ثروت شقرا - بيت لحم
مهنة المتاعب والصعاب والمشاكل.. مهنة الاقتراب في زمن التباعد والحركة في زمن السكون، مهنتنا التي أعشق.. جعلت مني شخص لايخاف خطرا يستشعره الآخرون.
عملت لـ10 سنوات صحفية ومراسلة أنقل الأحداث من مهدها، اقتربت كثيرا من الخطر، والخطر اقترب مني.
في الضفة الغربية ومناطق الصراع على الحدود مع قطاع غزة، والحدود مع لبنان وسوريا... مناطق مشتعلة، ترى الصواريخ تتساقط فوق رأسك، وتنتظر دوي صافرات الإنذار لتقول لك أنت في مكان غير آمن، كان همي الوحيد في تلك اللحظة أن أنقل الصورة إلى المشاهدين.
في بدايات عملي كمراسلة، أذكر جيدا أول قنبلة غاز أطلقها الجيش الإسرائيلي تجاه متظاهرين فلسطينيين في رام الله، لا أنكر أنها نالت مني بل وأطاحتني أرضا، ومرة تلو الأخرى أصبحت أعلم اتجاهها وقوة غازها.
كان الرصاص يلعلع فوق رأسي، وبعد كل مهمة أعود لحياتي الطبيعية مع أصدقائي وعائلتي، الذين اعتادوا مهنة المتاعب، حتى اتصالاتهم قلت مع مرور السنوات وجملة (انتبهى على نفسك) تكاد تغيب، ليس لقلة خوفهم أو حرصهم، بل لأنني استطعت ترويض مشاعرهم تلك.
حكايا كثيرة ومواقف في الدائرة الحمراء خرجنا منها لإيصال صوتنا ورسالتنا، لكن حين جاء وقت كورونا تغيرت أشياء كثيرة، وكانت البداية بالبقاء في المنزل 14 يوما، التزاما بتعليمات الحجر الاحترازية بسبب وجودي في مدينة بيت لحم أولى المدن الفلسطينية التي ظهر فيها الفايروس.
لم أعلم هل هو من حسن حظي أم من سوئه، فالصحفي تتفاعل حواسه في ظروف كهذه، ويتحول إلى محقق وشاهد ويتضاعف فضوله الموجود أصلا في حياته المهنية. كنت أسابق الزمن للخروج لأرى ماذا حل بالأماكن وحركة الحياة والناس والمارة.
عدت للعمل.. من الشوارع ومراكز الحجر والمبادرات التي تهدف للحد من انتشار الفايروس.. عدت من قلب الحدث من جديد.
أولى مشاهداتي كانت الحواجز الأمنية المنتشرة في كل حي وزقاق، ولولا بطاقتي الصحفية التي لا أستخدمها إلا في المناسبات والأحداث الرسمية، لبقيت حبيسة مكان إقامتي، فهي كانت جسر العبور الوحيد لي.
تجدد القلق.. قلق سيطر علي لأول مرة في هذه المهنة، والذي زاد الطين بلة قلق عائلتي، ودعواتهم المتكررة لي بالتزام المنزل وعدم الخروج.
لا أنسى كلمة والدي، تخلي عن هذه المهنة.. عندما قالها ضحكت ومشيت.. في محاولة خجولة مني لطمأنته.
لا أنكر أن الفكرة راودتني، ولكني وقفت حائرة بين قصة حب لا تنتهي مع عملي وأخرى مع عائلتي خوفا من أن أحمل الفايروس أثناء تحركي من مكان لآخر. فوالدتي تعاني من أمراض مزمنة ووالدي كبير السن.
وأنا أتنقل في القدس لأصل المكتب، فعلا استشعرت الخطر أكثر.. شوارع فارغة.. عدد المركبات قليل.. حتى أنني لم أر مشاهد مماثلة في حالة حرب، أو غيرها مما اعتدنا عليه في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.
لا أنكر أن العمل في زمن الموت صعب.. أخبار الوفيات والمصابين علي مرهقة.. فالعدو لا نراه.. ولا نعلم متى سيختارنا أو مدى قربه منا أو ابتعاده عنا..
لم أعتد أن أجلس في مركبة العمل في المقعد الخلفي وأن ألتزم كمامة الوجه وقفاز اليدين، وأن أحمل المعقمات بدلا من العطور، فالحياة انقلبت.. حتى أنني لم أتخيل أن أقابل ضيوفي وبيننا مسافة فاصل، أو حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولكن لا يزال في داخلي ضوء في آخر النفق يقول لي أننا سنعود كما كنا، وسنمارس عملنا بصورته الطبيعية وسأحتسي القهوة مع زملائي ونتبادل الأحاديث دون مراعاة مسافة المترين.. ففي السابق كنا مسؤولين عن حياتنا فقط، واليوم الصحفي مسؤول عن مجتمعه ومن يخالطه.. فالسماح له بكل ما هو ممنوع حمل ثقيل.. ثقيل جدا..