ميشال غندور - واشنطن
مع بدء انتشار هذا الوباء، الذي أطلق عليه المسؤولون الأميركيون تسميات عدة، منها "فيروس الصين" و "فيروس ووهان" و "كونغ فلو"، بسبب انطلاقه من الصين، التي تعمدت التعتيم على هذا المرض بعد بدء انتشاره في مدينة ووهان وأسكتت أصواتا حاولت الكشف عنه، تحولت الأمور البديهية التي نقوم بها يومياً في طريقنا إلى العمل وخلال قيامنا بمهمتنا التلفزيونية، إلى تحركات وتصرفات مشبوهة.
الشبهات راحت تشمل كل شيء.. مفتاح السيارة، ومقبض الباب، والمقود، وبطاقة الدخول إلى مركز العمل، ومقبض باب مدخل المبنى. كما تحولت أبواب مقر العمل الداخلية إلى أسوار تحتاج إلى مناديل عادية أو معقمة لفك شيفرة العبور.
وما إن تدخل المكتب، وقبل أن تلمس الكومبيوتر، تأتي بالمنظفات والمطهرات، التي تحولت إلى عملة نادرة في الولايات المتحدة بسبب كثرة الطلب عليها وندرة وجودها، علّ كوفيد 19 تسلل خلال غيابك واحتل مكاناً فوق مكتبك وعلى لوحة مفاتيح الكومبيوتر.
وبعد حملة التنظيف، تشرع في قراءة الرسائل الإلكترونية والأخبار، ويتردد مصطلح "كورونا فيروس" وكوفيد19" و"فيروس ووهان" في كل سطر وخبر وتغريدة ومواقف المسؤولين ولقاءاتهم، التي أصبحت عن بعد وعبر دائرة الفيديو.
وزير الخارجية الأميركي مايكل بومبيو يعقد مؤتمراً صحافياً في مقر الخارجية. غرفة المؤتمرات الصحافية بالوزارة، التي تمتلئ عادة بالصحفيين، اقتصر الحضور فيها على سبعة صحفيين فقط، عملاً بإرشادات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.
استعرض بومبيو مواقف الولايات المتحدة من الصين وحملتها التضليلية بشأن مصدر كورونا واتهامها واشنطن بالوقوف وراءه، وكذلك حملة التضليل والتعتيم التي تقوم بها إيران، التي سيرت خمسا وخمسين رحلة في فبراير الماضي بين طهران والصين، فنقلت الوباء إلى الأراضي الإيرانية ومنها إلى خمس دول في الشرق الأوسط حسب تعبير الوزير بومبيو. كما طالب وزير الخارجية الأميركي نظام الأسد بإطلاق سراح السجناء والمعتقلين بشكل تعسفي، ومن بينهم أميركيون، من المعتقلات السورية، خشية إصابتهم بكورونا.
انتهى المؤتمر وطلب مني اختصار أبرز مواقف بومبيو في نشرة الأخبار.
في الأيام العادية، يكون الظهور على الكاميرا لتغطية حدث معين مهمة سهلة وعادية. ولكن في عصر كورونا الأمر مختلف.
الميكروفون والسماعة، الضروريان للنقل التلفزيوني المباشر، يصبحان فجأة مشبوهين، ويصبح استخدامهما عملية بطولية.
يقول زميلي المصور، عقمت العدة.. شكرته على وعيه وعمله ولكنه يمسكهما بيديه ليضعهما على سترتي وقبة القميص ويسألني: هل تضعهما بنفسك أم أقوم بذلك؟ فأفكر., إذا قام هو بهذا العمل فهل يمكن أن ينتقل الوباء عبر خرق مبدأ التباعد الاجتماعي ومسافة المترين أو عبر الأسلاك؟ وإذا أخذتهما منه ووضعتهما بنفسي، فهل هما فعلاً خاليين من الفيروس؟ وتتوارد الأسئلة والأفكار ويتحول البديهي إلى قضية مصيرية.
وفي النهاية تثق بزميلك وتتكل على الله، خشية ألا تمضي نشرة الأخبار وأنت غارق في التفكير بالطريقة الفضلى لحماية نفسك وزملائك من الوباء اللعين.
وبعد إنجاز المهمة تعود لتفكر، أما من طريقة أفضل لحماية نفسك وزملائك؟ ويستقر الرأي أخيراً على أن من الأفضل أن يضع المصور الميكروفون (Hand mic) وآلة نقل الصوت (IFB) على حاملة وأن يستخدم المراسل السماعة الخاصة به دون أي احتكاك بين الاثنين.
أدخل كورونا على حياتنا المهنية والاجتماعية، عادات وتقاليد ومفاهيم ومحاذير جديدة،؟ لا بد أنها ستترك آثارا بالغة.. على مدى أجيال.