شعار هواوي في مؤتمر يعقد ببلجيكا
شعار هواوي في مؤتمر يعقد ببلجيكا

المصدر: البوابة العربية للأخبار التقنية 

 

أثار قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عقوبات على شركة هواوي الصينية ضجة كبيرة، ليس لدى أوساط المهتمين بمتابعة عالم الأعمال فحسب، بل هذه المرة وصلت الضجة إلى شريحة كبيرة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين قاموا بنقاش وتحليل هذه الخطوة خاصة أن العقوبات تطال بين من تطال- هواتف هواوي العاملة بنظام أندرويد من غوغل، التي أعلنت أنها ستضطر إلى إيقاف تعاونها مع الشركة الصينية تنفيذا للقانون الأميركي.

يناقش هذا المقال الموضوع بأسلوب أسئلة وأجوبة محاولين تغطية كل النقاط التي يحتاج القارئ معرفتها حول القضية.

 

تخيل أن إشارات المرور تُعدّل عملها تلقائيًا وفقًا لتحليلها الفوري لحركة السير، ثم تواصلها مع إشارات المرور الأخرى، أو تخيّل أن السيارات ذاتية القيادة ستُصبح قادرة على التواصل مع بعضها البعض لتحسين حركة المرور وتجنب الحوادث. الآن تخيّل دولة مثل الصين وقد امتلكت وصولًا دقيقًا، بالوقت الحقيقي لحركة السيارات في مدينة غربية، مع إمكانية مُراقبة ومُتابعة سيارة بعينها ومعرفة صاحبها وتحركاته. سيناريو مُرعب، أليس كذلك؟

 

​​​ما أهمية هواوي؟

 

يعرف مُستخدمو الهواتف الذكية هواوي كواحدة من أكبر شركات تصنيع الهواتف المحمولة في العالم، لكنها كذلك من أكبر مُصنّعي تجهيزات الاتصالات وأبرز مطوّري تجهيزات الجيل الخامس إلى جانب نوكيا الفنلندية وإريكسون السويدية.

 

توظف الشركة حوالي 80 ألف موظف في قسم البحث والتطوير لوحده، وتمتلك عددا ضخما من براءات الاختراع معظمها في مجال الاتصالات.

تصل تجهيزاتها إلى ثلث سكان العالم، أي يوجد احتمال كبير أن اتصالك بالإنترنت حاليا، أو جميع اتصالاتك الهاتفية تمر عبر أحد تجهيزات هواوي في برج اتصال ما أو مزوّد لخدمة الإنترنت.

 

 

هل الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تخشى من قيام الصين باستخدام هواوي كوسيلة للتجسس؟

 

لا! إضافةً إلى الولايات المتحدة، منعت أستراليا شركاتها من التعاون مع هواوي منعًا باتا. في حين منعت كل من نيوزيلندا واليابان وبريطانيا منعا جزئيا (منع استخدام تجهيزات هواوي ضمن شبكات اتصال مُعينة تتضمن معلومات حساسة عن المُستخدمين أو تتيح التنصت على الاتصالات).

 

 

هل المنع جاء لأسباب تجارية (الخوف من المُنافسة) وتم استخدام التجسس كحجّة؟

 

لا! التجسس خطر حقيقي (كما سنُفصل لاحقًا). من السذاجة الاعتقاد أن بعض أكبر اقتصادات العالم كالولايات المتحدة وبريطانيا واليابان ستتآمر على شركة واحدة فقط كي تُبعد هواوي عن المُنافسة. الدول المذكورة لا تمتلك أصلًا شركات يُمكن اعتبارها مُنافسة لهواوي من حيث تخصصها الأهم (البنية التحتية لشبكات الاتصال).

في الحقيقة، لو كان الهدف هو إخراج هواوي من المنافسة كان يمكن للولايات المتحدة أن تضرب هواوي ضربة قاتلة بمعنى الكلمة.

رغم التطور الكبير الذي حققته هواوي إلا أنها مثل غيرها من الشركات الصينية ما زالت تعتمد بشكل كبير على التقنيات الغربية.

في 2017 أصدر ترامب قرارا بمنع الشركات الأميركية من التعامل مع شركة ZTE الصينية بسبب التفافها على العقوبات المفروضة على إيران. ولأن ZTE تعتمد على شرائح شركة كوالكوم الأميركية في 70% من هواتفها، توقف إنتاج الشركة وخسرت مليار دولار خلال أيام، وكادت تُعلن إفلاسها لولا التماس الرئيس الصيني لدى ترامب ووعد الشركة عدم اللجوء للاحتيال مرة أخرى.

طبعا هواوي أكبر بكثير من ZTE لكن هذا المثال يُظهر أن الشركات الصينية بحاجة كبيرة إلى التكنولوجيا الغربية، ولو كان الموضوع هو الخوف من المنافسة لاتخذت الولايات المتحدة أساليب أقسى.

 

 

هل المخاوف من استخدام الصين لهواوي كوسيلة للتجسس هي مخاوف حقيقية؟

 

نعم! تمتلك الصين تاريخا طويلا من التجسس الإلكتروني وسرقة المعلومات، فقد تم اتهامها باختراق مؤسسات حكومية أميركية ودولية. وقد تم تصنيفها مؤخرا من قبل عدد من مؤسسات الأمن الرقمي بأنها باتت أخطر من روسيا في مجال الهجمات الإلكترونية التي ترعاها الحكومات state-sponsored attacks.

تسرق الصين وبشكل مُنظم براءات الاختراع. لا تنكر الصين ذلك، فقد عقدت في 2015 اتفاقية مع الولايات المتحدة تتعهد فيها بوقف رعاية سرقة براءات الاختراع وهو اعتراف ضمني بأفعالها.

وينبغي علينا ألا نتجاهل كون الصين دولة دكتاتورية، دولة حكم الحزب الواحد والفرد الواحد، والشركات هناك مُجبرة على تنفيذ أوامر المُخابرات الصينية.

 

 

لكن ألا تقوم الولايات المتحدة بالتجسس أيضا؟

 

لعله من أكثر الأسئلة تكرارا. الإجابة بكل بساطة هي نعم، لكن هناك فارق:

– فبحسب المعلومات المتوفرة لدينا من تسريبات إدوارد سنودن والتي تضمنت قائمة الكلمات المفتاحية التي طلبت NSA (وكالة الأمن القومي الأميركية) من الشركات فلترتها، فإن التجسس تضمن مراقبة كلمات تتعلق بالإرهاب مثل (قنبلة بريدية Mail Bomb، حماية الشخصيات الهامة VIP Protection، حرب المعلومات Information Warfare … إلخ).

لا يبدو بحسب تسريبات سنودن أن الولايات المتحدة استخدمت الشركات الأميركية لأهداف تتعلق بافتعال اضطرابات عالمية في دول أخرى، أو سرقة براءات اختراع من دول أخرى، أو التجسس على رجال أعمال وصفقات اقتصادية، وهي جميعها أشياء تفعلها الصين، وستفعلها بشكل أقوى لو أُتيح لها.

– الصحافة الحرّة: في الولايات المتحدة صحافة حرّة، تسريبات سنودن نشرتها صحف أميركية. نشر التسريبات أدى إلى اتخاذ الشركات احتياطات قوية كتشفير جميع المحادثات الفورية بتقنية End-to-end-encryption حيث أن الشركة نفسها (غوغل، آبل، أو فيسبوك مثلا) لا تستطيع الاطلاع على محتوى المحادثة ولا تمتلكه وبالتالي فهي لا تستطيع تقديم المعلومات للمخابرات الأميركية لو تم طلب ذلك منها.

أعرف أن الكثير من غير المتخصصين تقنيا يستهزئون بهذا الكلام لعدم معرفتهم التقنية ولا يقتنعون به، لكنه حقيقي.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لن تستمر بالتجسس الإلكتروني. لكن معلوماتي ومعلوماتك هي أكثر أمنا في غوغل أو آبل منها في شركة صينية، حيث لا حدود ولا مساءلة ولا محاسبة ولا صحافة.

 

 

هل يعني هذا القرار أن الولايات المتحدة ضربت السوق الحرة وقوانين التجارة والمنافسة العالمية عرض الحائط؟

 

عندما نتحدث عن الصين، يبدو أن الكيل قد طفح بالنسبة للديمقراطيات الغربية، إذ أن الصين تضرب بالكثير من اتفاقيات التجارة العالمية (الموقّعة عليها) عرض الحائط.

لا تتقيد الصين نفسها باتفاقيات وأخلاقيات التجارة الحرة إذ تقوم بشكل مستمر برفع دعاوى قضائية ضد الشركات الأجنبية العاملة في الصين، هذه الدعاوى تكون بحجة الاحتكار لكن هدفها الحقيقي هو إجبار الشركات على الكشف عن جزء من تقنياتها التي تُعتبر من أسرار المهنة كي تستفيد الصين بدورها من هذه التقنيات.

كما أنها لا تُعطي الشركات الغربية نفس مساحة الاستثمار التي تمنحها للشركات المحلية، في مخالفة لاتفاقيات منظمة التجارية العالمية، في حين فتحت الشركات الغربية أبوابها للاستثمارات الصينية منذ 2001 (تاريخ انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية)، ولم يتم وضع الاستثمارات الصينية في الغرب موضع التساؤل والتدقيق إلا مؤخرًا.

 

 

 

هل ثبت بالفعل أن هواوي تتجسس عبر تجهيزات الاتصال الخاصة بها؟

 

وفق تقارير عديدة فقد ثبت وجود العديد من الثغرات والبوابات الخلفية في بعض تجهيزات هواوي، لكن لم يثبت أن الشركة (أو الحكومة الصينية) قد استغلت هذه الثغرات لأهداف تجسسية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة بلومبيرغ الشهر الماضي فقد صرّحت فودافون البريطانية بأنها عثرت على بوابات خلفية في بعض تجهيزات الاتصال التي تستخدمها من شركة هواوي وذلك بين العامين 2009 و 2011 إلا أن الشركة لم تُعلن عن الأمر في ذلك الحين، واكتفت بإصلاح الثغرات، وذكرت أن استبدال الأجهزة المُصابة سيكون عملية مُكلفة.

وبحسب مؤسسات أمنية بريطانية بعضها مكلف من قِبَل الحكومة أو شركات الاتصالات بفحص تجهيزات هواوي بشكل دوري (منذ 2005) فإن منتجات هواوي مليئة بالثغرات البرمجية التي يمكن تطويعها من قبل القراصنة وتحويلها إلى بوابات خلفية، إذ يمكن لهذه الثغرات أن تبدو كالثغرات العادية التي لا تخلو منها البرمجيات عادة، والتي يمكن للقراصنة العثور عليها (بالصدفة) واستغلالها بشكل لا يجعلها تبدو وكأنها مزروعة عمدا.

هواوي نفسها اعترفت بالثغرات الموجودة في أجهزتها ووعدت باستثمار ملياري دولار لتحسين وتطوير برمجياتها من الناحية الأمنية.

إحدى هيئات الاستخبارات الإلكترونية البريطانية قالت إنه تم العثور على 70 نسخة من أربع إصدارات مختلفة من بروتوكول Openssl للاتصالات ضمن أحد تجهيزات هواوي.

هذا البروتوكول يُعتبر قياسيًا في عالم الاتصالات وهو آمن إلى حد بعدين لكن دائمًا ما يتم العثور على ثغرات فيه وتحديثه بشكل مُستمر، ومن المُثير أن يوجد في بعض أجهزة هواوي نسخا مختلفة منه بعضها قديم.

لا أحد يعرف إن كان كل هذا بسبب الإهمال البرمجي والاستعجال في بيع الأجهزة أم أنه مزروع عمدًا، لكنه أمر مُثير للشك بشكل كبير.

 

 

لماذا يُعتبر الجيل الخامس من الاتصالات هو المُحرّك الرئيسي للخوف الغربي من هواوي؟

 

يُقدم الجيل الخامس تطويرًا كبيرًا في مجال الاتصالات لا يقتصر فقط على السرعات العالية للاتصال بالإنترنت التي يُقدمها، بل هو مُصمم خصيصًا لأجهزة إنترنت الأشياء.

سيتم اعتماد الجيل الخامس لبناء المُدن الذكية حيث يكون كُل شيء مُتصلا بالإنترنت بدءًا من السيارات وإشارات المرور وانتهاءً بكاميرات المُراقبة.

كما يُمكّن الجيل الخامس الأجهزة من التواصل بعضها مع بعض بشكل مُباشر (تخيّل إشارات مرور تُعدّل عملها تلقائيًا وفقًا لتحليلها الفوري لحركة السير عبر مجموعة من الحساسات المزودة بها، ثم تواصلها مع إشارات المرور الأخرى للحصول على معلومات إضافية، أو تخيّل أن السيارات ذاتية القيادة ستُصبح قادرة على التواصل مع بعضها البعض لتحسين حركة المرور وتجنب الحوادث).

هذا فقط مثال واحد على تطبيقات الجيل الخامس، الآن تخيّل دولة مثل الصين وقد امتلكت وصولًا دقيقًا، بالوقت الحقيقي لحركة السيارات في مدينة غربية، مع إمكانية مُراقبة ومُتابعة سيارة بعينها ومعرفة صاحبها وتحركاته. سيناريو مُرعب، أليس كذلك؟

فكرة الجيل الخامس أنه يُخرج الإنترنت من مركزيتها، إذ لم تعد الإنترنت موجودة في سيرفرات مُعينة يُخشى من اختراقها، بل باتت موجودة في كل مكان حولنا وفي جميع الأشياء بدءًا من السيارة وانتهاءً بفرن المايكرويف. لهذا السبب تُريد الولايات المتحدة أيضًا حث حلفائها على عدم استخدام هواوي في تجهيزات الجيل الخامس.

 

 

دعنا من الجيل الخامس، ما هو مصير هواوي بعد أندرويد؟

 

غوغل، كغيرها من الشركات الأميركية، ليس بوسعها مخالفة القانون الأميركي وبالتالي فقد اضطّرت للإعلان عن وقف منح ترخيص استخدام أندرويد في هواتفها الجديدة، لكن هنا ينبغي أن نوضح بعض الأمور:

– أندرويد هو نظام مفتوح المصدر وبالتالي يحق لهواوي الاستمرار باستخدامه بغض النظر عن العقوبات.

– ما لا يحق لهواوي استخدامه هو خدمات غوغل. هذا يعني أنها لا تستطيع تزويد هواتفها المُستقبلية بمتجر تطبيقات غوغل، ولا بأي من تطبيقات غوغل مثل يوتيوب أو الخرائط.

الأسوأ من ذلك: الكثير من تطبيقات أندرويد غير التابعة لغوغل، تستخدم وراء الكواليس خدمات تُقدمها غوغل كخدمة تحديد الموقع مثلًا، أو خدمة إرسال الإشعارات عبر مُخدّمات غوغل، هذا يعني أن الكثير من التطبيقات لن تعمل على هاتف هواوي بنسخة أندرويد مفتوحة المصدر الخالية من خدمات غوغل.

– هواوي تطوّر منذ سنوات نظام تشغيل خاص بها لكننا لا نعرف شيئًا عنه بعد. قد يكون نظامها مبنيًا على النسخة مفتوحة المصدر من أندرويد وقد لا يكون. كما تمتلك هواوي بالفعل متجر تطبيقات خاصا بها. لكن من المُستبعد جدًا أن تحقق هواتف هواوي أي نجاح خارج إطار غوغل. في النهاية هناك شركات عملاقة خسرت المُنافسة وخرجت من سوق الهواتف الذكية، من أبرزها مايكروسوفت. حتى بلاك بيري التي كانت لها صولات وجولات استسلمت وانتقلت إلى أندرويد في النهاية.

نظام التشغيل هو ليس كل شيء، فحتى لو طورت هواوي أفضل نظام تشغيل في العالم، إلا أن الأهم هو الخدمات المُحيطة بنظام التشغيل. لن تنجح هواوي بما فشلت فيه مايكروسوفت بجلالة قدرها. هذا مؤكد!

المشكلة الثانية هي أن الموضوع لا يتعلق بنظام التشغيل وحده، حيث تعتمد شركة هواوي على العديد من القطع الأخرى في تصنيع هواتفها والتي تشتريها من شركات أميركية. من هذه القطع وحدات الذاكرة وشرائح اتصال 3G و LTE وبعض أجزاء الكاميرا وغير ذلك. وبعد أن أعلنت شركة ARM وقف تعاملها مع هواوي، فإن الشركة مُهددة جديًا بأن تتوقف عن إنتاج الهواتف ما لم تجد بدائل، وهو بالأمر الصعب وعالي التكاليف.

 

 

هل يجب أن أُلقي هاتفي الهواوي في القمامة؟

 

انتظر لا تتسرع! الحكومة الأميركية أصدرت قرارًا يُتيح استمرار الشركات الأميركية التعامل مع هواوي لمدة ثلاثة أشهر، ستتمكن خلالها من استخدام هاتفك بشكل طبيعي بما في ذلك استقبال التحديثات. من المُحتمل أيضًا أن يتم التوصل إلى اتفاق خلال هذه الفترة يؤدي إلى عودة الأمور لنصابها.

في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق، ستتمكن من الاستمرار باستخدام هاتفك الحالي بشكل طبيعي لكن سيتوقف وصول تحديثات أندرويد الجديدة إليك. أما إن كنت تُفكر بشراء هاتف جديد هذه الفترة فبكل تأكيد لا تشتر هواوي!

 

 

هل يشمل القرار الشركات الصينية الأخرى مثل شاومي أو لينوفو؟

 

ليس حاليًا لكن الباب مفتوح! الرئيس ترامب أصدر قرارين، الأول لا يحدد فيه الصين أو هواوي بل يكتفي بذكر المخاطر على الأمن القومي الأميركي مما وصفها بالاعتداءات الخارجية ومحاولات التجسس على الولايات المتحدة من خلال زرع واستغلال الثغرات في أجهزة التكنولوجيا الرقمية. ثم بعد ذلك قام بتحديد هواوي بالاسم في قرار لاحق.

هذا يعني أن الاحتمالات تظل مفتوحة لإضافة شركات أخرى إلى القائمة السوداء.

 

 

ما مصير الشركات الأميركية التي تصنع أجهزتها في الصين؟

 

لا يوجد ما يمنعها من الاستمرار بعملها، وأرى من المُستبعد أن تقوم الصين بالرد على قرار ترامب بقرار آخر يمنع الشركات الصينية من التعامل مع الشركات الأميركية. الحكومة الصينية تُدرك أن شركاتها بحاجة ماسّة إلى التكنولوجيا الأميركية. والصين في الواقع تتجه إلى التهدئة ومحاولة حل الأمر وليس تصعيده لأن التصعيد ليس في صالحها.

 

 

لماذا لا تلجأ الدول الغربية ببساطة إلى الشركات المُنافسة لهواوي مثل نوكيا وإريكسون لتشغيل شبكات الجيل الخامس بدون كل هذه الضجة؟

 

شركات الاتصال الغربية بحاجة لشركة هواوي. رئيس شركة فودافون حذر من أن منع هواوي سيؤدي إلى تأخير تبني تقنية الجيل الخامس لمدة عام على الأقل، وبتكلفة أعلى بكثير. الفكرة هي أن هواوي تُنافس الشركات الغربية من حيث القدرة والإمكانيات بمجال تجهيزات الجيل الخامس، ويمكنها تنفيذ المشاريع الضخمة بمهارة وتكلفة أقل.

ببساطة عدد الشركات القادرة على تركيب شبكات الجيل الخامس قليل نسبيًا، أي أن الطلب أكثر من العرض أساسًا حتى مع وجود هواوي.

شركات الاتصال العالمية تُريد تركيب وتشغيل شبكات الجيل الخامس قبل مُنافسيها كي تكون رائدة في هذا السوق، وهي لا تحتمل أية تأخير.

 

 

هل من المتوقع أن تقوم أوروبا بمنع هواوي أيضًا؟

 

ليس منعًا كاملًا، بل قامت بعض الدول الأوروبية فعلًا بمنع تركيب تجهيزات هواوي ضمن الشبكات ذات الحساسية الأمنية. الولايات المتحدة كانت قد هددت ألمانيا بوقف التعاون الاستخباري معها في حال منحت هواوي عقودًا لتشغيل شبكة الجيل الخامس. بعض الدول قد تتجاوب مع الولايات المتحدة بشكل كامل أو جزئي. لكن هذا سيقتصر على تجهيزات الاتصالات فقط ولن يشمل منع بيع الهواتف. لكن لا توجد حتى الآن قرارات أوروبية واضحة أو نهائية بهذا الصدد.

 

 

هل ستنتهز أوروبا الفرصة وتمنع هواوي بهدف دعم شركاتها المحلية؟

 

هذا مُستبعد جدًا. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الإيكونومست فإن أوروبا تحقق أرباحًا كبيرة من تجارتها في السوق الصينية، وإن ازدهار شركات الاتصال الأوروبية لن يُعوّض ما قد تخسره أوروبا لو قررت الصين الرد بحرب تجارية معها.

ناهيك عن أن استبعاد هواوي سيؤخر طرح الجيل الخامس في أوروبا المُتخلفة أصلًا بما يُقدّر بحوالي 3 إلى 4 سنوات عن الولايات المتحدة في انتشار الجيل الرابع! كما وصفت الصحيفة بأن المنع الكامل لهواوي في أوروبا سيكون كارثيًا لأن حوالي 200 مُشغّل للجيل الرابع في القارة يعتمدون تجهيزات هواوي، ومنع الشركة يعني إيقاف صيانة وتحديث هذه التجهيزات.

 

 

هل من فرصة للحل؟

 

الأمل موجود للعثور على حل. هواوي من جهتها قالت إنها مُستعدة لتقديم كل تعاون ممكن مع الحكومة الأميركية لحل المسألة.

ولا يبدو أن الولايات المتحدة تهدف إلى تدمير هواوي بقدر ما تريد ضمان أمنها القومي، والدليل تراجعها سابقًا عن عقوبات شركة ZTE بعد أن تعهدت بالتعاون.

لو تمكنت الولايات المتحدة من الحصول على ضمانات من حلفائها الأوروبيين بعدم استخدام تجهيزات هواوي في الشبكات ذات الحساسية الأمنية، واكتفت بمنع شركات الاتصال الأميركية من استخدام تجهيزات هواوي للجيل الخامس، يمكن أن ترفع الحظر الكامل وتعود الأمور إلى مجاريها بالنسبة لاستثمارات هواوي في مجال الهواتف الذكية.

أما في حال لم يتم التوصل إلى حل، فقد لا ترى هاتفًا جديدًا من هواوي، على الأقل خارج السوق الصينية.

لكن هذا لا يكفي، لا بد أن تقوم الحكومة الصينية أيضًا بتقديم تعهدات ووعود بالكف عن استخدام شركاتها كأداة للتجسس وأن تتوقف عن التصرف كدولة مارقة.

عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر
عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر

أثارت هزيمة قوات حفتر التي تدعمها روسيا في قاعدة الوطية الجوية وفي مناطق أخرى غربي ليبيا، على يد قوات حكومة الوفاق التي تدعمها تركيا، تساؤلات عن سر التفوق التركي على الروس، مع إشارات إلى أن الطائرات المسيرة التركية هي التي لعبت الدور الحاسم في المعركة.

وأعلنت حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، الاثنين، سيطرتها على قاعدة الوطية الواقعة على بعد 140 كلم جنوب غرب طرابلس، بعدما كانت خاضعة لسيطرة القوات الموالية لخليفة حفتر.

وقال هاميش كينير، المحلل في معهد "فيريسك مابلكروفت" للأبحاث لفرانس برس، إن سيطرة قوات حكومة فايز السراج على هذه القاعدة تمثّل "ضربة جديدة" لقوات حفتر بعد خسارتها مدينتي صرمان وصبراتة الاستراتيجيتين غرب طرابلس إلى جانب أربع مدن أخرى قبل أسابيع قليلة.

وكان إعلان استعادة القاعدة متوقعا، خصوصا مع ضربات كثيفة شنتها طائرات من دون طيار تركية داعمة لقوات الوفاق منذ الشهر الماضي وطيلة الأيام الماضية، استهدفت بشكل يومي خطوط الإمداد ومخازن السلاح داخل القاعدة.

ونشرت قوات حكومة طرابلس مقطع فيديو يظهر تعرض أحد المخازن داخل القاعدة لقصف جوي، وقالت إن داخلها منظومة دفاع جوي، قبل إعادة نشره الاثنين وظهور إحدى منظومات الدفاع الجوي الروسية بانتسير محترقة جزئيا.

التدخل التركي في ليبيا غير سرد ما يجري فيها، بحسب الخبير في الشأن الليبي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، طارق مقريزي، الذي قال إن الوضع انقلب "من تشديد حفتر الخناق على طرابلس، إلى فوضى عمليته باتجاه الغرب". وأوضح أن "اللعبة انتهت بشكل أساسي" للعسكري المتقاعد الذي يسعى إلى إطاحة حكومة السراج. 

ومنذ تدخل أنقرة في يناير، لم يتم صد حفتر وما يسمى "الجيش الوطني الليبي" التابع له من أبواب طرابلس فحسب، بل فقد أيضا عدة مدن سيطر عليها خلال مسيرته نحو العاصمة التي أطلقها في أبريل 2019.

عناصر في القوات التابعة لحكومة الوفاق في قاعدة الوطية الجوية التي استعادوها من قوات حفتر

انتكاسات حفتر في الغرب شجعت أعداءه وهزت قبضته على معقله في الشرق، وفق مقريزي، الذي رأى أن "ما كان حفتر يديره بشكل أساسي هو عملية احتيال"، مضيفا أنه "طالما استمر في التقدم وتوسيع سلطته، فإنه كان بخير. لكن الآن بعد تعرضه لانتكاسات، فإن الجميع ينقلب عليه".

وتعد قاعدة الوطية إحدى أكبر القواعد الجوية في ليبيا وتصل مساحتها إلى 50 كيلومترا مربعا، في حين يمكنها استضافة سبعة آلاف عسكري في مرافقها، فضلا عن أنها تعد القاعدة الاستراتيجية الأبرز والوحيدة التي تستخدمها قوات حفتر في شن ضربات جوية ضد مواقع قوات حكومة الوفاق في غرب البلاد.

وبالسيطرة على القاعدة تكون المنطقة والمدن الممتدة من العاصمة طرابلس غربا وصولا إلى معبر راس جدير الحدودي مع تونس، تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني بالكامل.

أما بالنسبة لحفتر، فخسارتها تعني أنه لم تعد له أي سيطرة في غرب البلاد باستثناء مدينة ترهونة التي تمثل مقرا لغرفة عملياته وقاعدته الخلفية الرئيسية حيث تشن قواته هجماتها منها على جنوب العاصمة.

دور تركيا في ليبيا ليس سريا، فهي ترسل الطائرات المسيرة والمدرعات والمرتزقة، بينما تتحدث وسائل الإعلام الرسمية والمقربة من حكومة رجب طيب أردوغان عن النصر هناك.

أما فوزها فيبدو أنه يرجع إلى "وضعها أهدافا محدودة" لعمليتاها، وفق مقال تحليلي لصحيفة جيروسالم بوست. تركيا سعت لمنع حفتر من الوصول إلى طرابلس، بينما تفاخر الأخير لأشهر طويلة بـ"فتح قريب" للعاصمة، وأمهلها قبل أشهر ثلاثة أيام لمغادرة المدينة، لكنها لا تزال هناك، بينما اظطر هو إلى التراجع اليوم.

وبينما حددت أنقرة أهدافها، لم تكن أهداف كل من روسيا والإمارات ومصر التي تدعم حفتر واضحة، بحسب المقال الذي كتبه المحلل الأمني المتخصص في الشرق الأوسط سث فرانزمان، والذي أوضح أن هذه نقطة مهمة لأن "أوجه القصور في سياسة القاهرة وأبو ظبي وموسكو تشبه صراعاتها في اليمن وسيناء وسوريا".

وأردف أن "البلدان الثلاثة لا تجيد حروب الوكالات حتى تفوز فيها، لكنها جيدة في ما يخص إبقاء النزاعات قائمة"، على حد تعبيره. وأشار إلى أن روسيا تعلمت ذلك في أوكرانيا وجورجيا، وأنها وإن أنقذت نظام الأسد من زوال وشيك في 2015، إلا أنها تحب اللعب على طرفي النزاع وبيع تركيا صواريخ إس-400 والاتفاق على سيطرة أنقرة على مناطق في سوريا مثل عفرين وإدلب وتل أبيض.

وتابع الكاتب أن روسيا بدت وكأنها تفوز في كل مكان بين عامي 2015 و2020 نظرا، إلى حد كبير، للتراجع الأميركي عن الساحة الدولية. وأضاف أن "واشنطن عندما تنسحب، روسيا تتدخل وهو ما كان واضحا في شرقي سوريا" حيث أحبطت حملة أميركية ناجحة ضد داعش في أكتوبر 2019 مع انسحاب الولايات المتحدة ما أدى إلى عدوان تركي على حلفائها الأكراد. "هنا روسيا انقضت على اتفاق لوقف إطلاق النار فهي تحب الانقضاض"، وفق الكاتب.

"لكن عندما يتعلق الأمر بتدريب الليبيين على استخدام نظام بانتسير الروسي، فليس واضحا إن قدم الروس المساعدة. لماذا نقل حفتر أنظمة بانتسير إلى قاعدة الوطية وقرب سيرت ليتم استهداف الواحد تلو الآخر بدرونز يبدو أنها تركية؟"، كما تساءل فرانزمان.  

قاذفة صواريخ في قاعدة الوطية الجوية التي استعادتها القوات التابعة لحكومة الوفاق

وتابع "أنظمة الدفاع الجوي يفترض أن تحمي من الطائرات المسيرة وليس أن تكون هي هدفا. لا نعرف سبب فشل الأنظمة الروسية أو كيف بالتحديد وصلت إلى ليبيا. ربما عن طريق الإمارات أو مصر، لكنها دمرت الآن ولا توجد إمدادات غير متناهية منها. توجد إمدادات لا نهاية لها من طائرات بيرقدار المسيرة التي يصنعها صهر الرئيس التركي وترسل إلى ليبيا حتى تتعلم تركيا ما يصلح" وما لا يصلح.  

مقريزي من جانبه أوضح في مقال بعنوان "ليبيا أصبحت الآن شأنا تركيا"، أن حفتر "إن لم يتمكن من استعادة التفوق الجوي، فإن خساراته ستتوالى"، لكنه أشار إلى أن الحرب لم تنته بعد، حتى وإن حصدت حكومة الوفاق مكاسب كبيرة في الشهر الماضي.

مجموعة الأزمات الدولية سبق أن قالت إن اندفاعة تركيا، التي تكمن وراءها مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الخاصة، زادت في تعقيد الأزمة الليبية ذات الأوجه المتعددة أصلا وكشفت أنه كلما قدم اللاعبون الخارجيون العتاد والمقاتلين لحلفائهم الليبيين، طال أمد الصراع وأصبحت حصيلته أكثر تدميرا.

وترى أنقرة أن دعمها لحكومة طرابلس ضروري لمواجهة مجموعة من القوى المعادية العازمة على احتواء نفوذ تركيا الاستراتيجي والاقتصادي في حوض المتوسط وفي الشرق الأوسط عموما. 

وفي الوقت نفسه يرى الداعمون الخارجيون لحفتر في ليبيا ميدانا رئيسيا لمعركة جيوسياسية ولم يترددوا في التصعيد، وفق المنظمة.

 الفكرة هي، كما ختم فرانزمان، أن "ليبيا جزء من صراع حول من سيفوز في الصراع الأكبر على النفوذ في الشرق الأوسط. تركيا وقطر أم إيران أم روسيا أم مصر والسعودية والإمارات؟ هل قلبت تركيا الأحوال في ليبيا؟ الإعلام يصور الوضع على أنه كذلك وهذا كل ما يهم أنقرة، فهي تريد إظهار أن نموذجها ناجح. وهو ما فعلته في سوريا من خلال إحراج الولايات المتحدة ومحاربتها نظام الأسد، وهي تقصف العراق أيضا لإظهار قدرتها على السيطرة على مجاله الجوي. هل يستطيع داعمو حفتر تغيير سرد الأحداث أو على الأقل حثه على البقاء في اللعبة؟ لم يقدروا على حمله إلى الهدف ويبدو أن تركيا نجحت في دعم طرابلس في الوقت الراهن".