديريك شوفين، يضغط بركبته على عنق الرجل لتسع دقائق تقريبا، رغم مناشدات الأخير وحتى بكائه وترديده كلمات "لا أستطيع التنفس"، كانت القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لكثير من الأميركيين من أصول أفريقية على وجه الخصوص وغيرهم.     

أميركا "لا تستطيع التنفس"

وتبنى المحتجون  كلمات فلويد الأخيرة ورددوها في شعاراتهم وطبعوها على لافتات وقمصان وغيرها.

ثيريزا دير أميركية من أصول أفريقية قالت في مقال رأي بعنوان "أميركا السوداء لا تستطيع التنفس"، إن هذه الفئة تحارب وباء يسبق جائحة كورونا، وبفضل كاميرات الهواتف، أزيل اللتام عن العنصرية في أميركا".

وقالت "لا يمكننا التنفس لأننا باستمرار تحت التمحيص والمراقبة. لا نستطيع التنفس لأنه تجري مراقبتنا وتتبعنا وتصنيفنا. لا نستطيع التنفس لأنه بالنسبة لنا، الشك (فينا) لا مفر منه. لا نعامل كبشر وإنما كمشتبه فيهم، أهداف، حيوانات، مجرمين. لا نستطيع التنفس لأن إصلاح الشرطة وعدنا به عدد لا يحصى من الزعماء لكي تخلف العهود وتلغى". 

غضب وخوف 

وقالت المساعدة الاجتماعية بريسيلا بوركر التي شاركت في احتجاجات في مدينة نيويورك، لتايم "إما يقتلنا كوفيد-19، أو تقتلنا الشرطة، أو يقتلنا الاقتصاد"، وتابعت "كل مكان يلتف إليه السود يتم دفعهم".

وبعد أسابيع على فرض إجراءات التباعد الاجتماعي والإغلاق، كسر المتظاهرون عزلتهم وتحدوا الفيروس القاتل الذي لا يزال منتشرا في البلاد، لأن القضية أعظم، لأنهم يريدون ضم صوتهم والمطالبة بوضع حد للعنصرية العنيفة.

وقالت أوزي لامبكين وهي مديرة مبيعات شاركت في احتجاجات لتكريم ذكرى آربري، "أشعر بخوف أكبر من أن أقتل على يد شرطي، أكثر من أن يقتلني كوفيد". وتابعت لامبكين التي تركض ما بين 75 إلى 100 ميل في الأسبوع، "أنظر إلى الركض على أنه حريتي. عندما قتل، شعرت أن جزءا من حريتي سلب مني".

الاحتجاجات التي كثيرا ما تندلع تنديدا بحوادث قتل أميركيين سود على يد الشرطة، وبينهم إيريك غارنر ومايكل براون وفيلادو كاسيبو والكثيرين غيرهم، لم تؤد إلى تغييرات جذرية وفق ناشطين. 

وقال المدرب الرياضي جيمس تالتون، إنه كان يسمع من والده قصص المعاناة من الفصل العنصري الذي كان واقعا في جنوب الولايات المتحدة، لكنه يشعر وكأنه لا يزال يعاني من نفس المشاكل التي عاشها والده.   

وأوضح لتايم أنه وإن كان لا يؤيد عمليات النهب والتخريب التي رافقت الاحتجاجات هذه المرة، إلا أنه يتفهم سبب تكسير محتجين غاضبين ممتلكات، مضيفا "بالنسبة لنا، حتى نحظى بالانتباه، ينبغي علينا إحراق أشياء. لأن لا أحد يعيرنا اهتماما على ما يبدو". وأردف "أشعر بالخوف من العيش في أميركا".  

رفض للتخريب

لكن الكثير من المحتجين السود يرون أن أعمال العنف تسرق منهم قضيتهم ويخشون من أن يحملوا مسؤوليتها كاملة رغم تورط عناصر لا تمت للدفاع عن حقوقهم بصلة من يساريين ويمينيين متطرفين أو مخربين.

وبكلمات مؤثرة، لخص محتج في مينيابوليس، خلال تصريح لشبكة CNN، غضبه إزاء أعمال الشغب والتدمير قائلا "هذه رسالتي للأشخاص الذين يخربون أشياء. إذا شعرتم بالفعل أن عليكم أن تكونوا انتهازيين، فإن هناك خطأ ما فيكم.  إذا لم تكونوا قادرين على الوقوف على الجانب الصحيح من المعركة وترغبون سرقة ما نحاول فعله، فإن هناك خطأ ما فيكم. لأن ما نحاول فعله الآن هو الدفاع عن الحقوق الأساسية للإنسانية. هذا ما نحاول فعله، ونسعى إليه بطريقة سلمية. لا نرغب أن نعيش هذا مجددا. أريد أن أتمكن من الذهاب إلى حي ذي أغلبية بيضاء وأشعر بالأمان. أرغب ألا أشعر بالتوتر كلما كانت سيارة شرطة خلفي. أريد فقط أن أكون حرا وألا أضطر للتفكير في كل خطوة أقوم بها، لأنه في نهاية المطاف، كونك أسود يعد جريمة. في نهاية المطاف، كونك ولدت أسود، يعد جريمة بالنسبة لهم. ولا أعرف لم الأمر كذلك، لأننا جميعا بشر. هذا مثير للاشمئزاز".  

وتعرضت الكثير من الممتلكات العامة والخاصة من محلات تجارية وسيارات ومراكز شرطة وغيرها، للتخريب والنهب والإحراق ومنها ما دمر بشكل كامل، خلال المظاهرات المستمرة والتي تزداد عنفا، ما دفع السلطات في عدد من المدن إلى استدعاء الحرس الوطني وفرض حظر للتجوال إلى جانب اعتقال الآلاف.

وقال تاي أندرسون وهو ناشط أسود ومدير في مجلس مدراس دنفر بولاية كولورادو، لموقع بز فيد نيوز، "عندما لا ندعو الناس للتخريب باسمنا لكنهم يفعلون ذلك، ندرك أن ذلك أمرا سندفع ثمنه نحن". وأضاف "دعونا الناس طوال اليوم (الجمعة)، رجاء لا تشوهوا الممتلكات، ولا تخربوا أي شيء لأننا لم نطلب منكم ذلك".

ومع ذلك وقعت أعمال تخريب ومواجهات مع شرطة دنفر التي أطلقت الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين.

وفي فيديو جرى تداوله بشكل واسع على الإنترنت، يظهر أندرسون وهو يواجه رجلا أبيض كان يضع غطاء على وجهه وقام بكتابة شعار معاد للشرطة على جدار أحد الممتلكات العامة.

ويسمع تاي في الفيديو وهو يصرخ ويلحق بالرجل "توقف! توقف! ليس هذا ما أردناه".

وأوضح أنه كان هناك "عدد من الأشخاص" الذين تصرفوا مثل ذلك الرجل خلال المظاهرة، مضيفا أنه يعتقد أن بعضا منهم "من اليمين المتطرف ممن لا يهمهم أمر الأشخاص السمر أو السود أو يرغبون في إظهار هذه الحركة في صورة سيئة".

وأردف "لم يكن أشخاص سود هم من استفزوا الشرطة. لقد كان من ألقوا أشياء باتجاه الشرطة من البيض"، مضيفا "وعندما واصلوا رشق أكياس مليئة بالبول، وعلب، وقوارير الماء، تفجر غضب الشرطة وبدأت إطلاق الغاز المسيل للدموع على الحاضرين".

وقال في تصريح آخر لموقع ديلي بيست "لا نريد أن يلقى علينا اللوم، كسود، بسبب تصرفاتهم"، مبديا قلقه من أن "متطرفين بيض" يتدفقون على الاحتجاجات "لبدء حرب عرقية" وينسفون رسالة الاحتجاجات.  

وأعرب ناشطون سود عن قلقهم إزاء هوية بعض من المحرضين الذين يشاركون في الاحتجاجات في شتى أنحاء البلاد، ويقولون إن بينهم من جاء فقط من أجل الفوضى والعراك ولا يدعمونهم في التعبير عن الغضب إزاء مقتل مواطنين سود عزل على يد الشرطة  والمطالبة بوضع حد لذلك.

مدن تحترق

وسعى ناشطون لإبراز فيديوهات يظهر فيها مواطنون بيض وهو يرتكبون أعمالا تخريبية تستهدف ممتلكات خلال احتجاجات في عدد من المدن بينها أوكلند بكاليفورنيا وديترويت بأوهايو ومينيابوليس بمينيسوتا.

 ومن أوكلند، انتشر مقطعا فيديو يبدو فيهما أشخاص وبعضهم من ذوي البشرة البيضاء وهم يكسرون نوافذ أحد المباني والمحلات، وكان أحدهم يقود عربة تستخدم في الحفر، بينما يسمع ضحك وكذلك صراخ أشخاص في المكان. وتظهر شابة في الفيديو وهي تناشد عبر مكبر صوت، ويبدو أنها على وشك البكاء من شدة إحباطها "توقف! رجاء توقف!"

وفي كثير من المناطق كان المخربون من البيض ومن السود أيضا. 

من يقف وراء العنف والفوضى؟

واتهم مسؤولون جمهوريون وديمقراطيون مجموعات يسارية وأخرى يمينية فضلا عن محتجين فوضويين بالوقوف وراء أعمال العنف.

وأشار وزير العدل ويليام بار، الأحد، بأصابع الاتهام إلى عناصر من "أنتيفا" (Antifa) المناهضين للفاشية وحملهم مسؤولية الفوضى التي أعقبت وفاة فلويد، فيما قال مسؤولون آخرون إن المتشددين من اليمين المتطرف مثل أتباع ما يعرف بـ"بوغالو"(Boogaloo) الذين يسعون إلى "اندلاع حرب أهلية ثانية"، هم من يأججون العنف في المظاهرات.

السناتور الجمهوري ماركو روبيو صرح الأحد  بأن "قصة كبيرة يتم تغييبها وهي أنه في مدينة تلو الأخرى، لدينا إرهابيون من جماعات من أنتيفا حتى بوغالو يشجعون على العنف ويرتكبون أعمال عنف" من أجل دفع أجنداتهم.

وتابع روبيو، الذي يترأس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، "قد لا تكون لديهم نفس الأيديولوجية لكنهم يتشاطرون كراهية إزاء الشرطة والحكومة ويستغلون الاحتجاجات".

عمدة مدينة نيويورك بيل دي بلازيو قال الأحد، إنه ظل على اتصال مع نظرائه في مدن أخرى، مضيفا أنهم "جميعهم يعيشون الشيء نفسه.. أفراد يأتون من مناطق خارج مدنهم، والكثير منهم يزعمون أنهم يتحدثون عن القضايا التي تهم الأميركيين السود، إلا أنهم ليسوا من المجتمع الأسود".

وقال جون ميلر نائب مفوض شرطة مدينة نيويورك المسؤول عن جهود مكافحة الإرهاب والاستخبارات في الجهاز، إن فوضويين خططوا لبدء الفوضى في المدينة حتى قبل اندلاع المظاهرات، مستخدمين رسائل مشفرة، وبعد انطلاق الاحتجاجات أمّن هؤلاء طرق إمدادات لتوزيع البنزين والحجارة والقوارير وكلفوا بعضا منهم بالبحث عن مناطق لا توجد فيها شرطة.

وقال ميلر إن هؤلاء "استعدوا لتخريب الممتلكات ووجهوا الأشخاص الذين يتبعونهم بأن تلك الأعمال ينبغي تنفيذها في مناطق معينة، غنية فقط أو في المحلات التجارية الراقية التابعة لشركات".

وأوضح أن التحقيق في ما يجري لا يزال مستمرا، لكنه أشار إلى أن الكثير من المشاركين قدموا من خارج نيويورك.

وفي مينيسوتا، قال حاكم الولاية تيم وولز في تغريدة الأحد، "لدينا ما يجعلنا نعتقد أن فاعلين سيئين يواصلون التسلل في الاحتجاجات الشرعية ضد اغتيال فلويد، ولهذا السبب أمدد حظر التجوال ليوم آخر". وجاء قراره بعد ما ألمح في وقت سابق إلى أن متطرفين يؤمنون بتفوق العرق الأبيض أو أفرادا من خارج الولاية هم من أجج الاضطرابات.

لكن اتهامات المسؤولين الموجهة إلى متطرفين لم تقدم ما يكفي من أدلة لدعم المزاعم، بحسب صحيفة نيويورك تايمز التي أشارت إلى أن بينهم من أقر بعدم وجود معلومات دقيقة حول ذلك.

وقال المدعي العام في مينيسوتا، كيث إليسون، في تصريحات لشبكة NBC نيوز، "الحقيقة هي أن لا أحد يعلم بالضبط"، مشيرا إلى وجود الكثير من التسجيلات المصورة لأشخاص يثيرون الشكوك أقدموا بالفعل على تكسير واجهات ونوافذ، وكذلك صور لسيارات مشبوهة. 

خطف القضية

أليسيا غارزا، المؤسسة المشاركة لحركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter) التي تسعى إلى وضع حد للعنف الذي يتعرض له السود، قالت لموقع ديلي بيست إن التركيز على من يخطف الاحتجاجات يحول الانتباه عن ظروف وفاة فلويد. 

وأضافت أن "الحقيقة هي أننا لا نستطيبع أن ننشغل بالمتظاهر الصالح مقابل المتظاهر السيئ، لقد ابتعدنا إلى حد ما عما أوصلنا إلى هذا الوضع".