عبدالحميد زيباري – أربيل
عبدالحميد زيباري – أربيل

أتذكر دائما عندما كنت أغادر المنزل أولا، ثم مدينة أربيل باتجاه مدينة الموصل لتغطية المعارك ضد تنظيم داعش، إلى حين اجتياز نقاط التفتيش المتعددة، كنت أشعر بنوع من الأمان حتى الوصول إلى الخطوط الأمامية.

كانت نصائح العائلة وحتى الأصدقاء وزملاء العمل بتجنب المخاطر والابتعاد عن مواقع المعارك والاشتباكات.

ورغم التكتيكات العديدة التي كان يستخدمها أعضاء داعش ومواجهة الموت أكثر مرة وثم التعرض للإصابة في الجانب الأيسر من المدينة بعبوة ناسفة رميت علينا بطائرة مسيرة من تنظيم داعش، والإصابة كانت كبيرة، إلا أنها باعتقادي أهون من العمل في أجواء انتشار فيروس كورونا.

قد يسأل البعض: لماذا؟.. ببساطة كنا نعرف أماكن العدو وكيف نحمي أنفسنا ونستخدم وسائل الحماية. وحتى عندما أصبت شاهدت الجميع التفوا حولي من زملاء المهنة والكوادر الطبية، لحين إيصالي إلى إحدى المستشفيات العسكرية قرب الموصل وبعدها إلى أربيل.

لاحظت وقتها اهتماما كبيرا من الكوادر الطبية، جعلني أنسى وجع وألم إصابتي.

بقيت ثمانية أيام في المستشفى، وجميع أفراد عائلتي والأقرباء والأصدقاء من حولي وهم يأتون كل يوم بباقات الورود ويطمئنون على صحتي.

كان الحال كذلك في المنزل، حتى تماثلت للشفاء التام.

لكن إن أصبت بكورونا فسأكون لوحدي والجميع سيتحاشون الاقتراب مني، وربما سأكون سببا في وضع جميع أفراد عائلتي في الحجر الصحي الإجباري بأحد المشافي وتحت إشراف الأطباء، وقتها لا زيارات ولا باقات ورد!

الآن في حالة كورونا، صحيح أن عائلتي في الحجر الصحي المنزلي الإجباري بعد فرض حظر التجوال منذ منتصف شهر مارس، وهم أصبحوا حبيسي جدران المنزل ولم يغادروه، لكنهم يمارسون حياتهم في المنزل بشكل طبيعي. وفي المقابل كلما أتوجه إلى العمل يقولون لي: نحن لا نخرج لكي لانصاب بالفيروس ولكن نخشى أن تأتي أنت لنا به. 

أحاول إبعاد ابني الصغير عني قدر المستطاع، في وقت كان يأتي ويتمدد في حضني عند الإصابة في تغطية حروب الموصل.

الآن عندما أعود للمنزل يطلبون مني التوجه فورا إلى الحمام لأخلص نفسي من العدو الخفي كورونا، إن وجد، حتى لا ينتشر في المنزل.

أما في المكتب فحدِّث ولا حرج من كثرة الإجراءات الاحترازية، إذ يجب أن تكون أكثر حذرا، ورائحة المعقمات تفوح من كل شيء مع أنه إجراء صحي وفي صالحنا، ولا نعرف إذا لامس أحد زملاء العمل أو اختلط مع أحد حاملي الفيروس، لذلك علينا الحيطة والحذر.

وحتى عندما نذهب لإجراء مقابلة أو لتصوير تقرير، ونتجول في الشوارع الخالية ولا نشاهد إلا قوى الأمن وبعض المارة هنا أو هناك، ننظر إلى بعضنا البعض ونقول: "أي عدو هذا الذي تمكن من إفراغ الشوارع وتحويل المدن إلى مدن أشباح، وجعل من أعدادا هائلة من الناس حبيسة المنازل"، وقتها نشعر بخوف أكبر.

قبل أيام، عندما ذهبت إلى أمام قلعة أربيل الأثرية بوسط المدينة وفي متنزه شار المكتظ سابقا بالمواطنين وزوار المدينة، لتسجيل الفقرة الختامية لأحد تقاريري، شعرت بقشعريرة خوف تنتابني وأنا أضع الكمامة والكفوف، لم أجد أحدا سوى طيور الحمام، وقد غاب عنها المواطنون الذين اعتادت استئناسهم، وشاهدتها وكأنها تشعر بالغربة وسط هذا الصمت المخيم على المدينة.

غابت ضوضاء الناس وضجيج مركباتهم وعربات الباعة المتجولين قرب المتنزه، أو أصوات مطارق الإسكافيين التي تصلح أحذية المارة المتشققة من كثرة التجوال، وقهقهات كبار السن من بائعي السبحة، أو نداءات ذلك اللاجئ السوري بائع شراب "العرق سوس" و"التمر هندي" ومحاولاته إقناع زبائنه بشرائها، أو أحاديث العائلات القادمة من وسط وجنوب البلاد للاستمتاع بجمال قلعة أربيل وسوق القيصرية الشعبي وهم يتلقطون الصور التذكارية.

حاليا.. عندما نتصل بمتحدث نطلب منه باستحياء أن يسمح لنا بزيارته لتسجيل تصريح أو لقاء تلفزيوني معه، نتلعثم في الكلام ونحن نحاول إقناعه بأننا نتبع التعليمات الصحية للوقاية من فيروس كورونا، بغرض منحه الطمأنينة. بعضهم يتعذر ولكن بأسلوب يكشف أنه يتحاشى اللقاء خوفا من الفيروس، فيقول، مثلا، إنه ترك منزله ويقيم حاليا بمنزله الريفي، أو غيره من الأعذار،  من قبيل أن لاجديد لديه، أو أنه غير مهيئ للظهور على الشاشة، حتى يجنب نفسه اللقاء.

جلال موانع

جلال موانع - تونس  

في ذلك اليوم، كنت أعمل على إنجاز تقرير وإرساله في وقته المحدد، بالتزامن مع انتظار نبأ مهم، ألا وهو سلامة ابني الوليد وزوجتي في المستشفى.

كنا نرصد آراء التونسيين في شارع الحبيب بورقيبة قبل أن يرن هاتفي ويتم استدعائي إلى المستشفى، وفي رواقه، كنت كمن يطوي تحت قديمة سنوات من المسير، لحظات ثقيلة.. وقفت أمام الطبيب، ولسان قلبي يردد إلى أين؟ قل وخلصني، حياة أو موت؟

وكان رد الطبيب: "البركة فيك ، لازلت شابا و سيمنحك الله البديل "، ولم يخطئ كلامه، بعدها بعامين رزقت بطفل .

تمر الأيام والسنوات، ويطبق نسق العمل الميداني اليومي على ذاكرتي، لتتجزأ وتنصهر بين الناس في كل مكان، من شمال البلاد إلى جنوبها، بين أفراح التونسيين وأتراحهم، بين مآسيهم وغضبهم ومسيراتهم واحتجاجاتهم، بين ثورتهم وخيباتهم، وانتصاراتهم ومعاناتهم.. في البيوت والأكواخ على سفوح الجبال، في صميم الأحياء الشعبية، في البرلمان، في قصر الحكومة بالقصبة ومسيرة لاتزال تدور رحاها إلى حين..
 
فقط ظلت في ذاكرتي صورة واحدة: لحظة سماع صاعقة الخبر، حياة أو موت؟ لا يمكن أن تلتقطها عدسات الكاميرا..

تدور رحى الميدان، وأجدني وراء الكاميرا، أخيط النص وسؤالي على طرف لساني، ويدي ممدودة بالميكروفون أنتظر إجابات: عن ماذا؟ عن نتائج تحليل مخبري، أسجل الأرقام والحالات، سارحا ومتأهبا ومتخيلا ذاك الذي وقف في لحظات يتنظر خبر تحليله المخبري: هل يحمل فيروس كورونا؟

عندما أعلنت وزارة الصحة التونسية تسجيل أول حالة بالفيروس في البلاد، كان خبرا جديدا يومها، ولكن لم أشعر كغيري من الصحفيين بخطر داهم، كان خبرا تأملنا أن ينذر المؤسسات والبلاد والعباد بسبل الحماية والوقاية.

أنهيت عملي يومها، وعدت إلى منزلي دون أي محاذير ذاتية أو ضوابط تلزم خطواتي قبل دخولي منزلي، لألفظ وراء ظهري الأخبار وأستمتع بلحظات مع طفلي. سنة وخمسة أشهر، هو قطعا، لم يشعر مثلي يومها بأي خطر داهم.

كان المؤتمر الصحفي اليومي لوزارة الصحة التونسية كالعداد اليومي الذي أحسب على إيقاعه خطواتي في ميدان خبرت شوارعه وأزقته وأحيائه على امتداد أكثر من عشر سنوات، وحفظت غيبا ردود فعل الناس فيه أمام الكاميرا، من الإيجابية المطلقة إلى المزاجية المضحكة فالعدمية المنهكة، وعلى كل لون وذوق ونبرة صوت..
 
يوما بعد يوم تتزايد الأرقام، العشرات ثم المئات فعدد من الوفيات يرتفع، حظر صحي شامل ومنع تجول وحالة هلع وخوف في البلاد والشوارع والأسواق والأحياء الشعبية ومناطق أعلتنها وزارة الصحة التونسية بؤرا لانتشار الفيروس، وأمام المحلات التجارية والصيدليات والجمعيات الأهلية وقرب الأمنيين والإطار الطبي وشبه الطبي، كل هذا، تلتقه عائلتي الصغيرة بحذر وسؤال: أي ضمان بأن لا أعود بالفيروس تحت نعل حذائي أو على شاشة هاتفي أو على معطفي أو في الهواء الذي أتنفسه، وأنا الذي أقضي يومي بين الوجوه.

تحليل مخبري إجباري  

وبدخول ذروة المرحلة الثالثة، مرحلة انتشار الفيروس أفقيا بين الناس، أصبح انتقال العدوى أقرب للإنسان من حبل الوريد، وبات في حياتي موعدان فاصلان، لبيان رسمي وآخر رسمي جدا، الأول مهني، لنتائج التحاليل المخبرية من وزارة الصحية التونسية صباحا، وتحليل آخر شبه مخبري، عائلي، أستجيب له مساء كل يوم، أمام عتبة منزلي عندما تتوجس زوجتي من دخول عدوى الوباء.

وأخضع لعملية تعقيم كموزع بنكي آلي تنهال عليه أكف الأيادي من كل حدب وصوب. وهنا، تقف الصورة في عين الكاميرا واجمة وجامدة بين جسد وعقل يسلمان بالخوف من إمكانية نقل العدوى، وبين حس يكابر وينخر في العمق ويبرر بأن هذا الخوف نفسه سيفرز كل هورمونات المناعة والتصدي للفيروس.

الخبر المزعج في القصة، أن كورونا أجبرني أن أدخل منزلي مثقلا بهواجس الأخبار، لم أعد قادرا على رميها أمام عتبة المنزل إلى غد مهني جديد كما تعودت، لم أعد أتجرأ على ملاعبة طفلي لسويعة ينتظرها يوميا، تخشى زوجتي وأخشى، وأحسب لرأيها عندما تطلب بخوف وانكفاء: "..قف مسافة خطوة أمام الباب، لست مستعدة لأخسر الثاني ..".