طوني شامية - مراسل الحرة في باريس

طوني شامية - باريس 

بالطبع.. مهما تقلب الصحفي في مناصب عبر مسيرته المهنية، ومهما علت المناصب التي تبوأها، يبقى عمل المراسل الميداني من أنبل تجارب أي صحفي.

فهو في الموقع المتقدم في زمن السلم كما في الحرب.

هو الجندي الأول في المواقع الإعلامية المتقدمة لأي حدث، ولاسيما في التغطيات الميدانية، كالتي قمت بها عبر سنوات في خدمة السلطة الرابعة.

تنقلت في ميادين الحرب اللبنانية .. في ميادين الاقتتال الداخلي.. في الحروب الإسرائيلية بلبنان... في المواجهات بين التنظيمات اللبنانية والفلسطينية وضد الجيش السوري .. 

غطيت المواجهات الجوية السورية - الإسرائيلية ..

عملت في السودان، في جوبا ودارفور  وغيرها من مناطق النزاع .. في العراق وكانت الخوذة وanti ball رفيقي في الحروب والقصف الجوي والمدفعي والاشتباكات بالأسلحة الرشاشة .. 

حتى في مواجهات الشرطة وأصحاب السترات الصفراء في فرنسا، وبعدما تلقيت رصاصة مطاطية  برأسي، إلا أن العناية الإلهية جعلتها في لحظاتها الأخيرة، أي أنها أطلقت عن بعد وسقطت علي وهي منتهية قوة الدفع، فحمانا الله وجنبنا مصيبة فقدان عين أو فك أو غيره..

 منذ ذلك الحين قررت العودة إلى  ارتداء الخوذة وanti ball، وعادت بي الذاكرة إلى الحروب اللبنانية والحروب الإسرائيلية والمواجهات في جنوب لبنان والعراق والسودان واليونان وجلجلة اللاجئين السوريين ..

لم أر قط خلال التغطيات هذه كمامة أو قفازا، إلا لمسعفين وأطباء كانوا يجلون الإصابات من قتلى وجرحى وأنا مع مصوري في حيرة: أنساعد في تضميد الجراح؟ أم ننقل ونوثق ما يجري بعدستنا  لتكون شاهد الزمان على الحروب وما تسببه من ويلات وخسائر؟

المتقاتلون في الحروب هذه كانوا معلومين، والجبهات كانت معروفة، وخطوط التماس واضحة، ومن يقترب فهو يعرض نفسه للخطر. وكنا نقترب مزودين بالخوذة والـanti ball والكاميرا .. 

اليوم في الحرب على كورونا، العدو المجهول، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام الصعبة.. 

الطرقات فارغة..  الهواء يصفر..

جدران المنازل تعيش قلقا..  الناس يخشون بعضهم بعضا.. وإن صادف وكحَّ أحدهم، فويله من نظرات الآخرين.. تراهم يبتعدون عنه فورا..  كيف لا وقد يكون حاملا لخطر داهم لا لون له ولا دين ولا طائفة؟
كيف لا وهو لم يفرق بين صغير وشاب وكبير في العمر؟
كيف لا وقد ساوى بين الغني والفقير؟

وأنا يجب علي أن أمرر هذه الصورة وأغطي كمراسل حياة تغيرت فجأة، في مدينة كانت لا تنام وهي باريس وضواحيها التي أقفرت..

سلاحي الوحيد هاتفي الخلوي وتطبيقات نقل الصورة الحية وهلع عائلتي وقلقهم علي وقلقي عليهم، وإن لم يقولوا ذلك جهارا، وإنما عيونهم كانت تنقل إلي مشاعرهم هذه.. فهم قلقون عليّ من أن ألتقط هذا الفيروس الخفي، الذي لا يُرى بالعين المجردة..

وأنا قلق عليهم من أن أنقل الفيروس هذا إلى أهلي وعائلتي الذين لم يخرجوا من الحجر الإلزامي لأسابيع..

في الحروب بين العسكر كانت هناك هدنة أو وقف للنار يعطينا فسحة لالتقاط الأنفاس..

نعم، شعرت بتغيير كبير في تغطياتي لحرب كورونا..

فأنا وحيد في الشوارع، التي تنقل إلي همس الجدران وقلقها، متسلحا بسائل معقم، إن وجد. وكمامة وقفاز باتا البديل للخوذة والـanti ball..

إنه زمن محاربة عدو مقلق غير مرئي يدعى Covid 19.. أو كورونا.
 

جلال موانع

جلال موانع - تونس  

في ذلك اليوم، كنت أعمل على إنجاز تقرير وإرساله في وقته المحدد، بالتزامن مع انتظار نبأ مهم، ألا وهو سلامة ابني الوليد وزوجتي في المستشفى.

كنا نرصد آراء التونسيين في شارع الحبيب بورقيبة قبل أن يرن هاتفي ويتم استدعائي إلى المستشفى، وفي رواقه، كنت كمن يطوي تحت قديمة سنوات من المسير، لحظات ثقيلة.. وقفت أمام الطبيب، ولسان قلبي يردد إلى أين؟ قل وخلصني، حياة أو موت؟

وكان رد الطبيب: "البركة فيك ، لازلت شابا و سيمنحك الله البديل "، ولم يخطئ كلامه، بعدها بعامين رزقت بطفل .

تمر الأيام والسنوات، ويطبق نسق العمل الميداني اليومي على ذاكرتي، لتتجزأ وتنصهر بين الناس في كل مكان، من شمال البلاد إلى جنوبها، بين أفراح التونسيين وأتراحهم، بين مآسيهم وغضبهم ومسيراتهم واحتجاجاتهم، بين ثورتهم وخيباتهم، وانتصاراتهم ومعاناتهم.. في البيوت والأكواخ على سفوح الجبال، في صميم الأحياء الشعبية، في البرلمان، في قصر الحكومة بالقصبة ومسيرة لاتزال تدور رحاها إلى حين..
 
فقط ظلت في ذاكرتي صورة واحدة: لحظة سماع صاعقة الخبر، حياة أو موت؟ لا يمكن أن تلتقطها عدسات الكاميرا..

تدور رحى الميدان، وأجدني وراء الكاميرا، أخيط النص وسؤالي على طرف لساني، ويدي ممدودة بالميكروفون أنتظر إجابات: عن ماذا؟ عن نتائج تحليل مخبري، أسجل الأرقام والحالات، سارحا ومتأهبا ومتخيلا ذاك الذي وقف في لحظات يتنظر خبر تحليله المخبري: هل يحمل فيروس كورونا؟

عندما أعلنت وزارة الصحة التونسية تسجيل أول حالة بالفيروس في البلاد، كان خبرا جديدا يومها، ولكن لم أشعر كغيري من الصحفيين بخطر داهم، كان خبرا تأملنا أن ينذر المؤسسات والبلاد والعباد بسبل الحماية والوقاية.

أنهيت عملي يومها، وعدت إلى منزلي دون أي محاذير ذاتية أو ضوابط تلزم خطواتي قبل دخولي منزلي، لألفظ وراء ظهري الأخبار وأستمتع بلحظات مع طفلي. سنة وخمسة أشهر، هو قطعا، لم يشعر مثلي يومها بأي خطر داهم.

كان المؤتمر الصحفي اليومي لوزارة الصحة التونسية كالعداد اليومي الذي أحسب على إيقاعه خطواتي في ميدان خبرت شوارعه وأزقته وأحيائه على امتداد أكثر من عشر سنوات، وحفظت غيبا ردود فعل الناس فيه أمام الكاميرا، من الإيجابية المطلقة إلى المزاجية المضحكة فالعدمية المنهكة، وعلى كل لون وذوق ونبرة صوت..
 
يوما بعد يوم تتزايد الأرقام، العشرات ثم المئات فعدد من الوفيات يرتفع، حظر صحي شامل ومنع تجول وحالة هلع وخوف في البلاد والشوارع والأسواق والأحياء الشعبية ومناطق أعلتنها وزارة الصحة التونسية بؤرا لانتشار الفيروس، وأمام المحلات التجارية والصيدليات والجمعيات الأهلية وقرب الأمنيين والإطار الطبي وشبه الطبي، كل هذا، تلتقه عائلتي الصغيرة بحذر وسؤال: أي ضمان بأن لا أعود بالفيروس تحت نعل حذائي أو على شاشة هاتفي أو على معطفي أو في الهواء الذي أتنفسه، وأنا الذي أقضي يومي بين الوجوه.

تحليل مخبري إجباري  

وبدخول ذروة المرحلة الثالثة، مرحلة انتشار الفيروس أفقيا بين الناس، أصبح انتقال العدوى أقرب للإنسان من حبل الوريد، وبات في حياتي موعدان فاصلان، لبيان رسمي وآخر رسمي جدا، الأول مهني، لنتائج التحاليل المخبرية من وزارة الصحية التونسية صباحا، وتحليل آخر شبه مخبري، عائلي، أستجيب له مساء كل يوم، أمام عتبة منزلي عندما تتوجس زوجتي من دخول عدوى الوباء.

وأخضع لعملية تعقيم كموزع بنكي آلي تنهال عليه أكف الأيادي من كل حدب وصوب. وهنا، تقف الصورة في عين الكاميرا واجمة وجامدة بين جسد وعقل يسلمان بالخوف من إمكانية نقل العدوى، وبين حس يكابر وينخر في العمق ويبرر بأن هذا الخوف نفسه سيفرز كل هورمونات المناعة والتصدي للفيروس.

الخبر المزعج في القصة، أن كورونا أجبرني أن أدخل منزلي مثقلا بهواجس الأخبار، لم أعد قادرا على رميها أمام عتبة المنزل إلى غد مهني جديد كما تعودت، لم أعد أتجرأ على ملاعبة طفلي لسويعة ينتظرها يوميا، تخشى زوجتي وأخشى، وأحسب لرأيها عندما تطلب بخوف وانكفاء: "..قف مسافة خطوة أمام الباب، لست مستعدة لأخسر الثاني ..".