هنادي الخطيب

هنادي الخطيب - إسطنبول

قبل أن أخرج إلى الشارع للعمل على تقرير يخص حظر تجوال كبار السن في تركيا، وذلك في إطار إجراءات الحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، اعتقدت أن مهمتي ستستغرق معظم النهار، فلا يكفي أن ألتقي بشخص مسن خرق حظر التجوال وخرج من منزله، ولكن علي أن أقنعه بالحديث مع صحفية أجنبية، وللتعامل مع الصحافي الأجنبي في تركيا حكاية أخرى.
 
بعد عدة خطوات كان المشهد أشبه بالهدية التي تصل بدون مناسبة، رجل، يكسو الشيب شعره، يجر عربة محملة بألواح الخشب، يبدو من انحناءة ظهره أنه تجاوز السبعين.
 
اقتربت منه بهدوء مع عبارة محببة باللغة التركية "الله يقويك عمو"، والتفت بابتسامة عريضة ونظرة حنونة، بدت لي ساعتها نظرة أبوية قبل أن يرد التحية قائلا "أهلا وسهلا بنتي".
 
العم شرديار، لازلت أبحث عنه يوميا عند مروري في الشارع الذي صادفته فيه، رغم أنني تعرفت على كثير من الناس في عملي خلال زمن "كورونا" ومحاولتي الإحاطة بكل ما هو جديد حول الوباء في تركيا، إلا أنني لم أحاول البحث عنهم مجددا في الشوارع.
 
ولكن العم شرديار استولى على جزء من عاطفتي، عندما كنت أراقب ابتسامته أثناء حديثه، وثقته بأنه لن يصاب بكورونا لأن عمره 82 وليس 65.
 
ما كنت أفكر فيه حينها، أن شرديار الذي لا يستطيع الجلوس في منزله بسبب عدم تمتعه براتب تقاعدي، وإنما يعتمد على ما يجنيه خلال عمله اليومي.
 
ما كان يشغلني وقتها أن جلوس شرديار في منزله ربما يتسبب بوفاته كمدا، فالجلوس في المنزل أمر غير معتاد كبار السن في تركيا، فهم معتادون على قضاء وقتهم في الحدائق والمقاهي.. 

وكم بدت الحدائق شاحبة بدون أولئك الرجال الذين تتجاوز أعمارهم الـ65، وشرديار عدا عن عمله الذي لا يستطيع العيش بدونه، هو كأي مسن تركي، يقضي ساعات يومه بعد العمل على كرسي في الحديقة أو في ممارسة الهوية المفضلة عند معظم كبار السن "لعبة الطاولة" مع ارتشاف الشاي في أحد المقاهي.

وحين كنت استمع للعم شرديار، وددت أن أعانقه، ولكن خفت عليه من نفسي، هو الرجل المسن البالغ من العمر 82 عاما.. خشيت أن أنقل له الفيروس في حال كنت قد اصبت به خلال تنقلي في شوارع إسطنبول لتأدية واجبي المهني، فعدلت عن فكرة عناقه واكتفيت بالدعاء ان لا يصاب بالفيروس.

خشيت أن لن أرى شرديار مرة أخرى بعد زمن كورونا، الذي أجبر الناس على وضع الكمامة وارتداء القفازات والابتعاد عن بعضهم، الأمر الذي جعلني أشعر أنني في بلد ثان، ولست في تركيا، حيث السلام الحار بين الناس هو القاعدة وليس الاستثناء، وحيث يقف الشاب في الباص ليتيح لرجل مسن الجلوس، وحيث الصحافي الأجنبي يحتاج للكثير من الجهد لإقناع أي تركي بالحديث معه في الشارع.

أزمنة الأوبئة ليست وقتا ملائما للسبق الصحافي، ولكنها بالتأكيد الوقت الأنسب لجمع التناقضات، ما بين الخوف من الناس والحب الجارف لهم، وبين الهرب من العدوى والجري إليها بأقصى سرعة، وبالطبع بين أن أنسى أنني صحفية سورية يمكن أن تواجه رفضا من الأتراك، وصحفية تنشد الموضوعية كلما حاولت التقصي عن مشكلة تواجه السوريين في زمن كورونا.

هشام بورار

هشام بورار - واشنطن

صباح يوم الاثنين 16 مارس 2020، توجهت إلى البيت الأبيض كالمعتاد لإجراء مداخلة مباشرة لأتفاجأ بطابور من الصحافيين على غير المعتاد ينتظرون قياس حرارة أجسامهم من طرف ممرضة، يقف إلى جانبها ضابطان من الحرس السري يرتدون قفازات بلاستيكية زرقاء عند مدخل البوابة الشمالية للمبنى.   

لحظة امتزجت فيها مشاعر غير مألوفة بالخوف والقلق من المجهول في أكثر الأماكن أمنا في الكون، لأول مرة بعد أكثر من عقد ونصف من الزمن كنا خلالها شهودا على أحداث وحروب وقرارات مصيرية من المقاعد الأمامية للتاريخ.        

منذ ذلك اليوم، بدأت ظلال الخوف من "العدو الخفي" تخيم على مكان كان يعج بالحركة بين صحفيين يطاردون مسؤولين لجمع الأخبار ويهرعون إلى مواقع المداخلات المباشرة في حديقة البيت الأبيض. غرفة المؤتمرات الصحفية التي كانت تكتظ بالمراسلين أصبحت مقفرة خلال النهار، إلا خلال موعد المؤتمرات الصحافية اليومية "لفريق العمل لمكافحة فيروس كورونا".

في الجناح الغربي، عصب الحياة للبيت الأبيض، الذي يضم مكتب الرئيس الأميركي ومساعديه، بدت مكاتب كثيرة خالية بعد أن طلب من عدد من الموظفين العمل عن بعد من منازلهم كباقي مؤسسات الدولة.  

وبعد إعلان توجيهات فدرالية بالتباعد الاجتماعي لـ15 يوما، فرض البيت الأبيض قيودا غير مسبوقة تسمح فقط للمراسلين المكلفين بتغطية نشاطات الرئيس الأميركي بشكل يومي بالدخول إلى المبنى.

كما اعتمد تقسيما للمقاعد خلال المؤتمرات الصحفية على نحو يترك بعضها خاليا، لضمان وجود مسافة بين الحاضرين في غرفة صغيرة يدرك كل من يزورها شخصيا أن حجمها على شاشات التلفزة خدعة بصرية بارعة.

وقبل موعد المؤتمر الصحفي اليومي الذي يشارك فيه الرئيس دونالد ترامب، يقف طبيب عند باب الغرفة ليقيس درجة حرارتك مجددا، ثم تلصق ممرضة علامة على صدرك تثبت خلوك من أحد أعراض فيروس كورونا.

في الأسبوعين الأخيرين، كانت درجت حرارتي تقاس بمعدل خمس مرات يوميا لكثرة تنقلي بين غرفة الصحفيين وموقع المداخلات المباشرة في الحديقة، حتى أن إحدى الممرضات سألتني مازحة "إن كنت أحاول تحطيم رقم قياسي".  

لن أخفي أن في كل مرة تخبرني أن حرارتي طبيعية يساورني شعور غريب بالارتياح والسعادة، كتلميذ يتلقى علامة جيدة من مدرسته.  

يوم الاثنين 23 مارس، حدث ما كنا نخشاه كمراسلين ونعلم جيدا أنه سيحدث آجلا أم عاجلا. إعلان "رابطة مراسلي البيت الأبيض" عن الاشتباه بأول حالة إصابة بفيروس كورونا بين أحد الصحفيين المعتمدين.

الرابطة حثت الصحفيين على الاتصال بأطبائهم واتخاذ التدابير الضرورية للتأكد من عدم إصابتهم بالعدوى. حدث غير ما تبقى من ملامح التغطية الصحفية اليومية للبيت الأبيض.

استحضرت مقولة كان يكررها دائما فيليب تايلور، أستاذي في كلية الاعلام بجامعة ليدز البريطانية، بأنه "ليس يوما جيدا عندما يصبح الصحفي قصة الخبر".  

فحتى ذلك اليوم كانت أقرب حالة في محيط هذا المبنى إصابة موظف في مكتب نائب الرئيس الأميركي.

تغيرت ظروف العمل بسبب وباء يهدد بتغيير شكل الكون كما نعرفه، لكن طبيعة عمل المراسل تحتم عليه سرعة التأقلم للقيام بدور بات حيويا أكثر من أي وقت مضى لنقل الخبر إلى المشاهد عبر نافذته المتبقية على العالم، وهو ينتظر الجديد خلف أبواب الحجر الصحي.