فاتن علوان -  رام الله

فاتن علوان -  رام الله

لم أقبل رأس أمي منذ الخامس من مارس الجاري.. اعتدت أن أعمل بين الرصاص والنار، الأمر الذي دفع زملاء المهنة في الأراضي الفلسطينية إلى وصفي بـ"صاحبة القلب الميت".

لا أخشى الرصاص ولا أهاب الخطر، في الخامس من مارس، كان اليوم الأول الذي يتم الإعلان فيه عن وصول فيروس كورونا إلى مدينة بيت لحم.

هرعنا إلى المدينة، وحين وصلنا أمام الفندق همت بالتوجه مسرعة نحو المدخل قبل أم أتوقف فجأة مستعيدة الأخبار التي طالعتها عن الفيروس.. المسافة الآمنة 15 مترا.. صرخت للمصور: 15.. 15 نضال.. 15 مترا.. سحبته نحو الخلف مسافة الأمان.. لن نقترب أكثر.

عبوة المعقم لا تفارقني أخرجتها من حقيبتي كأنها سلاح، نظرت إليها وكأنها منقذتي.

فكرت في أمي وأبي الذي يعاني من قلب ضعيف، كيف يفتك هذا الفيروس بكبار العمر والأطفال، كيف سأعود إلى المنزل؟؟  ومنزلي يغص بهؤلاء، هل أحمل هذا العدو الفتاك معي، على ثيابي على جسدي، هو عدو لا أراه!!  

دخلت المنزل، وابن أخي يوسف كان أمامي أعشقه عشق السماء للقمر، ولد يوسف بكروموسم الحب (متلازمة داون)، وأوقعني بغرامه، علاقة مميزة تجمعنا، تعتمد على أغنية أرددها لحظة اللقاء فيضحك ويرتمي بأحضاني.

ركضت لأحضنه، وقبل أن اقترب منه هربت إلى غرفتي حيث أغلقت الباب على نفسي ورفضت الخروج، بكيت في كثيرا.. لن أقتل أحد أو أصيب أحدا بهذا الفيروس!!! لن أقبل رأس أمي ولن أصافح أبي ولن اقترب من أصدقائي!

عدوي مجهول غير مرئي لن يسعفني "قلبي الميت" في حال "هجمت على الخبر"، لا خبرة الرصاصات الـ3 التي أصبت بها إبان الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية ستسعفني، ولا المرات الكثيرة التي نجوت خلالها من الموت من رصاصة طائشة هنا أو حجر هناك ستسعفني..

أول مرة أشعر بأني ضعيفة أمام الخبر، خائفة من طريقة التعامل مع الخبر، فأنا لست وحدي هنا، إن أخطأت سيدفع الثمن قلب والدي الضعيف ورأس أمي الذي يحمل كثيرا من وجع الفقدان، وابتسامة ريان ومريم وعارف أبناء أخوتي.

 

وفاء جباعي

وفاء جباعي - فرجينيا

أعادني إعلان رالف نورتام، حاكم ولاية فرجينيا، حيث أقطن مع عائلتي، إنهاء العام الدراسي بسبب أزمة فيروس كورونا إلى سنوات الطفولة، سنوات قضيت معظمها في التنقل من منطقة إلى أخرى ومن ملجأ إلى آخر، هربا من حرب أهلية مزقت شوارع بيروت وأزقتها. كان حينها اكتمال العام الدراسي بالنسبة لنا ترفا قلما تمتعنا به.

حسبت أن تلك الذكريات انطوت إلى غير رجعة، إلا أنها باتت تعود بقوة كل صباح حين أرى طفليي الصغيرين يلزمان البيت، يتململان من خروجي ووالدهما على الرغم من كل الدعوات للبقاء في المنازل ويطرحان تساؤلات لا أملك، بل لا أحد يملك، أجوبة عليها.

في عملي كمراسلة، واجهت تحديات صعبة وقدمت وعائلتي تنازلات كبيرة، إلا أنه، وفي أصعب الظروف وأشدها تعقيدا، لم أكن اشعر بعدم اليقين والقلق الذي أشعر بهما الآن.

أخرج صباحا لألبي واجبي المهني، عندها يتوجب علي أن أكف عن كوني أما، ولكن الشعور بالقلق يلازمني، بل شعور بالذنب، فماذا لو عدت مساءً بفيروس يهدد عائلتي.

عندما أتخطى عتبة منزلي، أصاب بنوبة هلع أحاول التكتم عنها والتعامل بمهنية وبمسؤولية، في رأسي تتصارع الأفكار والسيناريوهات، وبعضها أقل ما توصف بالسوداوية.

استسلم مرة وأؤنب نفسي مرات لأتابع عملي وأشغل نفسي بمؤتمر صحفي هنا وتصريح هناك، غير أن فيروس كورونا يحاصرني بأخباره، فإذا به يستحوذ عليّ مجددا.

انتهي من عملي وأبدا التحضير لجولة اخرى من واجباتي، أفكر بأن أعرّج في طريق العودة إلى المنزل على السوبرماركت، أخطط للزيارة وأتحضر لها نفسيا كما كنا نفعل عند اجتياز نقطة تماس بين منطقة وأخرى أيام الحرب الأهلية في لبنان.

أتأكد من وجود أدوات التعقيم التي باتت جزءا من أساسيات حربنا مع الفيروس. زيارة خاطفة كنت أقوم بها بشكل روتيني باتت تشكل عبئا إضافيا على يومياتي. أصل المنزل، لأدخل دوامة تعقيم كل ما أتيت به من الخارج ولأتعامل مع متطلبات المنزل والعائلة، هذا كله دون أن اخلع عني ثوب الصحفية، فعملنا لا يعترف بوقت أو خصوصية.

ما كنت أقوم به قبل أزمة فيروس كورونا هو نفسه ما أقوم به الآن لاسيما لجهة محاولة التوفيق قدر المستطاع بين واجباتي المهنية كامرأة عاملة ومسؤولياتي كأم وزوجة، الفرق الوحيد هو أني أشعر الآن كمن يحمل جبالا فوق كتفيه.