بائع خبز في أحد أحياء القاهرة
بائع خبز في أحد أحياء القاهرة

تظاهرات في السودان أقرب لانتفاضة، سبقتها احتجاجات على مدار العام في الأردن وتقلبات شهدتها دول عربية مختلفة في 2018، مردها إلى تغيرات وهزات اقتصادية أثرت على دخول المواطنين في هذه البلدان. معظم الناس تهتف للخبز.

كم تبلغ أسعار السلع الأساسية مثل الخبز واللحوم والوقود، والخدمات في بلدك وبأي شكل تغيرت هذه الأسعار على مدار العام؟

قياس هذه التغيرات يمكن مراقبته عبر متابعة معدل التضخم في كل بلد في فترة معينة، فمع ارتفاع معدل التضخم تقل القدرة الشرائية للعملة المحلية مع ارتفاع الأسعار.

 

الأردن.. ضرائب وديون وبطالة

كانون الثاني/يناير: معدل التضخم = 0.69 بالمئة (مقارنة بالشهر السابق)

عام 2018 كان غير مسبوقا على الأردنيين، وبالأخص قدرتهم على الحفاظ على مستوى معيشة يوفر حياة مرضية للقطاع الأعم منهم.

أحداث العام الاقتصادية ربما مهد لها في 2016 باتفاق بين حكومة الأردن وصندوق النقد الدولي على ترتيب يمتد لثلاث سنوات لدعم الإصلاح المالي والاقتصادي من أجل خفض الدين العام وتشجيع إصلاحات هيكلية.

حكومة رئيس الوزراء السابق هاني الملقي بدأت عام 2018 بقرار في 15 كانون الثاني/يناير يرفع ضريبة المبيعات على عدد من السلع بينها الوقود (البنزين من فئتي 95 و98) لتصل إلى 30 بالمئة، وكذلك رفع أسعار الخبز بكافة أصنافه بزيادات متفاوتة تصل إلى 100 بالمئة.

الحكومة صاحبت تلك القرارات بـ"صرف دعم نقدي" للمواطنين ذوي الدخول المنخفضة للتعويض عن ارتفاع الاسعار وبواقع 27 دينارا (38 دولارا) سنويا، لكن هذا لم يبد أنه كاف لتهدئة الغضب الذي تلا تلك القرارات.

فبعد أيام على سريان تلك الزيادات تظاهر مئات الأردنيين مطلع شباط/فبراير أمام مبنى رئاسة الوزراء والبرلمان في العاصمة عمان مطالبين بإسقاط الحكومة ومجلس النواب حاملين لافتات رافضة لـ "سياسة التجويع".

أصوات المتظاهرين عبرت إلى داخل جدران البرلمان الذي أجرى تصويتا حول طرح الثقة عن حكومة الملقي، لكن أغلبية من النواب جددوا الثقة في الحكومة.

نيسان/أبريل: معدل التضخم = 0.23 بالمئة

مع اقتراب معدل التضخم من أدنى مستوياته خلال 2018، أعلنت حكومة الملقي مطلع أيار/مايو اعتزامها إجراء تعديلات على قانون الضريبة تشمل خفض سقف إعفاء الدخل الخاضع للضريبة وزيادة في الضريبة على شرائح مختلفة من الدخول، وزيادة في الضريبة على البنوك وأخرى تدريجية على القطاع الصناعي.

لم تلق الأنباء حول التعديل رضا النقابات والجمعيات المهنية في الأردن والتي نفذت إضرابا يعد الأول من نوعه احتجاجا على مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد.

الاحتجاجات الجديدة المتواصلة والتي شارك فيها آلاف المواطنين دفعت العاهل الأردني الملك عبد الله بن الحسين إلى التدخل لوقف زيادة كانت مقررة في حزيران/يونيو على أسعار الوقود والكهرباء.

لكن صوت الاحتجاجات العالي عجل برحيل حكومة الملقي ليكلف الملك وزير التعليم في الحكومة المنحلة عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة.

التظاهرات لم تتوقف مع رحيل الحكومة وصداها وصل إلى الخارج حيث قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ "الحرة" في الخامس من حزيران/يونيو إن واشنطن تدعم جهود الحكومة الإصلاحية وكذلك حق الأردنيين في التعبير عن أنفسهم.

العاهل الأردني من جانبه قال في بيان تكليفه الرزاز بتشكيل الحكومة إن ما يشهده الأردن من ظروف اقتصادية صعبة "هو نتيجة تراكم ظروف ضاغطة، جلها خارجية وبفعل غياب الاستقرار في الإقليم".

رد "الإقليم" لم يتأخر حيث تعهدت كل من السعودية والإمارات والكويت في 11 حزيران/يونيو بتقديم حزمة مساعدات للأردن بقيمة 2.5 مليار دولار أميركي، عقب اجتماع في مكة دعا إليه العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وضم ملك الأردن وأمير الكويت ونائب رئيس الإمارات.

تموز/يوليو: معدل التضخم يرتفع للمرة الأولى في 2018

أيلول/سبتمبر: معدل انكماش الأسعار يتباطأ

الرزاز في منتصف حزيران يونيو، وعقب تشكيل حكومته، أعلن سحب مشروع قانون ضريبة الدخل الذي أثار التظاهرات الشعبية الحاشدة التي أدت إلى استقالة سلفه.

غير أن الحكومة الجديدة عادت بعد نحو 100 يوم على أدائها القسم الدستورية إلى طرح مشروع جديد لتعديل قانون الضريبة تراه "عادلا لا يساوي بين الغني والفقير".

الرزاز طرح القانون للنقاش والحوار المجتمعي مقرا بأن "أي تشريع في العالم لن يرضي جميع الأطراف".

وطرحت الحكومة مسودة التعديل عبر موقع إلكتروني خاص لجمع آراء المواطنين حوله.

تشرين الثاني/نوفمبر: معدل التضخم = 0.83 بالمئة

البرلمان الأردني أقر في 18 تشرين الثاني/نوفمبر القانون المعدل لضريبة الدخل والذي قال الرزاز إنه يراعي مبدأ التصاعدية، وأنه سيساعد المملكة على الحد من رفع مديونيتها.

لكن التظاهرات لاحقت أيضا القانون الجديد بعد إقراره، في احتجاجات متتالية منذ نهاية تشرين الثاني/نوفمبر ووصولا للشهر الجاري، شهدت كذلك اعتراضا على إقرار قانون الجرائم الإلكترونية الذي يرى فيه محتجون تكميما للأفواه.

لكن هل التشريعات وحدها من تدفع الناس للتظاهر؟

دائرة الإحصاءات العامة الأردنية أفادت بأن معدلات البطالة في 2018 واصلت الارتفاع حيث بلغت في الربع الثاني من العام 18.7 في المئة مقارنة بـ 18 في المئة في الفترة نفسها من العام الماضي، و14.8 بالمئة و11.9 بالمئة في 2016 و2015 على الترتيب.

وبلغت نسبة البطالة في الفئة العمرية بين 20-24 عاما، 37.7 بالمئة.

هذه الأرقام تأتي في بلد تصل نسبة السكان القابعين تحت خط الفقر فيه إلى 14.4 في المئة، وفقا لآخر إحصاء رسمي أجري في 2010.

ومع نهاية العام وإقرار موازنة 2019، تعهد وزير المالية عز الدين كناكرية بأن يرتفع النمو الاقتصادي في العام المقبل ويقول برلمانيون إن حكومة بلادهم "تبيع الوهم"، حسبما نقلت صحف محلية.

عام 2018 ينتهي ويبدو أن شعار التظاهرات التي خرجت في الشوارع لتقول "معناش" قد يستمر في العام الجديد.

السودان.. الخبز وحده قد يكفي

كانون الثاني/يناير: معدل التضخم = 52.4 بالمئة

الدولار = 37.5 جنيه سوداني (سوق سوداء)

بداية العام شبيهة بنهايته في السودان، الخبز حديث الناس وشعلة الاحتجاجات.

في الرابع من كانون الثاني/يناير 2018 رفعت السلطات السودانية سعر جوال القمح من 167 جنيها (23.7 دولارا) إلى 450 جنيها (64 دولارا).

ارتفاع سعر القمح، وبالتالي الخبز، جاء بعد قرار حكومي بوقف استيراد القمح والتخلي عن هذه المهمة لصالح القطاع الخاص.

الاحتجاجات اندلعت سريعا بعد زيادة وصلت للضعف في سعر الخبز، ولجأت السلطات إلى القبض على قيادات المعارضة ومصادرة عدة صحف في محاولة لإخماد التظاهرات التي انتشرت في مناطق متفرق من البلاد.

التظاهرات استمرت في شباط/فبراير خاصة مع استمرار تراجع الجنيه السوداني "غير المسبوق" أمام الدولار إذ اقترب من عتبة الـ 40 جنيها للدولار.

وفي منتصف الشهر أعلن عبد الرحمن المهدي مساعد الرئيس السوداني عمر البشير إطلاق سراح 80 معتقلا سياسيا معتبرا ذلك "خطوة لها ما بعدها" وهو الإفراج عن "جميع المعتقلين السياسيين"، في خطوة رآها مراقبون على أنها محاولة للتهدئة من طرف حكومة الخرطوم.

نيسان/أبريل: معدل التضخم = 57.7 بالمئة

أزمة وقود في السودان تتسبب بارتفاع أسعار خدمات النقل الأرضية وصفوف طويلة من السيارات في محطات التزويد بالوقود.

نائب الرئيس السوداني ورئيس الوزراء السابق بكري حسن صالح يقر في نهاية نيسان/أبريل بأن أزمة في النقد الأجنبي تقف عائقا أمام استيراد وقود لحل الأزمة.

صالح قال وقتها إنه "بسبب 102 مليون دولار لم نستطع استيراد وقود وصيانة المصفاة"، لكن تصريحه هذا لم يطفئ غضبا بدا ظاهرا في شكل دعوات للتظاهر والإضراب.

تشرين الأول/أكتوبر: معدل التضخم = 68.44 بالمئة

الدولار = 47.5 جنيه سوداني (سوق رسمية)

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر أعلنت السلطات السودانية خفض قيمة العملة الوطنية بنسبة 60 بالمئة لمواجهة أزمة تراجع قيمة الجنيه جراء الأزمة الاقتصادية المستمرة.

ووفقا للبنك المركزي السوداني فإن الدولار الأميركي الواحد بات يساوي 47.5 جنيها سودانيا، وهي المرة الثالثة التي يخفض فيها المركزي قيمة الجنيه منذ كانون الثاني/يناير.

وكان السعر الرسمي السابق للجنيه هو 28 جنيها للدولار الواحد.

القرار جاء بعد أسابيع من تشكيل البشير حكومة جديدة معتبرا أن الحكومة السابقة فشلت في معالجة الأزمة الاقتصادية.

وبعد أسابيع قليلة ارتفعت قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار بشكل طفيف ليصل في نهاية تشرين الأول/أكتوبر إلى 46.95 جنيها مقابل الدولار.

كانون الأول/ديسمبر: معدل التضخم = 69 بالمئة

المسؤولون في ولاية نهر النيل أعلنوا في 19 من الشهر الجاري حالة الطوارئ بعد تظاهرات حاشدة شارك فيها مئات المواطنين وتضمنت إحراق مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

الاحتجاجات صاحبتها تظاهرات صغيرة في مدن أخرى لكن عدد المتظاهرين كان أكبر في عطبرة عاصمة ولاية نهر النيل والتي تعد تاريخيا مركزا للاحتجاجات المناهضة للحكومة.

وبحسب حاكم الولاية حاتم الوسيلة فإن التظاهرات اندلعت بسبب زيادة سعر الخبز إلى ثلاثة جنيهات من جنيه واحد بسبب نقص دقيق الخبز المدعوم في الولاية.

الاحتجاجات تطورت وانتشرت في مختلف أرجاء السودان لتصل إلى ما هو أقرب للانتفاضة مع مطالبات جماهيرية ومن لاعبين سياسيين للبشير بالتنحي عن رئاسة البلاد.

تصدي قوات الأمن العنيف للتظاهرات أسفر عن مقتل 37 سودانيا منذ اندلاع التظاهرات، حسبما أفادت به منظمة العفو الدولية الاثنين.

ويظل الخبز محفز احتجاجات في السودان.

مصر.. تقلبات ووقود ومترو

 كانون الثاني/يناير: معدل التضخم = 14.35

مع بداية العام تراجعت معدلات التضخم السنوية في مصر إلى أدنى مستوياتها منذ تحرير سعر صرف الجنيه في آواخر 2016.

بالنسبة للمستهلكين في المدن تراجع التضخم السنوي للأسعار في كانون الثاني/يناير إلى 17.1 بالمئة من 21.9 في الشهر السابق.

وانخفض التضخم السنوي الأساسي إلى 14.35 بالمئة من 19.86 بالمئة.

وكان الجنيه المصري فقد نصف قيمته وقفزت الأسعار في البلاد بعد أن حررت القاهرة سعر صرف العملة في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 لإبرام اتفاق قرض بقيمة 12 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي بهدف إنعاش الاقتصاد.

وبلغ التضخم مستوى قياسيا اقترب من 35 بالمئة في تموز/يوليو 2017 بفعل خفض دعم الطاقة، لكنه بدأ يتراجع تدريجيا مع انحسار الضغوط الناجمة عن تحرير سعر صرف الجنيه.

أيار/مايو: معدل التضخم = 11.4 بالمئة

في أيار/مايو من العام الجاري واصل التضخم السنوي في مصر تراجعه ليسجل تراجعا أكبر مما توقعه صندوق النقد الدولي، بمعدل 11.4 بالمئة.

هذا التراجع وصفه الباحث الاقتصادي آلان سانديب لوكالة "رويترز" بأنه "تطور إيجابي غير متوقع فيما يتعلق ببيانات الاقتصاد الكلي".

لكن في المقابل، الشارع المصري كان يشهد احتجاجات غير مسبوقة خلال أشهر طويلة منذ تولي رئيس البلاد عبد الفتاح السيسي منصبه في حزيران/يونيو 2014.

في 11 أيار/مايو دخلت حيز التنفيذ زيادة في أسعار تذاكر مترو الأنفاق في العاصمة المصرية القاهرة لتصل إلى أكثر من ثلاثة أمثال السعر السابق لبعض الفئات.

قرار الزيادة جاء ضمن إجراءات إصلاحية اقتصادية عدة تتخذها الحكومة المصرية منذ الاتفاق على قرض صندوق النقد الدولي.

وفي اليوم التالي للزيادة ووقعت احتجاجات صغيرة في محطات للمترو بالقاهرة، لكن إجراءات تعزيز أمني داخل وحول محطات المترو حالت دون وقوع مزيد من الاحتجاجات.

اقرأ أيضا: مترو القاهرة.. الاعتقال لمن يحتج على التذكرة

تموز/يوليو: معدل التضخم = 14.4 بالمئة

مع مواصلة الحكومة المصرية تطبيق إجراءاتها الاقتصادية ارتفع معدل التضخم السنوي للأسعار للمستهلكين بالمدن للمرة الأولى منذ عشرة أشهر.

الحكومة قررت في حزيران/يونيو رفع أسعار الوقود بنسب تصل إلى 66.6 في المئة.

البنزين من فئة 92 ارتفع إلى 6.75 جنيه (0.38 دولار) للتر من خمسة جنيهات بزيادة نحو 35 بالمئة وفئة 80 الأقل جودة إلى 5.50 جنيه من 3.65 جنيه بزيادة 50 بالمئة.

ورفعت مصر سعر السولار إلى 5.50 جنيه للتر من 3.65 جنيه بزيادة 50 بالمئة، ولم تقلت أسطوانات غاز الطهي المنزلية من الزيادة حيث ارتفع سعرها بنسبة 66.6 بالمئة إلى 50 جنيها للاستخدام المنزلي و100 جنيه للاستخدام التجاري.

زيادة أسعار الوقود تلاها زيادة أيضا في أسعار تعريفة ركوب سيارات السيرفيس والتاكسي بين 10 و20 بالمئة، حسبما أعلنت رئاسة الوزراء وقتئذ.

​​كانون الأول/ديسمبر: مصر والصندوق

شريحة خامسة من قرض الـ 12 مليار دولار كان من المفترض أن تتسلمها الحكومة المصرية في كانون الأول/ديسمبر، لكنها تأجلت وسط حديث حول الجدول الزمني لتنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي.

مسؤول حكومي قال لدورية "إنتربرايز" المحلية المتخصصة إن صندوق النقد الدولي قرر إرجاء صرف الشريحة الخامسة حتى منتصف كانون الثاني/يناير 2019، رغبة منه في مراجعة بعض البيانات.

وفي 21 من الشهر الجاري تباحث الرئيس المصري ومديرة صندوق النقد كريستين لاغارد حول تطورات تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، حسب بيان للرئاسة.

وتقول وسائل إعلام محلية إن صندوق النقد الدولي يطالب الحكومة المصرية بالمضي قدما في البرنامج وتنفيذ إجراءات منها تحرير أسعار الوقود نهائيا بحلول منتصف حزيران/يونيو المقبل وكذل كطرح عدد من شركات القطاع العام في البورصة في نفس الإطار الزمني.

وتشير التقارير الصحافية إلى أن القاهرة تتفاوض مع صندوق النقد على ألا يرتبط تسليم باقي دفعات القرض بتلك الإجراءات التي قد يعني تنفيذها آثارا مباشرة على ارتفاع الأسعار بالنسبة للمواطن المصري.

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.