نريمان قداش

نريمان قداش - الجزائر 

فجأة استحوذ كورونا على نمط حياتنا، وأصبحنا آلة لعد المصابين والمتوفين والمتعافين، وشرع الفيروس في تغييرنا والعبث بأرواحنا، كما غير في مسار الزمن الاجتماعي لكل شعوب العالم، فلم تعد أيامنا بنفس الطعم ونفس الرائحةـ فقد تبدل إيقاع يومنا وبتنا نرتبه على نحو مغاير للعادة، حيث أصبح يومنا مشوبا بالريبة والحيطة وكأن كل من نراه هو حامل للفيروس.. هنا لا نستثني الصحفي، فهو يخاف ويحذر ويراعي أدوات السلامة. 

ومنذ تفشي الفيروس في الجزائر وظهور أولى الحالات، انقلبت معادلة التغطية فبعد أن كنا نهرع لمكان الحدث لننقل أولى صوره ونكون السباقين، بتنا نخشى من الاقتراب، فالاقتراب في زمن الكورونا يعني خطر الإصابة، وأنا كمراسلة مطالبة بوضع المشاهد في الصورة ونقلها له بكل أبعادها.. ولم أكن أتوقع أن أرتاب يوما من حمل الميكرفون وسيلة المراسل، فقد اختلف الوضع الآن كل شيء حولي يثير المخاوف، فالفيروس قد يكون في أي مكان، وهنا بدأت أبحث عن الإجابة للسؤال.. ماهي الأولوية؟؟

قصص في زمن الكورونا 

تسارعت الأحداث في الجزائر، المئات في المشافي وآخرون في الحجر الصحي وحظر تجوال جزئي، لكن أين أنا من كل هذا، فواجبي يقتضي تغطية دائمة ومتابعة للوضع على الأرض، لكن لأول مرة أستشعر الخوف من النزول إلى الشارع وسط المواطنين لأنقل صوتهم، ولأول مرة أرتاب عند اقتراب أحدهم مني.

بدأت هذه الحالة، عندما عرفت أن صديقا أصيب بالفيروس، وأدركت وقتها أن لا أحد مستثنى أو مميز، لأعود إلى البيت وأنا على يقين بعدم قدرتي على تقبيل والدتي، التي رمقني بنظرات من القلق والحيرة لتبدأ بالدعاء من جديد.. 

إجراءات الحكومة تزداد تشددا، يجب تقييم الوضع والنزول للشارع، ويحدث أن ألتقي بامرأة كانت ترمقني بنظراتها، فاقتربت منها لأسمعها تقول: لا أملك منزلا لألتزم بقرار الحجر، أنا أبيت في الشارع.. هل يمكنك مساعدتي أنت صحفية. 

وأضافت أن الشوارع خلت، فلا أجد أحدا يمدني بوجبة أو شربة ماء،.. وحين أضحى الالتزام بالبيت ضرورة تحول إلى نقمة عند آخرين، ففي شوارع العاصمة الجزائر آلاف المشردين.. من يتكفل بهم، وهم أكثر عرضة لالتقاط الفيروس.. أسئلة كثيرة تراودني وأود الإجابة عنها لكن لا سبيل لذلك فالعمل بات صعبا في زمن الكورونا..

عائلتي وأنا

ضعي القفازات ولا تلمسي أي شيء بيديك، كلمات أمي التي حلت محل دعوات كانت تقولها لي عند خروجي كل يوم من البيت، فالوضع اختلف الآن ولم تعد تهتم لترى تقريري في النهاية، كلمات التشجيع التي يقولها والدي لم تعد تصدر عنه.. لا كلمة تعلو عن التحذير والنصائح التي لا تنتهي، فكم تغير الوضع وبعد أن كان عملي مفخرة عند أهلي تحول إلى كابوس.. فهم يعدون الساعات والدقائق لأعود إلى البيت وتفحصني والدتي عبر لمس جبيني، فهي تظن أن الفيروس يبدأ بارتفاع الحرارة..

متى ينتهي "الكورونا" لنعود الى تفاصيل حياتنا الروتينية التي نشتاق إليها مع كل لحظة خوف وقلق تمر، لا نعرف.. لكن الثابت في كل زمان ومكان أن على الصحفي التعايش مع مختلف الظروف للاستمرار في نقل الحقيقة.
 

هشام بورار

هشام بورار - واشنطن

صباح يوم الاثنين 16 مارس 2020، توجهت إلى البيت الأبيض كالمعتاد لإجراء مداخلة مباشرة لأتفاجأ بطابور من الصحافيين على غير المعتاد ينتظرون قياس حرارة أجسامهم من طرف ممرضة، يقف إلى جانبها ضابطان من الحرس السري يرتدون قفازات بلاستيكية زرقاء عند مدخل البوابة الشمالية للمبنى.   

لحظة امتزجت فيها مشاعر غير مألوفة بالخوف والقلق من المجهول في أكثر الأماكن أمنا في الكون، لأول مرة بعد أكثر من عقد ونصف من الزمن كنا خلالها شهودا على أحداث وحروب وقرارات مصيرية من المقاعد الأمامية للتاريخ.        

منذ ذلك اليوم، بدأت ظلال الخوف من "العدو الخفي" تخيم على مكان كان يعج بالحركة بين صحفيين يطاردون مسؤولين لجمع الأخبار ويهرعون إلى مواقع المداخلات المباشرة في حديقة البيت الأبيض. غرفة المؤتمرات الصحفية التي كانت تكتظ بالمراسلين أصبحت مقفرة خلال النهار، إلا خلال موعد المؤتمرات الصحافية اليومية "لفريق العمل لمكافحة فيروس كورونا".

في الجناح الغربي، عصب الحياة للبيت الأبيض، الذي يضم مكتب الرئيس الأميركي ومساعديه، بدت مكاتب كثيرة خالية بعد أن طلب من عدد من الموظفين العمل عن بعد من منازلهم كباقي مؤسسات الدولة.  

وبعد إعلان توجيهات فدرالية بالتباعد الاجتماعي لـ15 يوما، فرض البيت الأبيض قيودا غير مسبوقة تسمح فقط للمراسلين المكلفين بتغطية نشاطات الرئيس الأميركي بشكل يومي بالدخول إلى المبنى.

كما اعتمد تقسيما للمقاعد خلال المؤتمرات الصحفية على نحو يترك بعضها خاليا، لضمان وجود مسافة بين الحاضرين في غرفة صغيرة يدرك كل من يزورها شخصيا أن حجمها على شاشات التلفزة خدعة بصرية بارعة.

وقبل موعد المؤتمر الصحفي اليومي الذي يشارك فيه الرئيس دونالد ترامب، يقف طبيب عند باب الغرفة ليقيس درجة حرارتك مجددا، ثم تلصق ممرضة علامة على صدرك تثبت خلوك من أحد أعراض فيروس كورونا.

في الأسبوعين الأخيرين، كانت درجت حرارتي تقاس بمعدل خمس مرات يوميا لكثرة تنقلي بين غرفة الصحفيين وموقع المداخلات المباشرة في الحديقة، حتى أن إحدى الممرضات سألتني مازحة "إن كنت أحاول تحطيم رقم قياسي".  

لن أخفي أن في كل مرة تخبرني أن حرارتي طبيعية يساورني شعور غريب بالارتياح والسعادة، كتلميذ يتلقى علامة جيدة من مدرسته.  

يوم الاثنين 23 مارس، حدث ما كنا نخشاه كمراسلين ونعلم جيدا أنه سيحدث آجلا أم عاجلا. إعلان "رابطة مراسلي البيت الأبيض" عن الاشتباه بأول حالة إصابة بفيروس كورونا بين أحد الصحفيين المعتمدين.

الرابطة حثت الصحفيين على الاتصال بأطبائهم واتخاذ التدابير الضرورية للتأكد من عدم إصابتهم بالعدوى. حدث غير ما تبقى من ملامح التغطية الصحفية اليومية للبيت الأبيض.

استحضرت مقولة كان يكررها دائما فيليب تايلور، أستاذي في كلية الاعلام بجامعة ليدز البريطانية، بأنه "ليس يوما جيدا عندما يصبح الصحفي قصة الخبر".  

فحتى ذلك اليوم كانت أقرب حالة في محيط هذا المبنى إصابة موظف في مكتب نائب الرئيس الأميركي.

تغيرت ظروف العمل بسبب وباء يهدد بتغيير شكل الكون كما نعرفه، لكن طبيعة عمل المراسل تحتم عليه سرعة التأقلم للقيام بدور بات حيويا أكثر من أي وقت مضى لنقل الخبر إلى المشاهد عبر نافذته المتبقية على العالم، وهو ينتظر الجديد خلف أبواب الحجر الصحي.