جثة مهاجر دفعتها الأمواج بعد غرق مركب قبالة السواحل التونسية، يوليو 2019
جثة مهاجر دفعتها الأمواج بعد غرق مركب قبالة السواحل التونسية، يوليو 2019

تنبعث روائح كريهة في محيط مشرحة أحد مستشفيات محافظة قابس في الجنوب التونسي حيث تكدست عشرات الجثث التي تم انتشالها بعد كوارث غرق في البحر المتوسط، في انتظار دفنها بكرامة.

وبالتوازي مع تعطل عمليات الإنقاذ في الأشهر الأخيرة في البحر المتوسط، شهد البحر سلسلة من حوادث الغرق المميتة منذ مايو. وخلف آخرها أكثر من 80 قتيلا في الأول من يوليو.

ووحدها روايات بعض الناجين من المهاجرين الذين ينطلقون في الغالب من ليبيا المجاورة، تتيح معرفة ملابسات هذه الحوادث.

وفي الأسابيع الأخيرة تم انتشال أكثر من 80 جثة من سواحل ولاية مدنين، جنوب شرقي البلاد، بين مدينتي جرجيس وجربة وعلى بعد بضع عشرات الكيلومترات من ليبيا.

وأرسلت جميع هذه الجثث الى مستشفى  قابس، الولاية المجاورة لولاية مدنين، الوحيد في جنوب تونس المجهز لإجراء تحاليل الحمض النووي الريبي.

وبدأت السلطات التونسية في الآونة الأخيرة بدافع "إنساني" وتحت ضغط المجتمع، إجراء تحاليل الحمض النووي للمهاجرين المجهولي الهوية، بحسب إدارة المستشفى.

وتشكل هذه التحاليل الأمل الوحيد لأقارب المتوفين للعثور على أثرهم في يوم ما.

وفي مشرحة المشفى المبردة الواقعة في قبوه، تتكدس الجثث فوق بعضها وحتى على الأرض، في حين ينشط الكادر الطبي فيها.

ضغط

واستقبل المشفى منذ 6 يوليو 84 جثة في حين أن طاقة المشرحة لا تزيد عن 30 جثة.

ووجد القسم ذاته تحت ضغط كبير، حسب مدير المستشفى، في حين كان بالإمكان مثلا أن تستقبل مستشفيات أخرى في المنطقة جثثا بشكل مؤقت.

ولا يتيح نقص التجهيزات والنقص في الكادر الطبي (طبيبان شرعيان ومساعداهما) التكفل في ظروف جيدة بهذا العدد من الجثث. وتعاني المستشفيات العمومية أصلا من نقص في الاستجابة لحاجات المرضى التونسيين، خصوصا في جنوب البلاد.

وبعد إجراء التشريح الطبي الشرعي، لا يمكن أن تغادر الجثث المشرحة إلا بعد العثور على مقبرة لها وهي مهمة معقدة، حسب والي الجهة منجي ثامر.

ورفض ممثلون محليون للمجتمع المدني دفن هؤلاء المهاجرين الذين قضوا في البحر، في المقابر البلدية بقابس.

وقال الوالي "البعض يخشى أن تكون هذه الجثث حاملة لوباء الكوليرا، وآخرون يرفضون دفن أشخاص مجهولة ديانتهم في مقابر مسلمين"، مضيفا "هناك مشكلة عقلية وإنسانية لدى البعض، تتعين توعية الناس بهذا الشأن".

وفي مقبرة بلدية بوشما الوحيدة بين بلديات الولاية الـ 16 التي قبلت دفن هذه الجثث، تم حفر 16 قبرا بعيدا عن باقي القبور، لكنها ما زالت فارغة حتى الآن.

وقال أحد سكان البلدة قدم لرؤية هذه القبور "يرقد أقاربي هنا ولا أريد أن يدفن أشخاص غير مسلمين إلى جانبهم".

"مشكلة هائلة"

وأمام المشفى وتحت شمس حارقة، تم نقل 14 كيسا أبيض وضعت عليها البيانات بعناية، في شاحنة تستخدم عادة في نقل مواد البناء والفضلات.

وعادت الجثث في النهاية إلى مدينة جرجيس الواقعة على بعد سير ساعتين بالسيارة. وتوجد بهذه المدينة مقبرة مخصصة منذ سنوات لدفن جثث المهاجرين. وامتلأت هذه المقبرة ويجري إعداد أخرى.

ويتولى عمال وموظفون بلديون تطوعا، خارج أوقات عملهم المساعدة في دفن هذه الجثث.

وبعد ثلاث ساعات من الاستعدادات، تم دفن الجثث الـ14 إلى جانب 47 أخرى في هذه المقبرة الجديدة الواقعة إلى جانب مركز إيواء مهاجرين ناجين.

وحتى قبل الانتهاء من تهيئة هذه المقبرة، امتلأ خمس مساحتها.

ووضعت على كل قبر لافتة تحمل رقم ملف الحمض النووي الريبي وتاريخ الدفن.

وقال فوزي الخنيسي المسؤول البلدي في جرجيس "جمعنا في 12 يوليو 45 جثة في يوم واحد، المشكلة باتت هائلة".

وأضاف "لا يمكننا ان نترك جثثا دون دفن".

وازاء انتقادات وسائل إعلام تونسية لاستخدام شاحنات رفع الفضلات، في نقل جثث مهاجرين، وجه المسؤول نداء للمساعدة وقال غاضبا "لا نملك إمكانيات لفعل ما هو أفضل".

وأكد المنجي سليم رئيس فرع الهلال الاحمر بولاية مدنين، من جهته، أن "البلد تواجه صعوبات في التكفل بالمهاجرين الناجين، وأيضا من توفوا".

وأضاف "نحتاج تعبئة دولية (لمواجهة) هذه المشكلة التي لا تهم تونس لوحدها".

تقرير: أ ف ب

 

طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد
طبيب تخدير وإنعاش بمستشفى باريسي يروي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد

يروي طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى باريسي يوميات عمله في معالجة مرضى فيروس كورونا المستجد. في ما يلي مقتطفات مما قاله لفرانس برس، مفضلا عدم ذكر هويته. 

 

الثلاثاء 24 مارس

نتحضر لهذا منذ أسبوعين بدون أن نصدق أنه سيحصل فعلاً. لكننا الآن نصدق حقاً. الفيروس بدأ بالتفشي في كل مكان. 

بدأنا بتحديد المرضى الذين سيموتون، إذ ليس بين أيدينا كثير من العلاجات. 

هذا المرض، لا أحد يعرفه. لا يملك أحد وصفة عجيبة للعلاج.

نمط العمل صعب. بدأنا نتساءل كيف سنصمد، الأطباء والمسعفون سواء. 

 

الأربعاء 25 مارس 

الأيام تزداد صعوبة.

التوتر يتصاعد بشكل ملموس منذ أربعة أو خمسة أيام. بدأنا نقول إن بعض المرضى لا يمكن نقلهم إلى الإنعاش، في حين أنهم كانوا سيخضعون له في الأوضاع الطبيعية...

في الوقت الحالي كثير من الناس في المستشفى. لكن بدأت قوانا تنفد. وطاقم العمل يشعر بالخوف.

الكثير من المرضى في حالة خطرة، ليسوا مسنين جداً، أي أنهم ليسوا في سن يرجح أن يموتوا فيه. 

في عطلة نهاية الأسبوع هذه، اعتقدت أن المستشفى قادر على استيعاب كل شيء. منذ يومين أو ثلاثة، لم أعد أؤمن بذلك. 

 

 الخميس 26 مارس

بتنا أصلاً في السيناريو الأسوأ. نقبل، أو بالأحرى نحن مرغمون على الحديث عن (اختيار مرضى) لنقلهم إلى الإنعاش أو (الفرز).

عادةً ما يكون مرضى كوفيد-19، الذين نستقبلهم في الإنعاش، موصولين أصلاً بجهاز تنفس اصطناعي أو تحت التخدير. نحاول أن نقوم بعملنا بشكل طبيعي قدر الإمكان. 

مساءً، نعيد رسم يومنا بأكمله في رؤوسنا.

تأثرنا بمبادرة التصفيق عند الساعة 20,00 كل مساء ونتلقى الكثير من التشجيع والشكر. لكن أن نقول جهاراً إننا عاملون صحيون ليس أمراً ممكناً.. بعض الناس يخشون حقاً أن ننقل إليهم الفيروس. 

 

الجمعة 27 مارس  

هناك وفيات، وسيموت كثيرون أيضاً في الأيام المقبلة.. لكننا نفضل أن نتذكر أوائل المرضى الذين بدأوا بالمغادرة. 

لم يعد بالإمكان إدخال مرضى إلى العناية المشددة، في حين كانت تلك مسألة لا تحتاج إلى التفكير قبل أسابيع فقط. 

لا معايير لفرز المرضى، لحسن الحظ. الأمر يتم لكل حالة على حدة. نحلل المعطيات ونحاول أن نكون "أخلاقيين" قدر الإمكان.

أمس، علمت بوفاة جولي البالغة من العمر 16 عاماً، وهي الأصغر سناً التي تفارق الحياة جراء كوفيد-19 في فرنسا. وفاتها أمر صادم بعمق.

للأسف، هذه الأحداث المأساوية هي أيضاً جزء من عملنا اليومي، في ظل كوفيد-19 أو لا.

المعالجون يتعبون، لكن هؤلاء يعملون في المستشفى العام رغم كل الصعوبات في الأشهر الماضية لأنهم متفانون ومستعدون لتقديم تضحيات شخصية ومهنية. وأكرر : نحن أصلاً داخل سيناريو كارثي. 

 

السبت 28 مارس

المد يواصل الصعود.

نقص الأسرة في الإنعاش بدأ بتغيير ممارساتنا ونظرتنا للطب الحديث بشكل تام. 

مرضى كنا نعدهم بالأمس صغاراً في السن وبدون تاريخ طبي باتوا الآن يعتبرون للبعض متقدمين في العمر ومع كثير من المضاعفات.

نتحدث في بعض الأوقات عن معدل وفيات بنسبة 70 في المئة في الإنعاش وهي نسبة أعلى بكثير مما نشهده في الحالات الطبيعية. 

 

 الأحد 29 مارس 

من الصعب قول ذلك، لكن ليس من السهل حالياً التعلق بالمرضى. جميعهم متشابهون. 

من قبل، حين لا يكون بعض المرضى تحت التنفس الاصطناعي، كنا أحياناً نتسامر معهم. كنا نسمع الأخبار اليومية لعائلات من هم تحت التخدير. كان الأقرباء يحضرون صوراً ويعرضونها في الغرف. 

لم يعد لهذا وجود. جميع المرضى تحت التخدير، نتحدث بإيجاز عبر الهاتف مع الأهل. 

وحدة الإنعاش هي عبارة عن عدة غرف فردية وضجيج نفسه يتكرر باستمرار: صوت جهاز قياس نبضات القلب، صوت أجهزة الإنذار، وأجهزة التنفس.. مع كثير من أجهزة المراقبة: الشاشات، الأنابيب، الأسلاك.

مجبرون على أن نكون مباشرين مع العائلات؛ نقول لهم  إن خطر وفاة المرضى كبير، في حين أننا لا نلجأ في الأوقات العادية لاستخدام مثل هذه التعابير، ونمرر بعض المعلومات من دون تواصل شفوي. هذا غير ممكن عبر الهاتف. 

الأصعب على الأرجح هو أننا عاجزون عن تخيل نهاية هذا النفق. 

 

الثلاثاء 31 مارس

تم وصل بعض المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعي لبضع ساعات في غرف العمليات بسبب نقص الأماكن في وحدة الإنعاش. 

لم نعد نأخذ وقتنا في وصف أو الاستماع لتفاصيل تاريخ المريض الصحي. نلخص الأمر ببعض المعلومات +الضرورية+. يعني ذلك أننا نسأل التالي: الإصابة بكوفيد مؤكدة؟  موصول بأنابيب التنفس؟ والعمر ربما. 

نحاول بعد ذلك ان نجد له مكاناً في وحدة العناية المركزة. نكرر الأمر عينه طوال اليوم..

نحن راغبون أكثر من أي وقت في أن نخرج من هذا الكابوس. 

 

الخميس 2 إبريل

نشعر بأننا بلغنا "وتيرة ثابتة" في العمل. لدينا انطباع أيضاً أننا بدأنا نعتاد على كل هذا. 

في هذه الأيام، نواصل نقل المرضى إلى المقاطعات.

بات من الصعب أكثر وأكثر التعايش مع هذا الوضع. أحياناً نحس كأننا فقدنا إنسانيتنا. ليس طبيعياً بالنسبة لنا أن نعمل  خلف الأبواب المغلقة، مع مرضى مصابين جميعاً بالعلة نفسها، ونطرح بشكل شبه آلي الأسئلة نفسها عشر مرات وعشرين مرة في اليوم، أن نكرر العلاجات نفسها، أن نبلغ العائلات الأخبار نفسها عبر الهاتف..

يشرح خبير في علم النفس أن العديد من المعالجين يعيشون حالة نشاط مفرط مستمرة. وهذا يتيح لهم الاستمرار، لكنه أمر مرهق. 

الجمعة 3 إبريل 

الهدوء بدأ يفرض نفسه. منذ يومين، الاتصالات خفت، الضغط المستمر بحثاً عن أسرّة في وقت ليس فيه أسرّة قد قل أيضاً. لدينا انطباع أننا قادرون على التنفس قليلاً. 

هل فعلاً وصلنا إلى ذروة تفشي الوباء؟ أو أفضل من ذلك، ربما عبرت الذروة؟ لا نعرف لكننا نأمل ذلك حقاً. يمكن أيضاً أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة. 

في نهاية الأمر، سترفع إجراءات العزل. نعرف ذلك. ونخشى ذلك. بالتأكيد سنشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات، لكن نأمل أن يكون الارتفاع بأقل ما يمكن، لأن أقسى ما يمكن أن نتعرض له هو أن نواصل العمل بهذه الوتيرة لأسابيع إضافية.