210 أعوام على ولادة 'أيب الأمين'

"محفوظة في هذا الضريح، كما في قلوب الناس الذين حفظ لأجلهم الاتحاد، ذكرى إبراهام لينكون"، تقول العبارة المنحوتة أعلى نصب عملاق في قلب العاصمة واشنطن، للرئيس الـ 16 للبلاد.

في كل عقد منذ نهاية الألفية الماضية، يدلي المؤرخون الأميركيون بآرائهم حول أفضل من قادوا هذه الأمة. ومنذ بدأت شبكة "سي سبان" إجراء الاستفتاء حافظ لينكون على مرتبة الصدارة، متفوقا على جورج واشنطن الأب المؤسس، وفرانكلين روزفلت، الرئيس الوحيد الذي انتخب لأربع فترات.

​​السبب وراء مكانة لينكون التاريخية قد يكون واضحا، الرجل قاد أميركا في فترة عصيبة من تاريخها الفتي، وعبر بها الحرب الأهلية إلى مستقبل يضمن المساواة للجميع.

"كل ما أنا عليه أو كنته، أدين به لأمي الملاك"

​​

في منزل مكون من غرفة واحدة قبل 210 أعوام ولد إبراهام في بيئة فقيرة في مزرعة قرب هودجنفيل في ولاية كنتاكي، لتوماس وسارة لينكون التي تعلق بها إبراهام الطفل بشدة.

وبسبب اضطراره لدعم أسرته ماديا بعد انتقالهم إلى إنديانا في 1816، انخرط لينكون في أعمال عدة ولم يكمل تعليمه.

تمثال للرئيس إبراهام لينكون إبان مراهقته

وحين انتقلت الأسرة مرة إلى ولاية جديدة؛ إلينوي في 1830، حصل لينكون الشاب على عمل على متن قارب شحن.

لاحقا، وبعد الاستقرار في نيو سالم بإلينوي، عمل لينكون مديرا لمتجر ثم لمكتب بريد، قبل أن ينخرط في المشهد السياسي المحلي داعما لحزب "الويغ" وينتخب في عام 1834 عضوا في المجلس التشريعي للولاية.

وبعد انطلاق مسيرته السياسية، لا قبلها كما هو معتاد، علم لينكون نفسه القانون، وحصل على إجازة المحاماة ليحظى بسمعة طيبة ولقب "أيب الأمين".

"كلما سمعت أحدا يجادل لصالح العبودية، يتكون لدي شعور قوي بأن أراها تمارس عليه"

​​

منذ بداية مشواره عارض لينكون انتشار العبودية في الأراضي الأميركية، وبالإضافة لذلك كانت آراؤه السياسية تدعم توسيع رقعة البلاد والتركيز على التجارة وتشييد المدن بدلا من التركيز على الزراعة.

لكن هذا المشوار لم يكن معبدا، فرغم فوزه بمقعد في مجلس النواب الأميركي عام 1847، لم تحظ سياساته بتأييد الناخبين في دائرته، بشكل كبير بسبب معارضته للحرب ضد المكسيك آنذاك، فتعهد بعدم الترشح بعد قضاء عامين في المنصب.

إلا أن "إيب" عاد للحياة السياسية مجددا في عام 1854 مدفوعا بنجاح الديمقراطيين في توسعة رقعة الأراضي المسموح فيها بالعبودية، وأصبح قياديا في الحزب الجمهوري.

انطلاقته مع الحزب الجمهوري تأرجحت بين اتساع شعبية خطاباته السياسية المفوهة وتلقي الخسائر الانتخابية، إذ هزم مرتين في انتخابات مجلس الشيوخ في 1954 و1958.

في إحدى المناظرات أمام منافسه الديمقراطي ستيفن دوغلاس في 16 حزيران/يونيو من ذلك العام، قال لينكون جملة ستخلد لاحقا وينظر إليها باعتبارها دستوره السياسي، عندما أعلن متحدثا عن الكونغرس: "المجلس المنقسم على نفسه لا يمكنه الاستمرار. أنا أؤمن بأن هذه الحكومة لا يمكن أن تتحمل بشكل دائم نصف عبيد ونصف أحرار. لا أتوقع أن ينحل هذا الاتحاد ـ لا أتوقع أن ينهار هذا المجلس ـ لكني أتوقع أن ينهي الانقسام. سيصبح كله إما على هذه الشاكلة أو تلك".

في 1860 اختار الحزب الجمهوري لينكون ممثلا له في انتخابات الرئاسة ليواجه دوغلاس مجددا بالإضافة لجون بريكنريدج، مرشح ديمقراطيي الجنوب، وجون بيل مرشح حزب الاتحاد الدستوري.

منشور دعائي للمرشح الرئاسي إبراهام لينكون

​​

وبفضل أصوات الشمال الأميركي فاز لينكون بالانتخابات ليصل سدة البيت الأبيض رئيسا منذ بداية آذار/مارس 1861.

"من يحرمون الآخرين الحرية لا يستحقونها لأنفسهم"

​​

لكن وصول رئيس شمالي معارض للعبودية لم يكن فأل خير على المشهد السياسي الأميركي المحتقن وقتها حول هذه القضية.

وقبل تسلمه مهام عمله رسميا واجه لينكون الأزمة الأكبر في تاريخ أميركا: سبع ولايات جنوبية أعلنت انسحابها من الاتحاد وتشكيل الكونفدرالية الأميركية.

ومع انطلاق الحرب الأهلية في نيسان/أبريل، كان لينكون، صاحب الخبرة العسكرية الضئيلة، في مواجهة قائد الكونفدرالية جيفرسون ديفيس وزير الحربية السابق وأحد أبطال حرب المكسيك.

لينكون وجنرالات جيش الاتحاد

​​الحرب جلبت معها خطوات باتجاه تحرير العبيد: العملي منها في البداية كان إعلان جنرالات الجيش الاتحادي رفض إعادة العبيد الهاربين من ولايات الكونفدرالية. ثم كان خطاب حال الاتحاد، الذي كان يقدم مكتوبا آنذاك، في كانون الأول/ديسمبر 1961 والذي أشار فيه إلى مقترح بشراء العبيد في ولايات الجنوب وتحريرهم باستخدام أموال الضرائب.

وفي نيسان/أبريل 1862 قرر الكونغرس تعويض من يحررون عبيدهم ماديا، قبل أن يأتي إعلان تحرير العبيد في 22 أيلول/سبتمبر من العام نفسه ليبدأ تطبيقه في أول أيام 1963.

إعلان عتق العبيد

​​

"أميركا لن تدمر من الخارج، إذا تعثرنا وفقدنا حرياتنا فسيكون سبب ذلك أننا دمرنا أنفسنا"

​​

تحرير العبيد ثم انتصارات هامة في فيكسبرغ وميسيسيبي وغيتيسبرغ، حولتا دفة المعركة لصالح الاتحاد ضد الكونفدرالية.

وفي 1864 خاض لينكون معركة انتخابية شرسة للولاية الثانية ربحها أمام المرشح الديمقراطي جورج مكليلان وهو قائد سابق للجيش أقاله الرئيس في خضم الحرب.

لكن فجأة توفقت انتصارات لينكون السياسية والعسكرية ليلة 14 نيسان/أبريل 1865.

الممثل المسرحي والمناصر للكونفدرالية جون ويلكس بوث صوب رصاصه نحو لينكون فقضى في اليوم التالي متأثرا بجراحه، لكن منجزه ظل خالدا منذ ذلك الوقت.

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.