كاتب الخيال العلمي أيزاك أزيموف
كاتب الخيال العلمي أيزاك أزيموف

هل يمكن التنبؤ بالمستقبل؟ الإجابة البديهية قد تكون: لا. مع ذلك، فتحليل المعطيات واستنباط استنتاجات مستقبلية بناء على هذا التحليل قد لا يعد تنبؤا، وإنما استشرافا للقادم من الأيام، وهذا مجال أجاد فيه عدد من أبرز كتاب الخيال العلمي.

من بين هؤلاء، كان الكاتب الأميركي، روسي المولد، أيزاك أزيموف الذي عمل كذلك أستاذا للكيمياء الحيوية في جامعة بوسطن.

أزيموف، صاحب المجموعة القصصية التي بني عليها الفيلم الشهير I, Robot، كتب قبل 35 عاما توقعاته حول شكل الحياة في العام 2019 بطلب من صحيفة "تورونتو ستار"، في مقال أورد فيه تنبؤات يمكن الآن التثبت من صحتها، إلى جانب بعض التنبؤات الخاطئة بالطبع.

غزو الكومبيوتر المحمول

الحاسوب المحمول الأول ظهر في العام 1975 وكان يزن 24 كيلوغرام، ولابد من توصيله إلى مصدر للكهرباء، ولم يخرج إلى النور أول حاسوب محمول بالشكل المتعارف عليه الآن إلا قبل عام على كتابة أزيموف مقاله.

لكن الكاتب رأى أن هذا المشروع "سيغزو المنازل" وأن التعقيدات المتزايدة للمجتمعات ستجعل من الاستغناء عن هذه التكنولوجيا أمرا مستحيلا.

يمكننا القول إن نبوءته أصابت.

وظائف جديدة

أزيموف توقع أن يغير استخدام الكومبيوترات على نطاق واسع من أنواع الأعمال وطبيعتها، وأن يؤدي إلى موت وظائف وخلق أخرى جديدة كلية.

هذه نبوءة قد تكون متوقعة وفضفاضة لكنها لا تزال صائبة.

الروبوتات تقتل؟

لم تكن الروبوتات ضربا من الخيال العلمي في القرن العشرين، لكن حديث أزيموف، وهو أحد أكبر المتخصصين في الكتابة عن الروبوتات من خلال كتبه الخيالية والعلمية، توقع بدقة إسهامها في المجال الصناعي.

الكاتب الشهير قال إن الروبوتات "ستقتل وظائف التجميع في المصانع"، وهو ما نعتقد أن لا خلاف عليه.

الأمية

في إطار حديثه عن عوالم الكومبيوتر، أكد أزيموف على أن شعوبا بأكملها سيتحتم "محو أميتها الكومبيوترية"، ألا يذكرنا هذا ببرامج "الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي" ICDL؟

الكاتب الأميركي يمضي قائلا إنه يجب تعليم المجتمعات كيفية التعامل مع "عالم التقنية العليا"، وهو ما قد نجد أثره اليوم في انتشار دراسة تخصصات البرمجة.

نهاية المدارس؟

تنبأ أزيموف أن تنتهي المدارس بشكلها التقليدي على يد ثورة الكومبيوتر.

صحيح أن مدارس عديدة حول العالم تستخدم التكنولوجيا في برامجها الدراسية، وصحيح أن هناك برامج عدة لتعليم الأطفال عن بعد، لكن الشكل التقليدي للمدارس لا يزال حاضرا بقوة في عالمنا الحالي.

استعمار الفضاء

لا يخلوا عالم الخيال العلمي من الحديث عن الفضاء، وأزيموف أكد في مقاله على أن البشر "سيدخلون الفضاء ليبقوا"، وهو ما قد يكون دقيقا بشكل ما.

رحلات الإنسان إلى الفضاء بدأت في 1961 أي قبل مقال أزيموف بنحو 22 عاما، لكن البقاء في الفضاء لم يكن واقعا في ذلك الوقت.

في زمننا الحالي يمكن النظر لمحطة الفضاء الدولية كنوع من الاستعمار البشري للفضاء حيث يقيم فيها بشر بشكل مستمر منذ 18 عاما.

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.