عبدالله مصطفى.

عبدالله مصطفى - بروكسل

في صباح 22 مارس 2016، وكنت في طريقي من مدينة أنتويرب شمال بلجيكا، حيث أقطن، إلى بروكسل حيث مكان العمل، تلقيت اتصالا هاتفيا من أحد الزملاء في قناة الحرة، يخبرني بنبأ تفجير إرهابي في مطار العاصمة البلجيكية.

أبلغت زميلي بأنني في طريقي إلى بروكسل، وسأكون جاهزا، خلال نصف ساعة، للمشاركة في التغطية الخاصة للقناة عن الهجوم الإرهابي.

وقبل دقائق من الوصول، كان التفجير الثاني قد وقع في محطة للقطارات الداخلية، وهي محطة "مالبيك" القريبة من مقار مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث مقر عملي.

وعندما وصلت وجدت رجال الإنقاذ وسيارات الإسعاف والمطافئ قد وصلت، وفرضت طوقا أمنيا لنقل المصابين ولضحايا من مكان التفجيرات وسمحت لنا كصحفيين بالتواجد في مكان قريب يسمح بالتصوير.
 
وعلى أثر التفجيرات، سادت حالة من الهلع والفزع في بلجيكا، تخوفا من وقوع انفجارات جديدة وأصبحت الشوارع خالية من المارة وجرى تعطيل حركة النقل وفرضت السلطات حالة الطوارئ.

وتحولت بروكسل المعروفة بالتنوع والتعدد الثقافي لسكانها إلى مدينة أشباح، حيث أغلقت المؤسسات والمقاهي والمطاعم وأصبحت محطات القطارات والمترو أماكن مهجورة، وأغلقت المدارس والجامعات والمحلات التجارية.. ورصد الصحفيون هذا المشهد الذي لن ينساه أحد.

وبعد مرور 4 سنوات وفي الشهر عينه، مارس، يعيد التاريخ نفسه، وأتجول في شوارع بروكسل لإعداد تقرير حول المشهد في بروكسل وحالة الفزع بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد "كوفيد 19"،  في هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكان، والكبير من حيث الأهمية الناجمة عن وجود مؤسسات إقليمية ودولية غاية في الأهمية، مثل مقار مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وغيرها.

هذه المقرات والمؤسسات أغلقت أبوابها بسبب كورونا، وتعطلت الاجتماعات، واقتصرت فقط على اجتماعات عبر دوائر الفيديو.

رصدت في شوارع بروكسل الخوف والقلق لدى العدد القليل من الناس الذي تجرأوا على الخروج من بيوتهم لشراء حاجات ضرورية، وهنا تذكرت المشهد الذي كانت عليه العاصمة البلجيكية قبل أربع سنوات من جراء الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة 32 شخصا وأصاب 300 آخرين بجروح.

ورغم استجابة المواطنين البلجيكيين لتعليمات السلطات والإجراءات، ماعدا قلة قليلة جدا خرجت بحكم عملها وأيضا هناك من خرج بعد أن ضاق به الأمر بسبب الجلوس في المنزل وحيدا، وخاصة أن هناك أعداد من البلجيكيين يعيشون بمفردهم بسبب العادات والتقاليد ونمط الحياة الأوروبي.

وفي ظل حالة الخوف من الإصابة بفيروس كورونا، التقيت بسيدة، في العقد الخامس من عمرها، وسألتها عن سبب الخروج إلى الشارع، فقالت إنها اضطرت للخروج رغم تحذيرات الأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خطورة الخروج.

وقالت: "أنا بطبعي لا أحب الجلوس في المنزل، وأفضل الخروج للتسوق أو ممارسة الرياضة، ولكن للأسف الأسواق التجارية أغلقت أبوابها وأيضا صالات الرياضة، إنه أمر محزن للغاية ولابديل لي سوى الخروج ".

ما الفرق بين الإرهاب وكورونا؟

وبعد انتهاء المقابلة والتصوير في شوارع مختلفة من العاصمة، عدت إلى المكتب لإعداد التقرير قبل إرساله إلى المقر الرئيس لقناة الحرة، وجلست أفكر في سؤال ظل يراودني لفترة من الوقت وهو: ما الفرق بين الإرهاب وكورونا؟

ويرى البعض أنه لا يوجد فرق كبير، في حين يؤكد آخرون وجود فروق عدة، وأبرزها أن الهجوم الإرهابي يحدث دون سابق إنذار، فلم يسبق أن أعلنت جماعة إرهابية عن نيتها شن اعتداء مع تحديد الزمان والمكان.

ولكن مع كورونا، الكل كان يعلم جيدا أن كورونا تفشى في الصين، وأن هناك احتمالات كبيرة لانتقاله إلى أماكن أخرى من العالم.

كما أن العمل الإرهابي قد يسفر عن وقوع إصابات فقط أو مقتل عدد قليل من الأشخاص وربما المئات على أقصى تقدير، ولكن كورونا لا أحد إلى الآن يستطيع أن يتوقع عدد الضحايا، في ظل التصاعد المستمر لأعداد المصابين والوفيات سواء داخل أوروبا أو خارجها.

ولهذا تسبب كورونا في الرعب للجميع سواء في الدول الغنية التي لديها كل الإمكانات، والدول الفقيرة ذات الإمكانات المتواضعة.

وفاء جباعي

وفاء جباعي - فرجينيا

أعادني إعلان رالف نورتام، حاكم ولاية فرجينيا، حيث أقطن مع عائلتي، إنهاء العام الدراسي بسبب أزمة فيروس كورونا إلى سنوات الطفولة، سنوات قضيت معظمها في التنقل من منطقة إلى أخرى ومن ملجأ إلى آخر، هربا من حرب أهلية مزقت شوارع بيروت وأزقتها. كان حينها اكتمال العام الدراسي بالنسبة لنا ترفا قلما تمتعنا به.

حسبت أن تلك الذكريات انطوت إلى غير رجعة، إلا أنها باتت تعود بقوة كل صباح حين أرى طفليي الصغيرين يلزمان البيت، يتململان من خروجي ووالدهما على الرغم من كل الدعوات للبقاء في المنازل ويطرحان تساؤلات لا أملك، بل لا أحد يملك، أجوبة عليها.

في عملي كمراسلة، واجهت تحديات صعبة وقدمت وعائلتي تنازلات كبيرة، إلا أنه، وفي أصعب الظروف وأشدها تعقيدا، لم أكن اشعر بعدم اليقين والقلق الذي أشعر بهما الآن.

أخرج صباحا لألبي واجبي المهني، عندها يتوجب علي أن أكف عن كوني أما، ولكن الشعور بالقلق يلازمني، بل شعور بالذنب، فماذا لو عدت مساءً بفيروس يهدد عائلتي.

عندما أتخطى عتبة منزلي، أصاب بنوبة هلع أحاول التكتم عنها والتعامل بمهنية وبمسؤولية، في رأسي تتصارع الأفكار والسيناريوهات، وبعضها أقل ما توصف بالسوداوية.

استسلم مرة وأؤنب نفسي مرات لأتابع عملي وأشغل نفسي بمؤتمر صحفي هنا وتصريح هناك، غير أن فيروس كورونا يحاصرني بأخباره، فإذا به يستحوذ عليّ مجددا.

انتهي من عملي وأبدا التحضير لجولة اخرى من واجباتي، أفكر بأن أعرّج في طريق العودة إلى المنزل على السوبرماركت، أخطط للزيارة وأتحضر لها نفسيا كما كنا نفعل عند اجتياز نقطة تماس بين منطقة وأخرى أيام الحرب الأهلية في لبنان.

أتأكد من وجود أدوات التعقيم التي باتت جزءا من أساسيات حربنا مع الفيروس. زيارة خاطفة كنت أقوم بها بشكل روتيني باتت تشكل عبئا إضافيا على يومياتي. أصل المنزل، لأدخل دوامة تعقيم كل ما أتيت به من الخارج ولأتعامل مع متطلبات المنزل والعائلة، هذا كله دون أن اخلع عني ثوب الصحفية، فعملنا لا يعترف بوقت أو خصوصية.

ما كنت أقوم به قبل أزمة فيروس كورونا هو نفسه ما أقوم به الآن لاسيما لجهة محاولة التوفيق قدر المستطاع بين واجباتي المهنية كامرأة عاملة ومسؤولياتي كأم وزوجة، الفرق الوحيد هو أني أشعر الآن كمن يحمل جبالا فوق كتفيه.