هاتف ذكي
هاتف ذكي

هل الإدمان على منصات التواصل الاجتماعي تطور طبيعي لثورة الاتصالات في نهايات القرن العشرين، أم محض مصادفة؟

العاملون السابقون بكبريات شركات التكنولوجيا يرون أن الأمر مدبر.

"الأمر أشبه بنثر الكوكايين على الواجهات التي تتعامل معها، وهذا ما يجعلك تعود وتعود وتعود لاستخدامها"، هكذا يصف آجا راسكين المهندس السابق بشركة "موتزيلا" الأساليب التي تستخدمها شركات التكنولوجيا لجذب المستهلكين.

ويوضح راسكين في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن "خلف كل شاشة هاتف هناك عادة آلاف المهندسين يعملون على جعل هذا الشيء إدمانيا لأقصى درجة".

راسكين صمم في 2006، لصالح شركة "هيومانايزد"، خاصية تمرير الصفحة إلى الأسفل بشكل دائم (Infinite Scroll) دون الحاجة لضغط مفاتيح تحكم.

ويقول إن هذا الابتكار جعل المستخدمين يطالعون تطبيقات التواصل الاجتماعي وغيرها على هواتفهم وأجهزتهم لأوقات أطول من المفترض.

​​

​​

ويضيف أن هذا السلوك من المستخدمين يفيد شركات التكنولوجيا ماديا، ويشرح: "لكي ترفع سعر أسهم (الشركات) في البورصة، يجب أن يزيد بالمقابل الوقت الذي ينفقه الناس على التطبيق".

ويتفق مع راسكين الموظف السابق بـ "فيسبوك" ساندي باراكيلاس الذي يقول إنه وآخرين في الشركة أدركوا مخاطر استخدام منصة التواصل الاجتماعي الشهيرة.

ويقول لـ "بي بي سي" إنه حاول التوقف عن استخدام تطبيق "فيسبوك" بعدما رحل عن الشركة وواجه صعوبات في ذلك: "الأمر يشبه حرفيا الإقلاع عن تدخين السجائر".

ويوضح: "كان هناك إدراك (داخل الشركة) بأن فيسبوك كمنتج يسبب الإدمان عليه".

ويضيف أن النموذج التجاري لـ "فيسبوك" مصمم "لجعلك تنفق أكبر وقت ممكن من حياتك (على المنصة) ومن ثم تسويق ذلك للمعلنين".

لكن "فيسبوك" من جهتها تقول إن منتجاتها مصممة "لتقريب الناس إلى أصدقائهم وأسرهم وما يهتمون به".

الإعجاب والاستغلال

الرئيس السابق لـ "فيسبوك" شون باركر كان قد قال العام الماضي لموقع "أكسيوس" إن الشركة سعت لاستغلال احتياج الناس لتقييم الآخرين لهم واصفا هذا الأمر بـ "استغلال هذا الضعف في نفسية البشر".

​​

​​

وأحد أساليب التقييم هذه هو زر "الإعجاب" والذي شاركت في ابتكاره ليا بيرلمان التي عملت في "فيسبوك" بين عامي 2006- 2010.

وتقول بيرلمان إنها بدورها أصبحت مدمنة على منصات التواصل الاجتماعي سعيا وراء "الإعجاب" بما تنشره عليها، حسبما نقل موقع "سي نت" المتخصص.

ويبدو أن "فيسبوك" ستغير في القريب من سياستها تجاه المستخدمين، فحسب مؤسس الموقع والشركة مارك زوكربرغ هذه سياستهم الجديدة.

زوكربرغ قال في تدوينة في كانون الثاني/يناير إن الشركة "أجرت تغييرات قلصت الوقت الذي يتم إنفاقه على فيسبوك بحوالي 50 مليون ساعة في كل يوم".

​​

​​

أزمة شرق أوسطية؟

في الشرق الأوسط تبلغ معدلات استخدام منصات التواصل الاجتماعي أقصاها. حسب دراسة لمركز "بيو" للأبحاث تصدرت دولتان عربيتان قائمة توضح نسبة استخدام البالغين لمنصات التواصل الاجتماعي.

الأردن جاء أولا بنسبة 75 في المئة وتلاه لبنان بنسبة 72 في المئة.

وتقول الدراسة إن الشرق الأوسط يبرز من ناحية معدلات استخدام منصات التواصل الاجتماعي مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم بالرغم من عدم تمتع الدولتين المتواجدتين في صدارة الترتيب باقتصاد متقدم مقارنة بالدول صاحبة المراكز من الثالث للخامس وهي أميركا وأستراليا وكوريا الجنوبية.

وتضيف الدراسة أن خمس دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدرجت في الدراسة، جاء متوسط معدل استخدام منصات التواصل الاجتماعي فيها بنسبة 68 في المئة.

ويجعل ذلك من هذه الدول عرضة أكبر لـ "الإدمان" على منصات التواصل الاجتماعي الذي يحذر منه عاملون سابقون في شركات التكنولوجيا الأكبر حول العالم.

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.