جينا عفيش

جينا عفيش - بيروت

لم أكن أدري أن الكمامة التي كنت أضعها لحماية نفسي من استنشاق الغاز المنبعث من القنابل المسيلة للدموع التي كانت تلقيها قوات الأمن لتفريق المتظاهرين خلال الاحتجاجات الشعبية في لبنان، ستصبح خليلتي الدائمة.

فمع انتشار وباء كورونا، باتت الكمامة رفيقة يومياتي في مهنة البحث عن المتاعب، انضمت إليها القفازات والمعقمات، كلها من باب الحيطة خوفا من انتقال العدوى.

ولأن الواجب المهني يحتم على الصحفي نقل الصورة والمعلومة بأمانة ومن موقع الحدث، بدأت بمرافقة المحتجين بميسراتهم وتظاهراتهم المنددة بالسلطة السياسية والداعية للتغيير(كانت الاحتجاجات الشعبية في لبنان لا تزال مستمرة رغم إعلان حالات إصابة بكورونا).

المتظاهرون رفضوا وقتها الخروج من الشوارع بسبب هذا الوباء القاتل، كنت أجري المقابلات بالقفازات والكمامة وأنقل صرخة الناس ووجعهم.

من المواقف اللافتة كانت لإحدى السيدات أثناء سؤالي لها على الكورنيش البحري لبيروت عن سبب نزولها للشارع على الرغم من كورونا، فصرخت في وجهي غضبا لتطلب مني إزالة الميكروفون على اعتبار أنه ينقل الوباء!

كثر خافوا وقتها من التحدث أمام الكاميرا، مضت الأيام في التغطية الميدانية لانتشار الوباء، ومع ارتفاع درجة الخطر من التفشي الكامل وإعلان الحكومة حالة التعبئة العامة، بات الأمر يشتد صعوبة فيما يتعلق بإعداد التقارير وإجراء المقابلات مع الضيوف.

استعضت عن اللقاءات المباشرة بلقاءات عبر سكايب والطلب من ضيوف التقرير على قدر الإمكان تزويدي بمادة مصورة تدعم التقرير وتوصل الرسالة.

اختلفت معايير التصوير في زمن الكورونا! وبات التصرف بالمتاح أفضل الممكن في إعداد التقارير.

تكاد صعوبات العمل الميداني في زمن كورونا لا تنتهي فصولا، فالاستعداد للرسائل المباشرة وحده يحتاج فصلا طويلا من الشرح حول الإجراءات الوقائية في لمس المعدات والمذياع: حفلة تعقيم كاملة تستغرق نحو ربع ساعة أعمل في خلالها على رش المذياع بالمعقمات وكل الأسلاك والهاتف وكل شيء كل شيء سألمسه.

وبعد الانتهاء من يوم حافل بالرسائل الميدانية وكتابة تقرير يلخص مجريات تطور الوباء. لا راحة حتى في السيارة!  ففي طريق العودة إلى المنزل، أنا مضطرة للتعقيم من جديد، المقود والكرسي وكل شيء.

أصل المنزل، أخلع حذائي خارجاً، أدخل منطقتي الآمنة حتى اللحظة: منزلي. كل الثياب التي أرتديها إلى التنظيف. وغدا يوم جديد وموعد جديد مع متاعب العمل في ظل كورونا.

وفاء جباعي

وفاء جباعي - فرجينيا

أعادني إعلان رالف نورتام، حاكم ولاية فرجينيا، حيث أقطن مع عائلتي، إنهاء العام الدراسي بسبب أزمة فيروس كورونا إلى سنوات الطفولة، سنوات قضيت معظمها في التنقل من منطقة إلى أخرى ومن ملجأ إلى آخر، هربا من حرب أهلية مزقت شوارع بيروت وأزقتها. كان حينها اكتمال العام الدراسي بالنسبة لنا ترفا قلما تمتعنا به.

حسبت أن تلك الذكريات انطوت إلى غير رجعة، إلا أنها باتت تعود بقوة كل صباح حين أرى طفليي الصغيرين يلزمان البيت، يتململان من خروجي ووالدهما على الرغم من كل الدعوات للبقاء في المنازل ويطرحان تساؤلات لا أملك، بل لا أحد يملك، أجوبة عليها.

في عملي كمراسلة، واجهت تحديات صعبة وقدمت وعائلتي تنازلات كبيرة، إلا أنه، وفي أصعب الظروف وأشدها تعقيدا، لم أكن اشعر بعدم اليقين والقلق الذي أشعر بهما الآن.

أخرج صباحا لألبي واجبي المهني، عندها يتوجب علي أن أكف عن كوني أما، ولكن الشعور بالقلق يلازمني، بل شعور بالذنب، فماذا لو عدت مساءً بفيروس يهدد عائلتي.

عندما أتخطى عتبة منزلي، أصاب بنوبة هلع أحاول التكتم عنها والتعامل بمهنية وبمسؤولية، في رأسي تتصارع الأفكار والسيناريوهات، وبعضها أقل ما توصف بالسوداوية.

استسلم مرة وأؤنب نفسي مرات لأتابع عملي وأشغل نفسي بمؤتمر صحفي هنا وتصريح هناك، غير أن فيروس كورونا يحاصرني بأخباره، فإذا به يستحوذ عليّ مجددا.

انتهي من عملي وأبدا التحضير لجولة اخرى من واجباتي، أفكر بأن أعرّج في طريق العودة إلى المنزل على السوبرماركت، أخطط للزيارة وأتحضر لها نفسيا كما كنا نفعل عند اجتياز نقطة تماس بين منطقة وأخرى أيام الحرب الأهلية في لبنان.

أتأكد من وجود أدوات التعقيم التي باتت جزءا من أساسيات حربنا مع الفيروس. زيارة خاطفة كنت أقوم بها بشكل روتيني باتت تشكل عبئا إضافيا على يومياتي. أصل المنزل، لأدخل دوامة تعقيم كل ما أتيت به من الخارج ولأتعامل مع متطلبات المنزل والعائلة، هذا كله دون أن اخلع عني ثوب الصحفية، فعملنا لا يعترف بوقت أو خصوصية.

ما كنت أقوم به قبل أزمة فيروس كورونا هو نفسه ما أقوم به الآن لاسيما لجهة محاولة التوفيق قدر المستطاع بين واجباتي المهنية كامرأة عاملة ومسؤولياتي كأم وزوجة، الفرق الوحيد هو أني أشعر الآن كمن يحمل جبالا فوق كتفيه.