وليم عزام

وليم عزام - بيروت 

متعة العمل الميداني في مهنتنا لم يقو عليها سابقاً أي ظرف، لا حروب عسكرية ولا قتل ولا اعتقال ولا قمع ولا غاز مسيل للدموع ولا تدافع ولا صدامات ولا احتجاجات ولا تظاهرات، بل على العكس كانت تلك الظروف تشكل أحيانا تحديا ومحفّزاً لمزيد من الإبداع.

ولكن.. هل تغيّر الوضع الآن؟ أدّعي أن الكثير من الزملاء وأنا في عدادهم لا يستسلمون بسهولة للجواب البديهي وهو "نعم تغيّر الوضع".. إلا أن هذا العناد والإصرار على المواجهة لا يعنيان المكابرة، وعدم الاعتراف بأن شيئاً ما قد تبدّل.

"نعم حصل"، والصورة أعلاه دليل واضح على ذلك، إنما بقيت متعة العمل الميداني وإنْ تأقلمت هذه المتعة مع "المستجد" وارتدتْ حلّة غير تقليدية، وانتقلتْ إلى مرحلة الابتكار وبأدوات أقل من عادية إلى حد البساطة، كي تمعن هذه المتعة المتجذّرة في عقل ومشاعر ووجدان المراسل في وقايته وتأمين الحماية له، ولمن أدمن المخاطرة واحترف السير على حافة الهاوية.. حتى ولو كانت الهاوية اليوم تتلبّس شكل كورونا.. 

أما بعد، فإن من عطايا هذه الفترة الحرجة من تفشي هذا الفيروس، إضافةً إلى التآخي مع المتاعب، التمسك بالدقة، ونهج السرعة من دون تسرّع، واستخدام الاحتياطي من أرصدة المرونة، أي محاكاة الواقع، الصبر، استيعاب الغضب، والتحديق في العيون تحسّباً لأي خطوة قد تخرق حدود المسافة الآمنة للفوز في سباق غير متكافئ طالما أن "العدو غير مرئي"..

ولعل تعزيز التحلّي بالإيجابية وفق مقولة "النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب" أيضاً من منح وضعنا الحالي.. 

يبقى الأصعب هو الألم الذي يعترينا عندما نرى ونسمع تمنيات الإصابة بالوباء على الموت جوعاً.. وكذلك عندما ألمس الاستغراب والتعجّب من شكلي مدجّجاً بالكمامات والنظارات والقفازات، وكأنني كائن فضائي.. حدثَ معي في أسواق طرابلس شمالي لبنان في زمن كورونا.

هشام بورار

هشام بورار - واشنطن

صباح يوم الاثنين 16 مارس 2020، توجهت إلى البيت الأبيض كالمعتاد لإجراء مداخلة مباشرة لأتفاجأ بطابور من الصحافيين على غير المعتاد ينتظرون قياس حرارة أجسامهم من طرف ممرضة، يقف إلى جانبها ضابطان من الحرس السري يرتدون قفازات بلاستيكية زرقاء عند مدخل البوابة الشمالية للمبنى.   

لحظة امتزجت فيها مشاعر غير مألوفة بالخوف والقلق من المجهول في أكثر الأماكن أمنا في الكون، لأول مرة بعد أكثر من عقد ونصف من الزمن كنا خلالها شهودا على أحداث وحروب وقرارات مصيرية من المقاعد الأمامية للتاريخ.        

منذ ذلك اليوم، بدأت ظلال الخوف من "العدو الخفي" تخيم على مكان كان يعج بالحركة بين صحفيين يطاردون مسؤولين لجمع الأخبار ويهرعون إلى مواقع المداخلات المباشرة في حديقة البيت الأبيض. غرفة المؤتمرات الصحفية التي كانت تكتظ بالمراسلين أصبحت مقفرة خلال النهار، إلا خلال موعد المؤتمرات الصحافية اليومية "لفريق العمل لمكافحة فيروس كورونا".

في الجناح الغربي، عصب الحياة للبيت الأبيض، الذي يضم مكتب الرئيس الأميركي ومساعديه، بدت مكاتب كثيرة خالية بعد أن طلب من عدد من الموظفين العمل عن بعد من منازلهم كباقي مؤسسات الدولة.  

وبعد إعلان توجيهات فدرالية بالتباعد الاجتماعي لـ15 يوما، فرض البيت الأبيض قيودا غير مسبوقة تسمح فقط للمراسلين المكلفين بتغطية نشاطات الرئيس الأميركي بشكل يومي بالدخول إلى المبنى.

كما اعتمد تقسيما للمقاعد خلال المؤتمرات الصحفية على نحو يترك بعضها خاليا، لضمان وجود مسافة بين الحاضرين في غرفة صغيرة يدرك كل من يزورها شخصيا أن حجمها على شاشات التلفزة خدعة بصرية بارعة.

وقبل موعد المؤتمر الصحفي اليومي الذي يشارك فيه الرئيس دونالد ترامب، يقف طبيب عند باب الغرفة ليقيس درجة حرارتك مجددا، ثم تلصق ممرضة علامة على صدرك تثبت خلوك من أحد أعراض فيروس كورونا.

في الأسبوعين الأخيرين، كانت درجت حرارتي تقاس بمعدل خمس مرات يوميا لكثرة تنقلي بين غرفة الصحفيين وموقع المداخلات المباشرة في الحديقة، حتى أن إحدى الممرضات سألتني مازحة "إن كنت أحاول تحطيم رقم قياسي".  

لن أخفي أن في كل مرة تخبرني أن حرارتي طبيعية يساورني شعور غريب بالارتياح والسعادة، كتلميذ يتلقى علامة جيدة من مدرسته.  

يوم الاثنين 23 مارس، حدث ما كنا نخشاه كمراسلين ونعلم جيدا أنه سيحدث آجلا أم عاجلا. إعلان "رابطة مراسلي البيت الأبيض" عن الاشتباه بأول حالة إصابة بفيروس كورونا بين أحد الصحفيين المعتمدين.

الرابطة حثت الصحفيين على الاتصال بأطبائهم واتخاذ التدابير الضرورية للتأكد من عدم إصابتهم بالعدوى. حدث غير ما تبقى من ملامح التغطية الصحفية اليومية للبيت الأبيض.

استحضرت مقولة كان يكررها دائما فيليب تايلور، أستاذي في كلية الاعلام بجامعة ليدز البريطانية، بأنه "ليس يوما جيدا عندما يصبح الصحفي قصة الخبر".  

فحتى ذلك اليوم كانت أقرب حالة في محيط هذا المبنى إصابة موظف في مكتب نائب الرئيس الأميركي.

تغيرت ظروف العمل بسبب وباء يهدد بتغيير شكل الكون كما نعرفه، لكن طبيعة عمل المراسل تحتم عليه سرعة التأقلم للقيام بدور بات حيويا أكثر من أي وقت مضى لنقل الخبر إلى المشاهد عبر نافذته المتبقية على العالم، وهو ينتظر الجديد خلف أبواب الحجر الصحي.