فاطمة بوغنبور

فاطمة بوغنبور - الرباط 

يحدث أن تسير راضيا مرضيا في حياة روتينية وقد انضبطت حواسك لإيقاعها حتى ينهار فوقك جبل جليد، الأمر الذي من شأنه أن يصيبك بدوار.

بدأت الحكاية بأخبار قادمة من الشق الآخر من العالم تتحدث عن فيروس جديد، لم أعرها اهتماما لعلها موضة كل عام، فيروس جديد يشتغل العالم قليلا ثم يخبو.

تذكرت فصولا من رواية الجحيم للكاتب الأميركي، دان براون، حيث يمتزج الواقع بخيال مرعب بنظرية المؤامرة، لكن بطل الرواية البرفيسور روبرت لانغدون رفقة الطبيبة الفاتنة سينا بروكس أنقذا العالم من شرور زوبريست عبقري الجينات والفيروسات، الذي ابتكر فيروسا يهدد بنسف الحق في الحياة لدى ثلت البشرية. 

جلت بخاطري بين سراديب فلورنسا وآيا صوفيا وشوارع روما ومرافق وممرات منظمة الصحة العالمية، أرافق الأبطال بلهاث في سعيهم للانتصار على مخططات صانعي الفيروس المرعب لتدمير الأرض بشكل مروع، إذا فقد لا يعدو الأمر أن يكون نكتة سمجة أو فصلا من رواية (أنفرنو) المستلهمة، وللصدفة من فصلي الجحيم والمطهر في الكوميديا الإلهية لدانتي ألغيري، أحد أعظم الأعمال الأدبية التي أنتجتها إيطاليا في العصور الوسطى.

لهذا قلت ستمر غيمتها الصيفية كما مرت سارس و ميرس و إنفلونزا الخنازير وقبلها الطيور، لكن الأمر لم يكن كذلك، أدركت ذلك، مع بلاغ حكومي يعلن عن تسجيل أول حالة في المغرب، وبعد يومين ارتفع العدد إلى عشرة، ليتضاعف عقب ذلك، ويستمر المنحى في تصاعد مخيف وسط توالي الإجراءات الاحترازية التي شملت منع التجمهر لأكثر من ألف شخص فـ50، فـ10 وصولا إلى 3 أشخاص فقط، قبل أن يتم إلغاء المهرجانات وإقفال الأسواق والمساجد والمسارح والحمامات ودور السينما، فإعلان الطوارئ وحظر التجوال، رباه ماذا يحدث حولي.  

تتواصل القرارات كتساقط أوراق الخريف في ليلة عاصفة بذئاب تعوي ورياح عاتية، في السابق كنت أرى مهنتي ترفا ومتعة تناقض مع لقب "درب المتاعب"، وكثيرا ما قارنت نهاية التقرير المصور الذي أعده أمام منصة مهرجان راقص أو في حقل فراولة مع تقارير زملاء المهنة في ميادين الحروب بين لعلة الرصاص، بملامحهم الجادة وستراتهم الوقائية الصفراء وقد كتب عليها بالخط العريض: صحافة. 

اعتقدت حتى وقت قريب أن محطتي المهنية الأقرب لعوالم المتاعب الحقة هي في تغطية حراك عشرين فبراير، الذي أتت به رياح الربيع العربي إلى أقصى المغرب قبل تسع سنوات. 

وثّقت عدستي أولى الهتافات، اهتزت مشاعري رغم واجب الحياد الصحفي لشعارات عيش كرامة حرية، الشعب يريد إسقاط الفساد، اخترقت حينها كالمجنونة صفوف المظاهرات واستقليت عربة قادة الاحتجاج ومتزعمي المسيرة التي تردد صدى مطالبها في خمسين مدينة مغربية. 

تمنيت لو امتلكت كاميرا تستطيع التقاط الأنفاس وقياس حرارة المشاعر، أحسست أنني شاهدة على عصر وقد أصبح في حوزتي ما سأرويه لاحقا. 

فتجربة تغطية الربيع العربي في نسخته المغربية ممثلة في حركة عشرين فبراير وما تلاها من إسقاط للحكومة وتغيير للدستور وانتخابات مبكرة، صقلت جزءا من قلمي الصحفي وأثرت جانبا من تكويني السياسي. 

بدرجة أقل، صار على هذا المنوال حراك الريف حيث ارتفعت المطالب الاجتماعية التي تنادي بالتغيير نحو الأفضل، تجمع تلابيبها في تقرير صحفي تذهب بعده إلى بيتك لتنام قرير العين، حتى حضر اللعين. 

صحيح لقد تمنيت تغطية حرب ما، وعلى وجه الخصوص الحرب ضد داعش، لكن ما لم أتوقعه يوما أن أسير في حقل ملغم بفيروس غامض، وأنا أخوض حربا ضد كائن مجهري. 

ذكره في كل مكان، في نشرات الأخبار في محطات الراديو في السيارة، في أجندتك اليومية والأسبوعية، في كل تقاريرك ومداخلاتك المباشرة. 

كابوس يتخلل يقظتك كما نومك المتقطع، فجأة تحول المكتب لمختبر لكل أشكال المعقمات، وغاب التقارب والسلام بين الزملاء، ليصبح الميكروفون بين يدي حاضنة محتملة لعدو خفي، أمده لضيوفي على استحياء وهم يبتعدون أو يرفضون أو يمتنعون. 

أرفض زيارة أمي وأبي نهاية الأسبوع خوفا من هاجس يطاردني يؤرقني يدفعني للبحث عن الأعراض على الشبكة العنكبوتية، عند كل سعلة أو إحساس عابر بالتعب.

وفي أحد الأيام، عثرت على خلية أطباء نفسيين يشاركون تطوعا في مكافحة تداعيات أزمة "كوفيد-19"، وخلال حديثي مع أحدهم في إطار تقرير تلفزيوني كنت أعده، سألته: هل متابعة أخبار المرض نفسه تنتج أعراضا مماثلة لأعراضه؟ أصغي له بكل جوارحي، الجواب عن هذا السؤال يهمني شخصيا كما يهم من سيشاهد التقرير. 

نجول بين الطرقات الخالية والمنازل المقفلة في مدن تحولت لمدن أشباح، ننقب عن أخبار "اللعين الخفي"، عن تداعياته، عن كم الخوف والرهبة وحالة عدم الفهم أحيانا. 

إننا في حرب، وفق ما تقول الحكومة، والعدو قاتل بالتسلسل لا يمتلك تأشيرة، ذكي هلامي زئبقي غير مرئي، وأنت كمراسل صحفي دورك بعد أن تستعيد شجاعتك أن تتعقبه وتطارده، وتطرد أيضا الخوف من النفوس. أن تبحث عن قصص وأفكار حول الأمل والتفاؤل وسط لجة التيه والهلع، أن تفرز الحقائق من بين ركام الشائعات والأخبار الكاذبة التي حاكت الأساطير حول كورونا الملعون، كما هجتها بعض النسوة على مسامعي. 

في نهاية يوم عمل طويل، أعود إلى بيتي مثقلة بالشك والهواجس وقد تحول كل من صادفته في يومي إلى مصاب محتمل، كما ناشدتنا قاعدة الوقاية الصينية (تعامل مع كل شخص على أنه مصاب وعامل الجميع على أنك مصاب).

أعود متعبة وقد صادقت في طريقي الكئيب والخالي من البشر رجال شرطة وهم يضعون كمامات طبية في حواجز التفتيش الأمنية، يلوحون لي بتحية نضال وتضامن بعد أن حفظوا صفتي المهنية، وكأن لسان حالهم يقول لي نحن في خط الدفاع الأول في المعركة سيدتي.. إعلام وأمن وأطباء.. هذا عدو قلب الطاولة في وجه الكون، هذه حرب وأنت لطالما تمنيت تغطية الحروب.  

هشام بورار

هشام بورار - واشنطن

صباح يوم الاثنين 16 مارس 2020، توجهت إلى البيت الأبيض كالمعتاد لإجراء مداخلة مباشرة لأتفاجأ بطابور من الصحافيين على غير المعتاد ينتظرون قياس حرارة أجسامهم من طرف ممرضة، يقف إلى جانبها ضابطان من الحرس السري يرتدون قفازات بلاستيكية زرقاء عند مدخل البوابة الشمالية للمبنى.   

لحظة امتزجت فيها مشاعر غير مألوفة بالخوف والقلق من المجهول في أكثر الأماكن أمنا في الكون، لأول مرة بعد أكثر من عقد ونصف من الزمن كنا خلالها شهودا على أحداث وحروب وقرارات مصيرية من المقاعد الأمامية للتاريخ.        

منذ ذلك اليوم، بدأت ظلال الخوف من "العدو الخفي" تخيم على مكان كان يعج بالحركة بين صحفيين يطاردون مسؤولين لجمع الأخبار ويهرعون إلى مواقع المداخلات المباشرة في حديقة البيت الأبيض. غرفة المؤتمرات الصحفية التي كانت تكتظ بالمراسلين أصبحت مقفرة خلال النهار، إلا خلال موعد المؤتمرات الصحافية اليومية "لفريق العمل لمكافحة فيروس كورونا".

في الجناح الغربي، عصب الحياة للبيت الأبيض، الذي يضم مكتب الرئيس الأميركي ومساعديه، بدت مكاتب كثيرة خالية بعد أن طلب من عدد من الموظفين العمل عن بعد من منازلهم كباقي مؤسسات الدولة.  

وبعد إعلان توجيهات فدرالية بالتباعد الاجتماعي لـ15 يوما، فرض البيت الأبيض قيودا غير مسبوقة تسمح فقط للمراسلين المكلفين بتغطية نشاطات الرئيس الأميركي بشكل يومي بالدخول إلى المبنى.

كما اعتمد تقسيما للمقاعد خلال المؤتمرات الصحفية على نحو يترك بعضها خاليا، لضمان وجود مسافة بين الحاضرين في غرفة صغيرة يدرك كل من يزورها شخصيا أن حجمها على شاشات التلفزة خدعة بصرية بارعة.

وقبل موعد المؤتمر الصحفي اليومي الذي يشارك فيه الرئيس دونالد ترامب، يقف طبيب عند باب الغرفة ليقيس درجة حرارتك مجددا، ثم تلصق ممرضة علامة على صدرك تثبت خلوك من أحد أعراض فيروس كورونا.

في الأسبوعين الأخيرين، كانت درجت حرارتي تقاس بمعدل خمس مرات يوميا لكثرة تنقلي بين غرفة الصحفيين وموقع المداخلات المباشرة في الحديقة، حتى أن إحدى الممرضات سألتني مازحة "إن كنت أحاول تحطيم رقم قياسي".  

لن أخفي أن في كل مرة تخبرني أن حرارتي طبيعية يساورني شعور غريب بالارتياح والسعادة، كتلميذ يتلقى علامة جيدة من مدرسته.  

يوم الاثنين 23 مارس، حدث ما كنا نخشاه كمراسلين ونعلم جيدا أنه سيحدث آجلا أم عاجلا. إعلان "رابطة مراسلي البيت الأبيض" عن الاشتباه بأول حالة إصابة بفيروس كورونا بين أحد الصحفيين المعتمدين.

الرابطة حثت الصحفيين على الاتصال بأطبائهم واتخاذ التدابير الضرورية للتأكد من عدم إصابتهم بالعدوى. حدث غير ما تبقى من ملامح التغطية الصحفية اليومية للبيت الأبيض.

استحضرت مقولة كان يكررها دائما فيليب تايلور، أستاذي في كلية الاعلام بجامعة ليدز البريطانية، بأنه "ليس يوما جيدا عندما يصبح الصحفي قصة الخبر".  

فحتى ذلك اليوم كانت أقرب حالة في محيط هذا المبنى إصابة موظف في مكتب نائب الرئيس الأميركي.

تغيرت ظروف العمل بسبب وباء يهدد بتغيير شكل الكون كما نعرفه، لكن طبيعة عمل المراسل تحتم عليه سرعة التأقلم للقيام بدور بات حيويا أكثر من أي وقت مضى لنقل الخبر إلى المشاهد عبر نافذته المتبقية على العالم، وهو ينتظر الجديد خلف أبواب الحجر الصحي.