علي الزبيدي - واشنطن
كنت في إجازة.. وكان طموحي أن نسافر، زوجتي وأنا، لقضاء بعض الوقت بعيدا عن صخب الأخبار وزحمة العمل اليومية.
خطتنا رسمت منذ أشهر، وتذاكرنا بل وحقائبنا كانت جاهزة. كان من المفترض أن نذهب إلى القاهرة ومن ثم إلى إسطنبول.. كل شيء تغير بغضون ساعات، وكل الآمال المعلقة على الإجازة المرتقبة تحولت لقلق من المجهول.
منتصف مارس ألغيت الرحلة، لتنتقل الإجازة من فرصة للاسترخاء إلى عمل دؤوب للتسوق والاستعداد لـ"عاصفة كورونا". أصفها بالعاصفة لأنني تذكرت عندما وصلت إلى الولايات المتحدة عام 2010 ضربت البلاد عاصفة ثلجية، كانت الأقوى منذ قرن من الزمن، حينها كان الجميع يهرع إلى المتاجر والصيدليات من أجل الاستعداد لذلك الحدث.
مشهدٌ لم أشهده منذ سنوات، لكنه لم يكن بعيدا عن ذاكرة علي، الشاب الصغير، الذي عاصر حروب العراق الطويلة منذ ثمانينيات القرن الماضي، حتى مطلع الألفية الجديدة.
هنا في واشنطن، بدأت صور القلق تبدو أكثر وضوحا مع مرور الأيام، الحكومة الفيدرالية بالإضافة إلى الحكومات المحلية في ولايتي فيرجينيا وميريلاند المجاورتين للعاصمة بدأتا بإجراءات للإغلاق التام لكل المحال التجارية والشركات غير الأساسية.
المدارس أغلقت، الساحات والمتنزهات العامة وكذلك أغلب وسائط النقل. ما نراه اليوم يوضح لنا أن الجميع معرض لخطر الكوارث ولا استثناء بين البشر إلا ما رحم ربي.
المختلف في "تسونامي" كورونا بأنه أقوى من أي شيء أو حدث أو كارثة شهدها العالم بأسره مؤخرا. في عصر ينتقل فيه الخبر إليك من أقاصي الأرض في ثوانٍ أصبح فايروس كورونا دليلا على أن العالم بأسره أقرب إلينا مما نتخيل.
هنا بدأت بالتفكير حول مستقبلنا كبشر، أنا وأنت قد نختلف في كثير من الأشياء والصفات لكننا نتشابه كثيرا في مستقبلنا الإنساني، على مواقع التواصل الاجتماعي كنت أرى البعض يشمت فيمن أصيبوا في دولٍ في الغرب أو في الشرق، بل وإن البعض يتمنى أن يضرب الفايروس قوما بعينهم أو فئة بذاتها، ولكن.. كيف يجرؤ الانسان بأن يتمنى السوء لأخيه في الإنسانية؟ كيف لنا أن ننعم بالأمن والطمأنينة ونحن نعلم بأن غيرنا يعاني من وباء يدق على أبوابنا صباح مساء؟ لماذا يتم تسييس الكوارث والأمراض؟
عدت اليوم إلى عملي، فرأيت أن حياة العمل تغيرت بذاتها وكأنني غبت أشهرا عن غرفة الأخبار وليس 15 يوما فقط. عدت محملا بحزن لما يحصل في العالم ويحدوني أمل بأن تنتصر الإنسانية على حدود التفرقة التي لم تنجح في إيقاف عاصفة القرن.. كورونا.