صورة من الحدود السورية التركية يظهر فيها من يعتقد أنهم مقاتلون تابعون لتنظيم داعش يعتلون تلة في مدينة عين العرب (كوباني) السورية. وفي مقدمة الصورة قوات تركية
الحدود السورية التركية.. مقاتلون تابعون لتنظيم داعش يعتلون تلة في مدينة عين العرب (كوباني) السورية. وفي مقدمة الصورة قوات تركية- أرشيف

"كانت وظيفتي في الرقة هي التعامل مع القضايا الدولية، وتنسيق العلاقة بين تنظيم داعش والمخابرات التركية" يتذكر أبو منصور المغربي سنواته الثلاثة في تنظيم داعش.

أبو منصور، مهندس كهرباء من المغرب، جاء إلى سوريا في عام 2013، سافر من الدار البيضاء إلى اسطنبول وعبر الحدود الجنوبية لتركيا إلى سوريا.

كانت محطته الأولى إدلب، وكلفه التنظيم بوظيفة مسؤول استقبال على الجانب السوري من الحدود التركية، وكانت مهمته تتلخص في ضمان استمرار تدفق المقاتلين الأجانب إلى داعش عبر تركيا.

أبو منصور، المحتجز حاليا في أحد السجون في العراق، تحدث بإسهاب عن طبيعة عمله مع تنظيم داعش والعلاقة بين التنظيم وتركيا، وذلك في مقابلة استغرقت خمس ساعات ونشرت على موقع "هوم لاند سيكيورتي توداي" الأميركي.

لقاء مع أردوغان

"كانت مفاوضتنا (داعش وتركيا) تجري مرة في سوريا ومرة في تركيا، وما إلى ذلك ذهابا وإيابا" يقول أبو منصور، وغالبا "تجري بالقرب من الحدود، بالقرب من البوابات الرسمية".

وفي عام 2016 طلب من أبو منصور المجيء لأنقرة والبقاء لعدة أسابيع، "وربما للقاء الرئيس أردوغان".

"ذهبت إلى أنقرة، كان هناك فندق خاص، أو دار ضيافة تابع للمخابرات، أعتقد أنني كنت بالضبط في مكتبهم الرئيسي، أو ربما في مكتب خلية أزمة" يقول المغربي.

ويضيف "بقيت هناك أسبوعا واحدا ولم يرفضوا طلبي للخروج، كنت تحت حمايتهم، لقد اقترحوا أيضا أن باستطاعتي قضاء أسبوع لأستريح هنا".

"كنت على وشك مقابلة أردوغان لكنني لم أفعل، قال أحد ضباط مخابراته إن أردوغان يريد رؤيتك على انفراد، لكن ذلك لم يحدث" حسب المغربي.

المقاتلون الأجانب

"لقد كانت مهمتي تتمثل باستقبال المقاتلين الأجانب في تركيا" في إشارة إلى شبكة الأشخاص الذين كان تنظيم داعش يدفع لهم الأموال مقابل تسهيل سفر هؤلاء المقاتلين من إسطنبول إلى مدن غازي عنتاب وأنطاكيا وسانليورفا على الحدود مع سوريا.

يوضح أبو منصور أن "معظم العاملين في الجانب التركي، هدفهم هو المال"، لكنه اعترف أيضا بأن الكثيرين في تركيا يؤمنون بتنظيم داعش.

ويضيف "يوجد رجال من داعش يعيشون في تركيا، أفراد وجماعات، لكن لا توجد جماعات مسلحة داخل تركيا".

يشير أبو منصور إلى أن المقاتلين الأجانب كانوا يأتون من أماكن مختلفة، من شمال إفريقيا في الغالب، وأن عدد الأوروبيين لم يكن كبيرا، حيث قدرهم بنحو أربعة الاف.

ويتابع "لغاية عام 2015 كان هناك 13 ألف مقاتل من تونس، وأربعة الاف من المغرب، وهناك عدد أقل من المقاتلين من ليبيا لأن لديهم تنظيم هناك".

"كانت وظيفتي هي حراسة الحدود بين سوريا وتركيا واستقبال المقاتلين" يقول أبو منصور.

ويضيف "أشرفت على الاستقبال في تل أبيض وحلب وإدلب، في البداية كنت أسجل الناس، ثم أصبحت مشرفا، وبعدها صرت أميرا في التنظيم".

سفير داعش في تركيا

عندما تم سؤال أبو منصور عنما إذا ما سمح لمقاتلي تنظيم داعش المصابين بعبور الحدود وتلقي الرعاية الطبية في تركيا، اتضح أنه لم يكن مجرد أمير، بل كان "دبلوماسيا" لداعش.

"كان هناك بعض الاتفاقات والتفاهمات بالنسبة للمصابين بين المخابرات التركية وجهاز الأمن في تنظيم داعش" يؤكد أبو منصور المغربي.

ويضيف "لقد عقدت العديد من الاجتماعات المباشرة مع المخابرات التركية".

عندما سئل المغربي من بالضبط في الحكومة التركية كان يلتقي بأعضاء داعش قال "بعض الأحيان كانوا من الاستخبارات التركية، وأحيانا أخرى ممثلون عن الجيش التركي".

"كانت معظم الاجتماعات في تركيا في مواقع عسكرية أو في مكاتبهم، ذلك يعتمد على القضية، أحيانا نلتقي كل أسبوع، ذلك يعتمد على ما كان يحدث، وكانت معظم الاجتماعات قريبة من الحدود، وبعضها في أنقرة ، وبعضها الأخر في غازي عنتاب" يؤكد أبو منصور المغربي.

ويتابع "مررت بالحدود وسمحوا لي بالمرور، وعند الحدود كان الأتراك يوفرون لي سيارة وحماية، كان هناك فريق من شخصين إلى ثلاثة أشخاص من تنظيم داعش معي، وكنت مسؤولا عنهم معظم الوقت".

أبو منصور كان يتلقى أوامره من شخص عراقي يدعى محمد حدود يعمل فيما يعرف باسم  مجلس "شورى تنظيم داعش"، وفيما يتعلق بزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، يعترف أبو منصور أنه التقاه لفترة قصيرة.

داعش وتركيا

أبو منصور على ما يبدو كان يجتمع مع مسؤولين رفيعي المستوى في جميع الفروع الأمنية للحكومة التركية للتفاوض على صفقات وفقا لموقع "هوم لاند سيكيورتي توداي".

يقول أبو منصور إن "موضوع المنافع المشتركة هو موضوع كبير، المفاوضات لم تكن سهلة، لقد استغرقت وقتا طويلا وفي بعض الأحيان كانت صعبة".

أبو منصور يقول إن تركيا كانت تريد السيطرة على المنطقة الحدودية القريبة من حدودها واحكام السيطرة على شمال سوريا.

"في الواقع كان لديهم طموحات ليس فقط للسيطرة على الأكراد، لقد أرادوا كل الشمال السوري من كسب (أقصى نقطة في شمال سوريا) إلى الموصل".

"هذه هي الأيديولوجية الإسلامية لأروغان" يوضح أبو منصور، مضيفا "لقد أرادوا كل شمال سوريا، هذا ما قاله الجانب التركي أرادوا السيطرة على شمال سوريا، لأن لديهم طموحاتهم الحقيقية".

يوضح أبو منصور أنه أبلغ بأن رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان، وليس بالضرورة أن جميع الاتراك يتوافقون معها.

ومن جانب داعش يوضح أبو منصور "لقد كانت فائدة كبيرة للتنظيم، لأنها يمكن أن تحمي ظهرنا، حوالي 300 كيلومتر من حدودنا معهم، تعتبر تركيا طريقا بالنسبة لنا للأدوية والغذاء، فهناك أشياء كثيرة تدخل باسم المعونة، وكانت الابواب مفتوحة".

التفاوض لعبور الحدود التركية

تفاوضنا لإرسال مقاتلينا إلى المستشفيات في تركيا، كان هناك تسهيل، لم ينظروا في جوازات سفر القادمين للعلاج" وفقا للمغربي.

ويضيف "إذا كان لدينا سيارة إسعاف يمكن عبورها من دون سؤال، لا يسألون عن الهويات الرسمية، علينا فقط أن نعلمهم".

مبيعات النفط

فيما يتعلق ببيع النفط، يعترف أبو منصور أن "معظم النفط السوري كان يذهب إلى تركيا، وكميات صغيرة إلى نظام الأسد".

ويقول أبو منصور أنه لم يكن بحاجة إلى التفاوض بشأن هذه المبيعات مباشرة مع مسؤولي الحكومة التركية حيث "حدث هذا تلقائيا".

"هناك الكثير من التجار الذين يقومون بذلك، وكانت تركيا السوق الوحيدة التي يتم إرسال النفط إليها، يوضح المغربي.

ويضيف أن "نجل" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أصبح "ثريا بسبب نفط داعش"، إلا أن الصفقات كانت تتم عبر وسطاء.

إطلاق سراح الدبلوماسيين الأتراك والجنود والمواطنين

عندما سئل عن المفاوضات من أجل إطلاق سراح الدبلوماسيين والعمال الأتراك بعد سيطرة داعش على الموصل أوضح أبو منصور "تم التفاوض في سوريا، وأعتقد أن الحكومة التركية أمرت القنصل بعدم المغادرة، وكان العديد من سائقي الشاحنات الأتراك في الموصل في ذلك الوقت، لم يكونوا في خطر، لكن كان هناك مفاوضات للإفراج عنهم".

وتابع "لم نطلب فدية لإطلاق سراح الموظفين، بل طلبنا تحرير سجناءنا، وكانت المخابرات التركية تعرف أسماءهم".

ويوضح أبو منصور "تم إطلاق سراح حوالي 500 سجين من تركيا وعادوا إلى التنظيم، وبالمقابل افرجنا عن موظفي القنصلية".

 

 

الكثيرون يرون أن أعمال العنف والتخريب تنسف قضية الاحتجاجات الأميركية
الكثيرون يرون أن أعمال العنف والتخريب تنسف قضية الاحتجاجات الأميركية

بالنسبة لكثير من الأميركيين السود الذين تدفقوا إلى شوارع عشرات من كبريات مدن البلاد في الأيام الأخيرة، شكلت وفاة جورج فلويد خلال اعتقاله الاثنين الماضي في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، أحدث حلقات العنصرية التي عانى منها المتحدرون من أصول أفريقية، خلال عام يشهد تحديات غير مسبوقة وسجلا يطبعه اليأس والفقر بالنسبة لهؤلاء على وجه التحديد.

 فقد أثرت جائحة كورونا على الأميركييين السود بشكل غير متكافئ إذ يعدون أكثر عرضة للإصابة والوفاة جراء كوفيد-19 مقارنة بالمواطنين من العرق الأبيض. وفي حين لا يمثل الأميركيون السود سوى 12 في المئة من مجموع سكان الولايات المتحدة، إلا أنهم يشكلون، وفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، حوالي 26 في المئة من حالات الإصابة بالمرض الجديد وما يقارب 23 في المئة من الوفيات التي وصلت حتى صباح الاثنين إلى 104 آلاف و383 حالة.

وكشفت دراسة وفق مجلة تايم، أن المقاطعات التي تقطنها غالبية من السود فيها حوالي نصف حالات الإصابة في البلاد وأكثر من 60 في المئة من الوفيات. 

التداعيات الاقتصادية للأزمة الصحية وجهود مكافحتها كذلك أثرت بشكل غير متكافئ على الأميركيين السود. وبحسب مركز بيو للأبحاث فإن 44 في المئة من السود قالوا إن شخصا يعيش معهم على الأقل فقد وظيفته أو قلص راتبه بسبب الجائحة، فيما كشف 73 في المئة أن ما من مدخرات لديهم لتغطية حاجياتهم خلال الحالات الطارئة.

وفي مدينة نيويورك التي كانت أشد المناطق تضررا من كورونا مع أكثر من 203 آلاف إصابة وأكثر من 21 ألف وفاة، كان معظم "العاملين الأساسيين" الذين غامروا بحياتهم لكي تستمر حركة مدينتهم من الأميركيين السود، وفق إحصائيات رسمية للمدينة. 

وجاءت حوادث القتل التي تعرض لها أميركيون من هذه الفئة خلال الأسابيع القليلة الماضية لتصب مزيدا من الزيت على نار غضب الأميركيين الأفارقة الذين هم جزء من نسيج الولايات المتحدة منذ أن استقدم أجدادهم قسرا من القارة السمراء اعتبارا من عام 1619.

وبدأ الغضب يستعر إزاء قضية الأميركية بريانا تيلور التي كانت مسعفة تعمل قسم طوارئ مستشفيين في لووفول بكنتاكي، وقتلت في 13 مارس داخل منزلها بثماني رصاصات أطلقها عليها عناصر شرطة اقتحموا بيتها خطأ تنفيذا لأمر متعلق بقضية مخدرات. قضية تيلور لم تحظ بتغطية إعلامية واسعة في ظل الانشغال بفيروس كورونا، لكن الأضواء سلطت عليها، بعد مقتل أحمد آربري الذي قتل برصاص رجل أبيض بينما كان الشاب الأعزل يمارس رياضة الركض، وفشلت السلطات في متابعة القضية إلى حين ظهور فيديو بعد أسابيع على وقوعها.

لكن وفاة فلويد الموثقة في فيديو يظهر فيه وهو مثبت على أرض، بينما الشرطي الأبيض، ديريك شوفين، يضغط بركبته على عنق الرجل لتسع دقائق تقريبا، رغم مناشدات الأخير وحتى بكائه وترديده كلمات "لا أستطيع التنفس"، كانت القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لكثير من الأميركيين من أصول أفريقية على وجه الخصوص وغيرهم.     

أميركا "لا تستطيع التنفس"

وتبنى المحتجون  كلمات فلويد الأخيرة ورددوها في شعاراتهم وطبعوها على لافتات وقمصان وغيرها.

ثيريزا دير أميركية من أصول أفريقية قالت في مقال رأي بعنوان "أميركا السوداء لا تستطيع التنفس"، إن هذه الفئة تحارب وباء يسبق جائحة كورونا، وبفضل كاميرات الهواتف، أزيل اللتام عن العنصرية في أميركا".

وقالت "لا يمكننا التنفس لأننا باستمرار تحت التمحيص والمراقبة. لا نستطيع التنفس لأنه تجري مراقبتنا وتتبعنا وتصنيفنا. لا نستطيع التنفس لأنه بالنسبة لنا، الشك (فينا) لا مفر منه. لا نعامل كبشر وإنما كمشتبه فيهم، أهداف، حيوانات، مجرمين. لا نستطيع التنفس لأن إصلاح الشرطة وعدنا به عدد لا يحصى من الزعماء لكي تخلف العهود وتلغى". 

غضب وخوف 

وقالت المساعدة الاجتماعية بريسيلا بوركر التي شاركت في احتجاجات في مدينة نيويورك، لتايم "إما يقتلنا كوفيد-19، أو تقتلنا الشرطة، أو يقتلنا الاقتصاد"، وتابعت "كل مكان يلتف إليه السود يتم دفعهم".

وبعد أسابيع على فرض إجراءات التباعد الاجتماعي والإغلاق، كسر المتظاهرون عزلتهم وتحدوا الفيروس القاتل الذي لا يزال منتشرا في البلاد، لأن القضية أعظم، لأنهم يريدون ضم صوتهم والمطالبة بوضع حد للعنصرية العنيفة.

وقالت أوزي لامبكين وهي مديرة مبيعات شاركت في احتجاجات لتكريم ذكرى آربري، "أشعر بخوف أكبر من أن أقتل على يد شرطي، أكثر من أن يقتلني كوفيد". وتابعت لامبكين التي تركض ما بين 75 إلى 100 ميل في الأسبوع، "أنظر إلى الركض على أنه حريتي. عندما قتل، شعرت أن جزءا من حريتي سلب مني".

الاحتجاجات التي كثيرا ما تندلع تنديدا بحوادث قتل أميركيين سود على يد الشرطة، وبينهم إيريك غارنر ومايكل براون وفيلادو كاسيبو والكثيرين غيرهم، لم تؤد إلى تغييرات جذرية وفق ناشطين. 

وقال المدرب الرياضي جيمس تالتون، إنه كان يسمع من والده قصص المعاناة من الفصل العنصري الذي كان واقعا في جنوب الولايات المتحدة، لكنه يشعر وكأنه لا يزال يعاني من نفس المشاكل التي عاشها والده.   

وأوضح لتايم أنه وإن كان لا يؤيد عمليات النهب والتخريب التي رافقت الاحتجاجات هذه المرة، إلا أنه يتفهم سبب تكسير محتجين غاضبين ممتلكات، مضيفا "بالنسبة لنا، حتى نحظى بالانتباه، ينبغي علينا إحراق أشياء. لأن لا أحد يعيرنا اهتماما على ما يبدو". وأردف "أشعر بالخوف من العيش في أميركا".  

رفض للتخريب

لكن الكثير من المحتجين السود يرون أن أعمال العنف تسرق منهم قضيتهم ويخشون من أن يحملوا مسؤوليتها كاملة رغم تورط عناصر لا تمت للدفاع عن حقوقهم بصلة من يساريين ويمينيين متطرفين أو مخربين.

وبكلمات مؤثرة، لخص محتج في مينيابوليس، خلال تصريح لشبكة CNN، غضبه إزاء أعمال الشغب والتدمير قائلا "هذه رسالتي للأشخاص الذين يخربون أشياء. إذا شعرتم بالفعل أن عليكم أن تكونوا انتهازيين، فإن هناك خطأ ما فيكم.  إذا لم تكونوا قادرين على الوقوف على الجانب الصحيح من المعركة وترغبون سرقة ما نحاول فعله، فإن هناك خطأ ما فيكم. لأن ما نحاول فعله الآن هو الدفاع عن الحقوق الأساسية للإنسانية. هذا ما نحاول فعله، ونسعى إليه بطريقة سلمية. لا نرغب أن نعيش هذا مجددا. أريد أن أتمكن من الذهاب إلى حي ذي أغلبية بيضاء وأشعر بالأمان. أرغب ألا أشعر بالتوتر كلما كانت سيارة شرطة خلفي. أريد فقط أن أكون حرا وألا أضطر للتفكير في كل خطوة أقوم بها، لأنه في نهاية المطاف، كونك أسود يعد جريمة. في نهاية المطاف، كونك ولدت أسود، يعد جريمة بالنسبة لهم. ولا أعرف لم الأمر كذلك، لأننا جميعا بشر. هذا مثير للاشمئزاز".  

وتعرضت الكثير من الممتلكات العامة والخاصة من محلات تجارية وسيارات ومراكز شرطة وغيرها، للتخريب والنهب والإحراق ومنها ما دمر بشكل كامل، خلال المظاهرات المستمرة والتي تزداد عنفا، ما دفع السلطات في عدد من المدن إلى استدعاء الحرس الوطني وفرض حظر للتجوال إلى جانب اعتقال الآلاف.

وقال تاي أندرسون وهو ناشط أسود ومدير في مجلس مدراس دنفر بولاية كولورادو، لموقع بز فيد نيوز، "عندما لا ندعو الناس للتخريب باسمنا لكنهم يفعلون ذلك، ندرك أن ذلك أمرا سندفع ثمنه نحن". وأضاف "دعونا الناس طوال اليوم (الجمعة)، رجاء لا تشوهوا الممتلكات، ولا تخربوا أي شيء لأننا لم نطلب منكم ذلك".

ومع ذلك وقعت أعمال تخريب ومواجهات مع شرطة دنفر التي أطلقت الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين.

وفي فيديو جرى تداوله بشكل واسع على الإنترنت، يظهر أندرسون وهو يواجه رجلا أبيض كان يضع غطاء على وجهه وقام بكتابة شعار معاد للشرطة على جدار أحد الممتلكات العامة.

ويسمع تاي في الفيديو وهو يصرخ ويلحق بالرجل "توقف! توقف! ليس هذا ما أردناه".

وأوضح أنه كان هناك "عدد من الأشخاص" الذين تصرفوا مثل ذلك الرجل خلال المظاهرة، مضيفا أنه يعتقد أن بعضا منهم "من اليمين المتطرف ممن لا يهمهم أمر الأشخاص السمر أو السود أو يرغبون في إظهار هذه الحركة في صورة سيئة".

وأردف "لم يكن أشخاص سود هم من استفزوا الشرطة. لقد كان من ألقوا أشياء باتجاه الشرطة من البيض"، مضيفا "وعندما واصلوا رشق أكياس مليئة بالبول، وعلب، وقوارير الماء، تفجر غضب الشرطة وبدأت إطلاق الغاز المسيل للدموع على الحاضرين".

وقال في تصريح آخر لموقع ديلي بيست "لا نريد أن يلقى علينا اللوم، كسود، بسبب تصرفاتهم"، مبديا قلقه من أن "متطرفين بيض" يتدفقون على الاحتجاجات "لبدء حرب عرقية" وينسفون رسالة الاحتجاجات.  

وأعرب ناشطون سود عن قلقهم إزاء هوية بعض من المحرضين الذين يشاركون في الاحتجاجات في شتى أنحاء البلاد، ويقولون إن بينهم من جاء فقط من أجل الفوضى والعراك ولا يدعمونهم في التعبير عن الغضب إزاء مقتل مواطنين سود عزل على يد الشرطة  والمطالبة بوضع حد لذلك.

مدن تحترق

وسعى ناشطون لإبراز فيديوهات يظهر فيها مواطنون بيض وهو يرتكبون أعمالا تخريبية تستهدف ممتلكات خلال احتجاجات في عدد من المدن بينها أوكلند بكاليفورنيا وديترويت بأوهايو ومينيابوليس بمينيسوتا.

 ومن أوكلند، انتشر مقطعا فيديو يبدو فيهما أشخاص وبعضهم من ذوي البشرة البيضاء وهم يكسرون نوافذ أحد المباني والمحلات، وكان أحدهم يقود عربة تستخدم في الحفر، بينما يسمع ضحك وكذلك صراخ أشخاص في المكان. وتظهر شابة في الفيديو وهي تناشد عبر مكبر صوت، ويبدو أنها على وشك البكاء من شدة إحباطها "توقف! رجاء توقف!"

وفي كثير من المناطق كان المخربون من البيض ومن السود أيضا. 

من يقف وراء العنف والفوضى؟

واتهم مسؤولون جمهوريون وديمقراطيون مجموعات يسارية وأخرى يمينية فضلا عن محتجين فوضويين بالوقوف وراء أعمال العنف.

وأشار وزير العدل ويليام بار، الأحد، بأصابع الاتهام إلى عناصر من "أنتيفا" (Antifa) المناهضين للفاشية وحملهم مسؤولية الفوضى التي أعقبت وفاة فلويد، فيما قال مسؤولون آخرون إن المتشددين من اليمين المتطرف مثل أتباع ما يعرف بـ"بوغالو"(Boogaloo) الذين يسعون إلى "اندلاع حرب أهلية ثانية"، هم من يأججون العنف في المظاهرات.

السناتور الجمهوري ماركو روبيو صرح الأحد  بأن "قصة كبيرة يتم تغييبها وهي أنه في مدينة تلو الأخرى، لدينا إرهابيون من جماعات من أنتيفا حتى بوغالو يشجعون على العنف ويرتكبون أعمال عنف" من أجل دفع أجنداتهم.

وتابع روبيو، الذي يترأس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، "قد لا تكون لديهم نفس الأيديولوجية لكنهم يتشاطرون كراهية إزاء الشرطة والحكومة ويستغلون الاحتجاجات".

عمدة مدينة نيويورك بيل دي بلازيو قال الأحد، إنه ظل على اتصال مع نظرائه في مدن أخرى، مضيفا أنهم "جميعهم يعيشون الشيء نفسه.. أفراد يأتون من مناطق خارج مدنهم، والكثير منهم يزعمون أنهم يتحدثون عن القضايا التي تهم الأميركيين السود، إلا أنهم ليسوا من المجتمع الأسود".

وقال جون ميلر نائب مفوض شرطة مدينة نيويورك المسؤول عن جهود مكافحة الإرهاب والاستخبارات في الجهاز، إن فوضويين خططوا لبدء الفوضى في المدينة حتى قبل اندلاع المظاهرات، مستخدمين رسائل مشفرة، وبعد انطلاق الاحتجاجات أمّن هؤلاء طرق إمدادات لتوزيع البنزين والحجارة والقوارير وكلفوا بعضا منهم بالبحث عن مناطق لا توجد فيها شرطة.

وقال ميلر إن هؤلاء "استعدوا لتخريب الممتلكات ووجهوا الأشخاص الذين يتبعونهم بأن تلك الأعمال ينبغي تنفيذها في مناطق معينة، غنية فقط أو في المحلات التجارية الراقية التابعة لشركات".

وأوضح أن التحقيق في ما يجري لا يزال مستمرا، لكنه أشار إلى أن الكثير من المشاركين قدموا من خارج نيويورك.

وفي مينيسوتا، قال حاكم الولاية تيم وولز في تغريدة الأحد، "لدينا ما يجعلنا نعتقد أن فاعلين سيئين يواصلون التسلل في الاحتجاجات الشرعية ضد اغتيال فلويد، ولهذا السبب أمدد حظر التجوال ليوم آخر". وجاء قراره بعد ما ألمح في وقت سابق إلى أن متطرفين يؤمنون بتفوق العرق الأبيض أو أفرادا من خارج الولاية هم من أجج الاضطرابات.

لكن اتهامات المسؤولين الموجهة إلى متطرفين لم تقدم ما يكفي من أدلة لدعم المزاعم، بحسب صحيفة نيويورك تايمز التي أشارت إلى أن بينهم من أقر بعدم وجود معلومات دقيقة حول ذلك.

وقال المدعي العام في مينيسوتا، كيث إليسون، في تصريحات لشبكة NBC نيوز، "الحقيقة هي أن لا أحد يعلم بالضبط"، مشيرا إلى وجود الكثير من التسجيلات المصورة لأشخاص يثيرون الشكوك أقدموا بالفعل على تكسير واجهات ونوافذ، وكذلك صور لسيارات مشبوهة. 

خطف القضية

أليسيا غارزا، المؤسسة المشاركة لحركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter) التي تسعى إلى وضع حد للعنف الذي يتعرض له السود، قالت لموقع ديلي بيست إن التركيز على من يخطف الاحتجاجات يحول الانتباه عن ظروف وفاة فلويد. 

وأضافت أن "الحقيقة هي أننا لا نستطيبع أن ننشغل بالمتظاهر الصالح مقابل المتظاهر السيئ، لقد ابتعدنا إلى حد ما عما أوصلنا إلى هذا الوضع".