محمد سيف - دبي
"الحرب بيننا يا كورونا أشبه بالمضاربة في البورصة.. قد أخسر اليوم في سهم معين، ولكن سأحتفظ بهذا السهم واثقا من أنني سأربح في الجلسات القادمة".
بداية دخول هذا الكائن إلى حياتي، والتي من خلالها حصلت على لقب "مراسل سباق الكورونا"، كانت في 28 فبراير، وفي أثناء استعدادي لرحلة إلى أبوظبي لتغطية الجولة الخامسة من طواف الإمارات للدراجات الهوائية.
وقبل التحرك في رحلتي الطويلة فوجئت باتصال هاتفي من اللجنة المنظمة لإبلاغي أن السباق قد ألغي بعد اكتشاف حالتي إصابة بين الدراجين من الجنسية الإيطالية، وطلب مني المتصل الخضوع لفحص طبي، وكانت إجابتي حاضرة بأنني لم أجر أية أحاديث صحفية مع الدراجين ولكن عملي اقتصر على مداخلة مباشرة من موقع انطلاق السباق، وكانت هذه هي بداية التعارف بيننا أنا وكورونا.
لم أعر الأمر اهتماما كبيرا، وواصلت عملي المعتاد وأجريت اتصال هاتفي لتأكيد موعد لقاء مع الملحق الإعلامي الصيني في دبي، للإجابة عن عدة استفسارات متعلقة بطلب تقدمت به للسفر إلى هونغ كونغ لتغطية الاضطرابات هناك.
وبالفعل توجهت للقنصلية الصينية لمقابلة الرجل، وعند وصولي فوجئت برواد فضاء يرتدون البدلات البيضاء الوقائية ويحملون مسدسات بيضاء أيضا، مهلا إنهم ليسوا رواد فضاء ولكنهم من الجناح الطبي والأسلحة في أيديهم ماهي إلا مقياس لحرارة الجسم، هذا ما أدركته عندما بدأوا عملية الفحص الدقيق لي، حتى ظننت أنني في طريقي لغرفة العمليات ثم اقتادوني إلى غرفة خالية تماما إلا من جهاز كمبيوتر محمول، قالوا لي إن الملحق الإعلامي سيتواصل معك من خلاله.
وبالفعل، دقائق معدودة وتحدث معي الرجل معتذرا عن قبول طلبي للسفر إلى هونغ كونغ، مبررا ذلك بأن الصين تتعرض لأسوأ مواجهة مع فيروس ينتشر في مدينة ووهان.
هنا تنبهت أن هذا الفيروس سيعيد تشكيل عملي في المرحلة المقبلة، خاصة مع الإجراءات المتخذة في الإمارات من إغلاق الشواطئ والمراكز التجارية، ومنع التحرك من الساعة الثامنة مساء إلى السادسة صباحا، وهو توقيت برنامج التعقيم اليومي – ما يشبه حظر التجول -.
وبدأت في البحث عن وسيلة أثبت بها لهذا الفيروس أنني مازلت قادرا على العمل في وجوده، لذا شرعت في إعداد تقرير عن إغلاق الشواطئ ورتبت بالفعل لتصويره في اليوم التالي.
خطة تصوير تقرير "إغلاق الشواطئ في دبي"، تركزت على التصوير في شاطئ مفتوح نمتلك فيه كل التصاريح من الهيئات الرسمية وأعرفه جيدا، ولكن بعد دقائق من التصوير فوجئت برجل خمسيني يرتدي ملابس مدنية يعدو باتجاهنا بسرعة تفوقت على بطل العالم في عدو المسافات الصغيرة.
وعندما اخبرته بأنني أمتلك التصاريح اللازمة، قال بنبرة حاسمة "الكورونا ألغت التصاريح".
عدت إلى مكتبي لإنهاء التقرير وإرساله للزملاء في المقر الرئيس لقناة الحرة، واندمجت في العمل بصورة لم أتذكر معها أن الساعة قاربت الثامنة مساء، وأنني لن أستطيع السير في الشارع للوصول إلى منزلي.
مهلا تبقى 30 دقيقة لدخول موعد منع التجول، قد أستطيع الوصول إذا اسرعت قليلا، هنا بدأت في القيادة كالمجنون للوصول إلى بيتي قبل الإغلاق التام للشوارع، ولكن في منتصف الطريق تلقيت رسالة على هاتفي المحمول ببدء برنامج التعقيم ومنع السير أو القيادة في الشارع.
أوقفت السيارة وأيقنت أن "الكورونا" اتخذت قرار بإجباري على النوم في سيارتي حتى السادسة صباحا، وتخيلتها ضاحكة ساخرة مني قائلة: "هذا مصيرك أيها المراسل عندما جرأت على تحدي كورونا".