الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي"
الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي"

لا يزال الغموض يلف قضية تسلم الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي" منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، وفقاً لما ذكره الباحث والصحفي جيروم توبيانا في مقال بموقع "Foreign Policy، الثلاثاء.

 ويأتي هذا الغموض بالأخص بعد تاريخ "حميدتي" الطويل في قيادة "الجنجاويد"، وهي الميليشيات المسؤولة عن الدمار وعمليات القتل التي شهدتها دارفور قبل 16 عاما.

وأضاف توبيانا أن "حميدتي" يعتبر وريث حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير الممتد ثلاثين عاما، وأن البشير "يجسد إنتاجا لتحالف بين الجيش والإخوان المسلمين،" حيث قام بضم هذا التحالف غير المعتاد في المنطقة خلال القتال ضد جنوب السودان، واندلاع الحرب في دارفور عام 2003 ساهم في إقناع البشير بارتباط فوزه بتحويل الشباب إلى ميليشيات.

ولكن مع إنشاء قوات الجنجاويد ومنحها سلطة مطلقة بقيادة "حميدتي" فإن النظام السوداني "خلق وحشا خارجا عن سيطرته يمثل تهديدا أمنيا لا يقتصر على السودان بل يمتد لجيرانه"، وفق توبيانا.

وذكر توبيانا أن علاقة أهالي دارفور كانت مألوفة بكل من "حميدتي" وعبد الفتاح البرهان، العقيد في جهاز الاستخبارات العسكرية آنذاك، والذي نسق هجمات عسكرية مع الميليشيات استهدفت مدنيين غرب دارفور من 2003 وحتى 2005.

في ذلك الوقت كان "حميدتي" معروفا بسلطته، إلى أن تسلم لاحقا قيادة الجنجاويد في الحرب التي أودت بحياة مئات الألوف من المدنيين وهجرت نحو مليوني شخص، ما أدى لإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق البشير عام 2008.

​​

"وحش" بابتسامة طفل

يصف توبيانا لقاءه مع "حميدتي" عام 2009 قائلا: "كان رجلا طويلا تلوح على وجهه ابتسامة طفولية شقية،" مضيفاً أن سبب تلك الابتسامة كان استلام القائد العسكري أول منصب حكومي له "من خلال الرشوات والتهديد بالثورة".

نشأ "حميدتي" في قبيلة تشادية عربية هربت من الحروب والجفاف في تشاد لتلجأ إلى دارفور في الثمانينيات، وقال "حميدتي" لتوبيانا إن عمه، جمعة دقلو، قاد هجمات قبيلته النازحة على أراضي من استضافوهم في التسعينيات.

وبرر "حميدتي" بحديثه مع توبيانا السبب وراء قيادته لقوات "جنجاويد" المدعومة من الحكومة السودانية في 2003، قائلا إن المعارضين اعتدوا على قافلة لتجار إبل من معارفه خلال توجهها إلى ليبيا، في هجوم تحدث فيه عن مقتل 75 رجلا وسرقة ثلاثة آلاف جمل.

وفي 2006، مسلحا بمعدات جديدة، قاد "حميدتي" مئات الرجال في غارة لمناطق التي سيطرت عليها المعارضة شمال دارفور، "وفيها دهسوا المدنيين واغتصبوا النساء باسم الجهاد".

وفي الوقت الذي كانت فيه كل من تشاد والسودان في حرب ضد الجماعات المعارضة، لجأت الحكومة التشادية لاستخدام مسؤوليها العرب لدفع قوات الجنجاويد لخيانة الخرطوم. فوقع "حميدتي" اتفاقا سلميا مع حركة العدل والمساواة المعارضة في دارفور وأعلن معارضته للنظام السوداني.

لكن ذلك استمر ستة أشهر فقط، ليعود لموالاته للنظام السوداني في وقت انقلب فيه قادة الجنجاويد ضد الحكومة وأجهزة استخباراتها.

واختير "حميدتي" بعدها لقيادة "قوات الدعم السريع"، وهي قوات شبه عسكرية، كمحاولة لاستعادة السيطرة على الجنجاويد، لكن تلك الخطة لم تنجح، بل أن "قوات الدعم السريع" خرجت عن السيطرة لترتكب عمليات سرقة وقتل واغتصاب في دارفور بالإضافة إلى ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وفقا لما ذكره توبيانا.

"تهديد للآمال الديمقراطية"

في عام 2013 ساهمت "قوات الدعم السريع" في قمع المعارضة وقتل ما لا يقل عن 200 مدني.

وعندما بدأت أوروبا بالتعاون مع السودان للحد من أعداد المهاجرين إليها عام 2016، استلمت "قوات الدعم السريع" دور "الأنسب للمهمة" لتساهم في إيقافهم.

لكن هذه القوات اعترضت المهاجرين القادمين من السودان ومناطق أخرى من القرن الإفريقي، لتضعهم في سياراتها وتبيعهم لتجار البشر في ليبيا، حيث تعرضوا للتعذيب وأجبروا على دفع الأموال، وفق توبيانا. 

وعبر التلفزيون السوداني، ادعى "حميدتي" إنجازه للأمور بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي، بل وهدد بفتح الحدود إن لم يحصل على مكافأة "لجهده الشاق"، على حد تعبيره.

وعندما انضمت القوات السودانية في التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن، لعبت "قوات الدعم السريع" "دورا محوريا" إلى جانب الجيش السوداني، تحت إشراف البرهان، رئيس أركان عمليات القوات البرية حينها.

وعقد كل من البرهان و"حميدتي" اجتماعات مع مسؤولين إماراتيين وسعوديين لمناقشة المرحلة التالية للبشير، وفقا لما ذكره توبيانا.

وأضاف توبيانا أن هذه الاجتماعات هدفت لاستعراض مؤهلاتهما لقيادة السودان، كونهما قائدين عربيين بخبرة عسكرية وبعيدين عن الإسلاميين المقربين من قطر وإيران وجماعة الإخوان المسلمين.

وبعد تنحية عمر البشير من رئاسة السودان، تنحى أحمد عوض بن عوف، أول رئيس للمجلس العسكري الانتقالي، بعد 24 ساعة من استلامه المنصب لخلافات مع "حميدتي" الذي فضل قدوم البرهان.

وأشار توبيانا إلى أن "حميدتي"، وخلال مؤتمر صحفي في 30 ابريل/نيسان "أوضح معدنه تماما،" بطريقة انتقاده للمتظاهرين الذين وصفهم بـ"مدمني المخدرات" وأنه أسكت من كانوا يستهزؤون به ليعتبروه الآن "تهديداً لآمالهم الديمقراطية".

وبالفعل، نشر "حميدتي" قواته في الخرطوم ودارفور بمواقع استراتيجية لمواجهة المتظاهرين أو الجيش أو أي جهة أخرى، بينما يتلقى الدعم من السياسيين ذاتهم الذين دعوا لإنشاء الجنجاويد قبل 16 عاما، وإن تمكنوا من الوصول للسلطة فإنهم "سيسرقون الثورة من الشعب،" بحسب أحد المتظاهرين، ما قد يؤدي لانتقال السودان "من نظام عسكري إلى ميليشي، واستبدال التشدد الإسلامي بالاستعلاء العربي،" وفقاً لفورن بوليسي.

​​​

واستبعد توبيانا تبدل الأحوال، قائلا: "بما أن نظام البشير فشل تكرارا في مواكبة الالتزامات الدولية لنزع السلاح من قوات الجنجاويد، يبدو هذا الخيار مستبعدا أكثر الآن".

وتابع "حتى وإن حاول نظام مدني جديد في السودان نزع السلاح من الجنجاويد، فإن الأمر سيؤول لمواجهات مسلحة عبر حدود السودان، وفي دول نشطت فيها القوات من ضمنها تشاد وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى."

وختم توبيانا مقاله بقوله: "قوة الجنجاويد توازي القوات العسكرية السودانية وجيوشا أخرى في المنطقة، واعتراضها قد يودي لإسالة الدماء.. إطاحة الوحش قد تتطلب أكثر من احتجاجات سلمية".

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.