أحمد حسين

أحمد حسين - القاهرة

يافعاً كنت قبل 13 عاما وأنا أخطو أولى خطواتي في هذه المهنة التي تعلقت بها منذ أمسكت المذياع للقراءة في الإذاعة المدرسية، لازلت أذكر في مراهقتي كم كنت شغوفا بمتابعة أساتذتي الأوائل الذين تعلمت منهم بالسمع والملاحظة، وأقصد كبار المراسلين الذين نقلوا لنا حرب أفغانستان وحرب العراق وهجمات 11 سبتمبر، وغيرها من أحداث جسام.

كانوا أبطالي الخارقين بدلا من سوبر مان والافانغرز، ولاأزال أذكر كيف كانوا يظهرون على الشاشة ووراء كل منهم رتل دبابات يمر أو أدخنة سوداء تتصاعد، أذكرهم في رؤوس الجبال والصحراء والخنادق والحارات التي ثقبت جدرانها برصاص الحرب.

في ذلك الوقت كنت أسال نفسي ألا يخاف المراسل؟ وكنت أجيب على نفسي أيضا بالتأكيد لا، فصوته يبدوا طبيعيا.. واثقاً، لو كان خائفا لظهر عليه ذلك.

مع السنوات كبر الحلم في داخلي حتى حصلت على شهادة عليا في الإعلام، الآن يمكنني أن أحكي القصص للناس، سأصبح البطل في عين مراهق كنت مثله في الماضي، لم تمض سوى أعوام قليلة على بداية عملي حتى ثار الناس في مصر مطلع 2011، لأختبر وقتها أولى معاركي مع الخطر الذي كان يأتي من كل مكان، قنابل الغاز المسيل للدموع التي تطلقها قوات الأمن وحجارة الثوار الغاضبين أو طلقات مجهولة قد تصيبك في أي لحظة.

أنا خائف! دقات قلبي تتسارع وأنا أركض سريعا للفرار من مواجهة بين مواطنين وقوات أمن في شارع ضيق وجدت نفسي فجأة بينهم، واجهت الحقيقة الأولى التي هدمت ما كنت أظنه وهو أن المراسل لا يخاف! ضربة بهراوة ثقيلة على رأسي تتابعت بعدها الضربات على كل جسدي حتى استطعت الفرار بصعوبة تحملني ساقاي بصعوبة وتهتز الصورة أمامي بسبب دوار الضربة التي تلقيتها، وأيضا بسبب الدموع التي سالت غزيرة من عيني!

بعد هذا اليوم واجهت نفسي بحقيقة أن المراسل يخاف.. ويجب عليه ذلك، فالخوف في جانب منه دافع للحياة، المراسل ليس بطلا.. ولا يجب عليه أن يكون كذلك، فالبطولة أيضا في جانب منها دافع للموت.

ومرت السنوات، وبت أنا وهذا الخوف أصدقاء أستعين به لتقييم أي خطر محتمل في تغطية الأحداث خصوصا التي كان العنف عنوانها، كان الصديق الذي يخبرني متى أنسحب من الميدان ومتى أتقدم، انتبه جيدا عندما ترتفع مؤشراته وأتعامل معه بواقعية دون إفراط.

في هذه الأيام، بات صديقي الخوف مزعجا أكثر عن ذي قبل، لايتوقف عن الطنين في داخلي، سابقا كنت أستطيع تقييم الخطر المحتمل ووضع نسبة له، الآن الخطر قد يأتي مع أي لمسة لأي سطح يحمل الفيروس، قد يكون في المايكروفون أو الكاميرا أو سيارة العمل، أو من الأشخاص الذين ألتقيهم يوميا لنقل قصصهم.. من زملاء العمل وحتى مني أنا شخصيا، خوف لابد من مواجهته في كل لحظة خارج المنزل ومواجهته أيضا عند العودة، وأنا أنظر إلى طفلتي الصغيرة التي تجاوزت عامها الأول وهي نائمة بوداعة وأخشى احتضانها أو تقبيلها قبل التخلص من ملابسي وتعقيم نفسي جيدا، عندما أنظر إلى زوجتي وهي عائدة من عملها الذي لايقل أهمية عن عملي، لم يعد الخوف مقتصرا على ما قد يصيبني، تجاوز ذلك ليمتد إلى الخوف من أن أكون سببا لألم يصيب من أحب.

لكن مع ذلك لاأزال أملك القدرة على إسكاته وتحييده عندما أواجه الكاميرا وأتحدث إلى الناس، كفرد يعمل ضمن منظومة مهمتها إبقاء الجمهور على إطلاع وإبلاغهم بالحقيقة.. الحقيقة أولا.

وفاء جباعي

وفاء جباعي - فرجينيا

أعادني إعلان رالف نورتام، حاكم ولاية فرجينيا، حيث أقطن مع عائلتي، إنهاء العام الدراسي بسبب أزمة فيروس كورونا إلى سنوات الطفولة، سنوات قضيت معظمها في التنقل من منطقة إلى أخرى ومن ملجأ إلى آخر، هربا من حرب أهلية مزقت شوارع بيروت وأزقتها. كان حينها اكتمال العام الدراسي بالنسبة لنا ترفا قلما تمتعنا به.

حسبت أن تلك الذكريات انطوت إلى غير رجعة، إلا أنها باتت تعود بقوة كل صباح حين أرى طفليي الصغيرين يلزمان البيت، يتململان من خروجي ووالدهما على الرغم من كل الدعوات للبقاء في المنازل ويطرحان تساؤلات لا أملك، بل لا أحد يملك، أجوبة عليها.

في عملي كمراسلة، واجهت تحديات صعبة وقدمت وعائلتي تنازلات كبيرة، إلا أنه، وفي أصعب الظروف وأشدها تعقيدا، لم أكن اشعر بعدم اليقين والقلق الذي أشعر بهما الآن.

أخرج صباحا لألبي واجبي المهني، عندها يتوجب علي أن أكف عن كوني أما، ولكن الشعور بالقلق يلازمني، بل شعور بالذنب، فماذا لو عدت مساءً بفيروس يهدد عائلتي.

عندما أتخطى عتبة منزلي، أصاب بنوبة هلع أحاول التكتم عنها والتعامل بمهنية وبمسؤولية، في رأسي تتصارع الأفكار والسيناريوهات، وبعضها أقل ما توصف بالسوداوية.

استسلم مرة وأؤنب نفسي مرات لأتابع عملي وأشغل نفسي بمؤتمر صحفي هنا وتصريح هناك، غير أن فيروس كورونا يحاصرني بأخباره، فإذا به يستحوذ عليّ مجددا.

انتهي من عملي وأبدا التحضير لجولة اخرى من واجباتي، أفكر بأن أعرّج في طريق العودة إلى المنزل على السوبرماركت، أخطط للزيارة وأتحضر لها نفسيا كما كنا نفعل عند اجتياز نقطة تماس بين منطقة وأخرى أيام الحرب الأهلية في لبنان.

أتأكد من وجود أدوات التعقيم التي باتت جزءا من أساسيات حربنا مع الفيروس. زيارة خاطفة كنت أقوم بها بشكل روتيني باتت تشكل عبئا إضافيا على يومياتي. أصل المنزل، لأدخل دوامة تعقيم كل ما أتيت به من الخارج ولأتعامل مع متطلبات المنزل والعائلة، هذا كله دون أن اخلع عني ثوب الصحفية، فعملنا لا يعترف بوقت أو خصوصية.

ما كنت أقوم به قبل أزمة فيروس كورونا هو نفسه ما أقوم به الآن لاسيما لجهة محاولة التوفيق قدر المستطاع بين واجباتي المهنية كامرأة عاملة ومسؤولياتي كأم وزوجة، الفرق الوحيد هو أني أشعر الآن كمن يحمل جبالا فوق كتفيه.