صورة يتداولها شباب جزائريون لتأكيد سلمية حراكهم (يقولون: تستطيع حتى احتساء القهوة)
صورة يتداولها شباب جزائريون لتأكيد سلمية حراكهم (يقولون: تستطيع حتى احتساء القهوة)

محرز مرابط/

نوّهت أغلب وسائل الإعلام التي غطت احتجاجات الجزائر منذ انطلاقها في 22 شباط/ فبراير الماضي بالطابع السلمي للمظاهرات، والتنظيم المحكم للمسيرات الشعبية التي جمعت ملايين الشباب على صعيد واحد في أكثر من مرة وعلى مدى ثلاثة أسابيع.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا لشباب جزائريين وهم ينظفون الطرقات والأرصفة مباشرة بعد انتهاء الاحتجاجات، وهي صور راقت لكثير من الشباب من مختلف الدول العربية والأوروبية.

​​تجاوزات بسيطة حدثت لكنها لم ترق لتلطيخ الصورة الجميلة التي صنعها الجزائريون خلال ثلاثة أيام جمعة، رغم محاولة "بعض القنوات الخاصة المحسوبة على النظام تسليط الضوء عليها" على حد قول منير محي الدين، شاب من العاصمة، شارك في جميع احتجاجات الجزائر منذ بداية الحراك.

​​فما السر في سلمية الحراك الشعبي بالجزائر؟ وهل هناك جهة مسؤولة عن السير الحسن للاحتجاجات؟

حرص الشباب

في نظر منير (29 سنة) فإن الشعب الجزائري اكتسب خبرة من تجاربه السابقة، التي أجهضت بسبب عدم وعيه بضرورة الحفاظ على السلمية كشرط أساسي للنجاح.

وفي اتصال مع "الحرة" نفى منير وجود سر وراء التنظيم المحكم للاحتجاجات غير التعبئة المستمرة للشباب من طرف الشباب أنفسهم.

"ننظم اجتماعات كل خميس نتدارس فيها كيفية الحفاظ على السير الحسن للمسيرات، وكل شباب الأحياء تصنع الشيء نفسه" يوضح منير.

​​وشدد منير على عدم وجود أي جهة تعمل على تنظيم المسيرات أو تأطيرها.

"يجب أن يتأكد الجميع أن هناك إرادة شعبية في الحفاظ على السلم والأمن في بلادنا وهو السر الوحيد الذي يقف وراء نجاحنا لحد الأن" يؤكد منير، ويعد باستمرار السلمية حتى تتحقق المطالب الرئيسية التي رفعها الجزائريون منذ 22 شباط/ فبراير الماضي.

​​خبرات سابقة ومهنية الشرطة

أستاذ علم الاجتماع صادق عاشير، يرى من جانبه أن الشباب الجزائري اكتسب خبرة عبر التجارب التي مر بها، والتي عاشتها شعوب عربية أخرى خلال العشرية الأخيرة.

وفي اتصال مع "الحرة" أشار عاشير إلى القمع الذي تعرضت له المظاهرات في الجزائر منذ الاستقلال، مستدلا بمظاهرات الربيع الأمازيغي سنة 1980 والتي "واجهتها الدولة بعصا أمنية وإعلامية غير مسبوقة" على حد وصفه.

واستشهد كذلك بمظاهرات أكتوبر 1988، واحتجاجات صيف 1992 ضد توقيف المسار الانتخابي، و2001 التي شهدت سقوط أعداد كبيرة من الجزائريين جراء الانزلاقات التي ترتبت على علاقات منطق القوة بين السلطة والشعب.

لكن الشعب هذه المرة، يضيف عاشير "اكتسب خبرة في تجاوز كل مبطلات حراكه".

الوزير الأول الجزائري ونائبه خلال مؤتمر صحافي
بدوي لـ"الحرة": الحكومة الأسبوع القادم
عقد الوزير الأول الجزائري الجديد نور الدين بدوي مؤتمرا صحافيا بمشاركة نائبه رمطان لعمامرة تعرض فيها للخطوط العريضة للسياسة التي تنوي تشكيلته الحكومية المرتقبة انتهاجها لتسيير المرحلة القادمة في ضوء تعهدات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

​​وتابع موضحا "لعل العشرية السوداء التي كان النظام يستعملها لتخويف الشعب ساهمت كثيرا في حرص الشباب على الحفاظ على سلمية حراكه كذلك".

كما نوه المتحدث بمهنية الشرطة التي تعاملت مع المحتجين باحترام رغم تجاوزات بعض الأعوان الذين "عهدوا التعامل بقوة مع الشباب".

وقال في هذا الصدد "تعيين شرطي قديم مديرا عاما جديدا للأمن عشية انطلاق الحراك ساهم في ضبط النفس لدى الجهتين وتقليص التجاوزات من الشباب والشرطة على حد سواء".

إجهاض محاولات الاسترجاع

 أما المحلل السياسي عبد العالي رزاقي فيرجع نجاح الحراك الشعبي بالجزائر إلى "فطنة الشباب ووعيه بضرورة إجهاض محاولات استرجاع الاحتجاجات من طرف بعض أحزاب المعارضة".

​​وفي حديث لـ "الحرة" ضرب رزاقي أمثلة عديدة عن رؤساء أحزاب طردوا من المسيرات الشعبية بالعاصمة على وجه الخصوص، وقال "التفاف الشعب حول نفسه وعدم إيمانه بأي حزب سياسي ساهم في بقاء الحراك كل هذه المدة".

وأضاف "لم تتمكن السلطة من التسلل وسط المحتجين عبر أحزاب المعارضة الشكلية التي سئم منها الشعب وهو عامل مهم في استمرار الحراك ونجاحه".

 

عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر
عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر

أثارت هزيمة قوات حفتر التي تدعمها روسيا في قاعدة الوطية الجوية وفي مناطق أخرى غربي ليبيا، على يد قوات حكومة الوفاق التي تدعمها تركيا، تساؤلات عن سر التفوق التركي على الروس، مع إشارات إلى أن الطائرات المسيرة التركية هي التي لعبت الدور الحاسم في المعركة.

وأعلنت حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، الاثنين، سيطرتها على قاعدة الوطية الواقعة على بعد 140 كلم جنوب غرب طرابلس، بعدما كانت خاضعة لسيطرة القوات الموالية لخليفة حفتر.

وقال هاميش كينير، المحلل في معهد "فيريسك مابلكروفت" للأبحاث لفرانس برس، إن سيطرة قوات حكومة فايز السراج على هذه القاعدة تمثّل "ضربة جديدة" لقوات حفتر بعد خسارتها مدينتي صرمان وصبراتة الاستراتيجيتين غرب طرابلس إلى جانب أربع مدن أخرى قبل أسابيع قليلة.

وكان إعلان استعادة القاعدة متوقعا، خصوصا مع ضربات كثيفة شنتها طائرات من دون طيار تركية داعمة لقوات الوفاق منذ الشهر الماضي وطيلة الأيام الماضية، استهدفت بشكل يومي خطوط الإمداد ومخازن السلاح داخل القاعدة.

ونشرت قوات حكومة طرابلس مقطع فيديو يظهر تعرض أحد المخازن داخل القاعدة لقصف جوي، وقالت إن داخلها منظومة دفاع جوي، قبل إعادة نشره الاثنين وظهور إحدى منظومات الدفاع الجوي الروسية بانتسير محترقة جزئيا.

التدخل التركي في ليبيا غير سرد ما يجري فيها، بحسب الخبير في الشأن الليبي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، طارق مقريزي، الذي قال إن الوضع انقلب "من تشديد حفتر الخناق على طرابلس، إلى فوضى عمليته باتجاه الغرب". وأوضح أن "اللعبة انتهت بشكل أساسي" للعسكري المتقاعد الذي يسعى إلى إطاحة حكومة السراج. 

ومنذ تدخل أنقرة في يناير، لم يتم صد حفتر وما يسمى "الجيش الوطني الليبي" التابع له من أبواب طرابلس فحسب، بل فقد أيضا عدة مدن سيطر عليها خلال مسيرته نحو العاصمة التي أطلقها في أبريل 2019.

عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر

انتكاسات حفتر في الغرب شجعت أعداءه وهزت قبضته على معقله في الشرق، وفق مقريزي، الذي رأى أن "ما كان حفتر يديره بشكل أساسي هو عملية احتيال"، مضيفا أنه "طالما استمر في التقدم وتوسيع سلطته، فإنه كان بخير. لكن الآن بعد تعرضه لانتكاسات، فإن الجميع ينقلب عليه".

وتعد قاعدة الوطية إحدى أكبر القواعد الجوية في ليبيا وتصل مساحتها إلى 50 كيلومترا مربعا، في حين يمكنها استضافة سبعة آلاف عسكري في مرافقها، فضلا عن أنها تعد القاعدة الاستراتيجية الأبرز والوحيدة التي تستخدمها قوات حفتر في شن ضربات جوية ضد مواقع قوات حكومة الوفاق في غرب البلاد.

وبالسيطرة على القاعدة تكون المنطقة والمدن الممتدة من العاصمة طرابلس غربا وصولا إلى معبر راس جدير الحدودي مع تونس، تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني بالكامل.

أما بالنسبة لحفتر، فخسارتها تعني أنه لم تعد له أي سيطرة في غرب البلاد باستثناء مدينة ترهونة التي تمثل مقرا لغرفة عملياته وقاعدته الخلفية الرئيسية حيث تشن قواته هجماتها منها على جنوب العاصمة.

دور تركيا في ليبيا ليس سريا، فهي ترسل الطائرات المسيرة والمدرعات والمرتزقة، بينما تتحدث وسائل الإعلام الرسمية والمقربة من حكومة رجب طيب أردوغان عن النصر هناك.

أما فوزها فيبدو أنه يرجع إلى "وضعها أهدافا محدودة" لعمليتاها، وفق مقال تحليلي لصحيفة جيروسالم بوست. تركيا سعت لمنع حفتر من الوصول إلى طرابلس، بينما تفاخر الأخير لأشهر طويلة بـ"فتح قريب" للعاصمة، وأمهلها قبل أشهر ثلاثة أيام لمغادرة المدينة، لكنها لا تزال هناك، بينما اظطر هو إلى التراجع اليوم.

وبينما حددت أنقرة أهدافها، لم تكن أهداف كل من روسيا والإمارات ومصر التي تدعم حفتر واضحة، بحسب المقال الذي كتبه المحلل الأمني المتخصص في الشرق الأوسط سث فرانزمان، والذي أوضح أن هذه نقطة مهمة لأن "أوجه القصور في سياسة القاهرة وأبو ظبي وموسكو تشبه صراعاتها في اليمن وسيناء وسوريا".

وأردف أن "البلدان الثلاثة لا تجيد حروب الوكالات حتى تفوز فيها، لكنها جيدة في ما يخص إبقاء النزاعات قائمة"، على حد تعبيره. وأشار إلى أن روسيا تعلمت ذلك في أوكرانيا وجورجيا، وأنها وإن أنقذت نظام الأسد من زوال وشيك في 2015، إلا أنها تحب اللعب على طرفي النزاع وبيع تركيا صواريخ إس-400 والاتفاق على سيطرة أنقرة على مناطق في سوريا مثل عفرين وإدلب وتل أبيض.

وتابع الكاتب أن روسيا بدت وكأنها تفوز في كل مكان بين عامي 2015 و2020 نظرا، إلى حد كبير، للتراجع الأميركي عن الساحة الدولية. وأضاف أن "واشنطن عندما تنسحب، روسيا تتدخل وهو ما كان واضحا في شرقي سوريا" حيث أحبطت حملة أميركية ناجحة ضد داعش في أكتوبر 2019 مع انسحاب الولايات المتحدة ما أدى إلى عدوان تركي على حلفائها الأكراد. "هنا روسيا انقضت على اتفاق لوقف إطلاق النار فهي تحب الانقضاض"، وفق الكاتب.

"لكن عندما يتعلق الأمر بتدريب الليبيين على استخدام نظام بانتسير الروسي، فليس واضحا إن قدم الروس المساعدة. لماذا نقل حفتر أنظمة بانتسير إلى قاعدة الوطية وقرب سيرت ليتم استهداف الواحد تلو الآخر بدرونز يبدو أنها تركية؟"، كما تساءل فرانزمان.  

قاذفة صواريخ في قاعدة الوطية الجوية التي استعادتها القوات التابعة لحكومة الوفاق

وتابع "أنظمة الدفاع الجوي يفترض أن تحمي من الطائرات المسيرة وليس أن تكون هي هدفا. لا نعرف سبب فشل الأنظمة الروسية أو كيف بالتحديد وصلت إلى ليبيا. ربما عن طريق الإمارات أو مصر، لكنها دمرت الآن ولا توجد إمدادات غير متناهية منها. توجد إمدادات لا نهاية لها من طائرات بيرقدار المسيرة التي يصنعها صهر الرئيس التركي وترسل إلى ليبيا حتى تتعلم تركيا ما يصلح" وما لا يصلح.  

مقريزي من جانبه أوضح في مقال بعنوان "ليبيا أصبحت الآن شأنا تركيا"، أن حفتر "إن لم يتمكن من استعادة التفوق الجوي، فإن خساراته ستتوالى"، لكنه أشار إلى أن الحرب لم تنته بعد، حتى وإن حصدت حكومة الوفاق مكاسب كبيرة في الشهر الماضي.

مجموعة الأزمات الدولية سبق أن قالت إن اندفاعة تركيا، التي تكمن وراءها مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الخاصة، زادت في تعقيد الأزمة الليبية ذات الأوجه المتعددة أصلا وكشفت أنه كلما قدم اللاعبون الخارجيون العتاد والمقاتلين لحلفائهم الليبيين، طال أمد الصراع وأصبحت حصيلته أكثر تدميرا.

وترى أنقرة أن دعمها لحكومة طرابلس ضروري لمواجهة مجموعة من القوى المعادية العازمة على احتواء نفوذ تركيا الاستراتيجي والاقتصادي في حوض المتوسط وفي الشرق الأوسط عموما. 

وفي الوقت نفسه يرى الداعمون الخارجيون لحفتر في ليبيا ميدانا رئيسيا لمعركة جيوسياسية ولم يترددوا في التصعيد، وفق المنظمة.

 الفكرة هي، كما ختم فرانزمان، أن "ليبيا جزء من صراع حول من سيفوز في الصراع الأكبر على النفوذ في الشرق الأوسط. تركيا وقطر أم إيران أم روسيا أم مصر والسعودية والإمارات؟ هل قلبت تركيا الأحوال في ليبيا؟ الإعلام يصور الوضع على أنه كذلك وهذا كل ما يهم أنقرة، فهي تريد إظهار أن نموذجها ناجح. وهو ما فعلته في سوريا من خلال إحراج الولايات المتحدة ومحاربتها نظام الأسد، وهي تقصف العراق أيضا لإظهار قدرتها على السيطرة على مجاله الجوي. هل يستطيع داعمو حفتر تغيير سرد الأحداث أو على الأقل حثه على البقاء في اللعبة؟ لم يقدروا على حمله إلى الهدف ويبدو أن تركيا نجحت في دعم طرابلس في الوقت الراهن".