رابح فيلالي - واشنطن

رابح فيلالي - واشنطن

عندما كنت أغطي حرب العراق عام 2003 كان ابني الأوسط حسين يبلغ شهورا قليلة، ولدواع طبية بحتة قرر أطباء المستشفى حينها ختانه بقرار سريع، ولم أكن أعرف بكل هذه التطورات المتسارعة.

كان على زوجتي أن تتصرف، وكان على الراحلة والدتي السبعينية وقتها أن تتعاطى مع واقع جديد في الحياة، لم يكن عقلها يستوعبه على الإطلاق، فحفيدها الثاني كان يخضع إلى عملية ختان من غير احتفال وطقوس.

وما زاد الأمر سوءا أننا كنا في تلك المرحلة نعيش في دبي بعيدا عن جميع الأهل والأقارب في قريتنا الصفصافة أو في مدينة قسنطينة شرق الجزائر، حيث حرم الأهل في المشاركة بالاحتفال بختان حفيد والدتي فاطمة.

كانت دمعات أمي حارة جدا وهي ترضخ لهذا الواقع المؤلم، وكان عليها وعلى زوجتي إخفاء الأمر عني وأنا وسط أحداث الحرب في بغداد، ولم يكن بيننا سوى تلك المتابعة الدائمة منهم لأخباري على شاشة التلفزيون.

خلال تغطية حرب العراق.

وبين المراسلة والأخرى كانت أمي تحمد الله على أنني بخير، فيما كانت زوجتي توصيني ألا أتأخر كثيرا في الاتصال لأن الراحلة الوالدة الكريمة لا تعرف كيف تصدقنا جميعا عندما نقول لها أنك بخير.

فبالنسبة لأمي، الجميع من حولها لا يصدقونها القول عندما يقولون إني بخير وأنا أغطي أي حرب من الحروب.

كان من الصعب في تلك الظروف أن تعيش عائلة وضعا طبيعيا، ووحيدها بصدد تغطية واحدة من حروب العالم، خاصة وأن الأمر تكرر في أكثر من بقعة في هذا العالم.

هذه المشاعر عادت إلى ذاكرتي بقوة هذه الأيام، وأنا أسمع من زوجتي في كل صباح تلك الدعوات المصحوبة بالتحذيرات وهي التي تعرف ومنذ البدء أني رجل وجد ليعيش حلمه كاملا ومن غير نقصان.

وكان عليها أن تتأقلم متألمة في أكثر من مناسبة مع هذا الواقع المتكرر في حياتنا، والأكثر من ذلك لقد كان عليها أن تتعايش مع حقيقة تحمل الكثير من الظروف والمسؤوليات وحيدة، وأنا أتابع الأحداث المتحركة في بقية العالم سابقا، وفي الولايات المتحدة لاحقا.

الخوف هذه المرة مختلف تماما، ذلك لأن في الحروب السابقة كان هناك ساحات حرب ومناطق حياد ومواقع إعلامية ومخيمات لجوء ترفع فيها عادة الرايات البيضاء، في إشارة إلى أن الموقع مخصص للإعلاميين أو للاجئين.

لكن العدو هذه المرة أكثر خطورة، فهو خفي ولا تعرف إن كان أقرب إليك من حقيبة يدك أو من هاتفك المحمول أو من إنسان قابلته وتحدثت إليه وهو شخصيا لا يعرف أنه حامل للفيروس، والأكثر من ذلك أنك في الحروب السابقة كنت عندما تعود إلى عائلتك بعد سفر طويل عادة ما تعود إلى أحضان أسرتك.

أما في زمن كورونا، وعندما أعود مساء إلى عائلتي تختلف الصورة تماما، فأطفالي يعتذرون عن تقبيلي إلى غاية الالتزام بشروط النظافة والسلامة المرسومة بالحروف الكبيرة من قبل سيدة البيت.

بل أن طفلتي الصغيرة لاتتوقف عن تحذيري من وجود جراثيم خارج البيت، وللتوضيح تقول "كورونا فيروس "، وهي تعتذر عن تقبيلي في ساعة نومها مساء، وهي الطفلة التي كانت لا تفارق أصابعها يدي إلى أن يأخذها النوم.

هناك نوع من المهن ارتبطت تاريخيا بظروف مماثلة، وقدر أصحابها أن يكونوا على الخط الأول دائما، وقطعا الصحافة كانت وستظل دائما واحدة من هذه المهن.

لم يكن الخوف قانونا يحكم علاقة أفراد عائلتي بمهنتي كمراسل صحفي، بل كان هناك الفخر بما أفعل في جهات العالم المختلفة، إلا أن كورونا غير هذه المشاعر، ذلك لأن زوجتي تسألني كل صباح إذا كان من الممكن ألا أذهب إلى العمل في مثل هذه الظروف، وهي التي لم تقل لي أبدا لا تذهب إلى حرب من قبل.

ابتسم وأقول لها لا تخافي، فأنا ملتزم بكل تعليماتك الأمنية والوقائية، إضافة طبعا إلى كل التعليمات التي تصدرها الحكومات المحلية في محيط واشنطن العاصمة، والحكومة الفيدرالية..  أريتم كيف تبدل حالنا في زمن كورونا!!!

كريم مسعد

كريم مسعد - القاهرة

منذ بداية أزمة فيروس كورونا، يترقب والمصريون -وأنا منهم- وصول المدعو COVID-19، الذي بات العنوان الوحيد على مختلف وسائل الإعلام.

الأمور بدأت هادئة وعادية في فبراير الماضي، دون اكتراث من كثيرين بأن لدى مصر أول حالة إصابة بكورونا، تمر الأيام ويزداد القلق شيئا فشيئا، وترتفع الأصوات المطالبة بتوخي الحذر قليلا، ولكن النكات و"خفة دم المصريين" المعتادة في التعامل مع الحوادث الكبرى لاتزال مسيطرة، إلى أن وصلنا إلى حظر التجوال.

حظر التجوال هذا لنا فيه حكايات وحكايات، ليلا يلتزم الكثيرون خوفا إما من خرق الحظر وتكبد الغرامة المالية وربما الحبس، وإما التزاما بالقرارات الحكومية، ولكن ما أن تدق الساعة السادسة صباحا حتى ترى أسواقا تكتظ بالمواطنين وبنوكا يصطف أمامها العملاء ووسائل مواصلات "كمترو الأنفاق" تصبح بؤرا محتملة لانتقال المرض.

كمراسل ميداني، أستطيع أن أصف لك حجم التعامل المباشر مع المواطنين، وربما يمثل ذلك فرصة للإصابة لي ولزملائي في فريق العمل.

على المستوى الشخصي، غطيت حوادث كثيرة في ظروف خطرة وأجبرت على مدار تاريخ عملي على التعامل مع إطلاق الرصاص المباشر في ظل تغطية التظاهرات الكبيرة أو فضها في 25 يناير، أو أحداث أخرى مشابهة، كل ذلك كان مقلقا، لكنك تستطيع حماية نفسك واتباع إرشادات السلامة المهنية التي تدربنا عليها منذ سنوات.

أما في زمن كورونا، فأنت تتعامل مع شيء لا تراه ولا تعرف كنهه ولا تعلم إن كان من تخالطهم في الشارع حاملين للمرض أو مخالطين أو غيره، هو فيروس ربما ينتقل إليك أو تحمله على معداتك وتكون سببا في نقله.

عام 2020 المميز رقميا، كنت أتوقع أن يكون أيضا متميزا على مستوى الأحداث، ولكن لم أتخيل أن يكون مستوى الحدث بهذا الحجم الذي يسمى "جائحة".

استقبلنا العام بفيروس كورونا الذي يأتي في إطار سلسلة تاريخية يتميز بها العقد الثاني من كل قرن، فتجد وباء "الطاعون العظيم " ظهر في عام 1720 الذي ضرب مدينة مارسيليا الفرنسية وقتل في أيام 100 ألف شخص، وبعدها بمائة عام في 1820 جاء "الكوليرا" وفتك بالكثيرين، ثم الأنفلونزا الإسبانية التي انتشرت بعد ذلك بما يقارب 100 عام أيضا في 1918 الذي أودى بحياة ما يتراوح بين 40 و 50  مليون شخص.. وها هو كورونا يسجل نفسه في تاريخ عشرينيات القرون، لينضم لسلسلة من الكوارث التي حصدت أرواح ملايين البشر.

رغم صعوبة ما نواجهه أو نشعر به كمراسلين في الميدان، فإني أجد نفسي محظوظا كوني صحفيا ميدانيا لأني أشهد حدثا ربما لن يراه أجيال بعدنا، فانتشار الأوبئة بهذا الحجم حدث لا يتكرر ربما إلا كل مائة عام.