وليم عزام - بيروت
متعة العمل الميداني في مهنتنا لم يقو عليها سابقاً أي ظرف، لا حروب عسكرية ولا قتل ولا اعتقال ولا قمع ولا غاز مسيل للدموع ولا تدافع ولا صدامات ولا احتجاجات ولا تظاهرات، بل على العكس كانت تلك الظروف تشكل أحيانا تحديا ومحفّزاً لمزيد من الإبداع.
ولكن.. هل تغيّر الوضع الآن؟ أدّعي أن الكثير من الزملاء وأنا في عدادهم لا يستسلمون بسهولة للجواب البديهي وهو "نعم تغيّر الوضع".. إلا أن هذا العناد والإصرار على المواجهة لا يعنيان المكابرة، وعدم الاعتراف بأن شيئاً ما قد تبدّل.
"نعم حصل"، والصورة أعلاه دليل واضح على ذلك، إنما بقيت متعة العمل الميداني وإنْ تأقلمت هذه المتعة مع "المستجد" وارتدتْ حلّة غير تقليدية، وانتقلتْ إلى مرحلة الابتكار وبأدوات أقل من عادية إلى حد البساطة، كي تمعن هذه المتعة المتجذّرة في عقل ومشاعر ووجدان المراسل في وقايته وتأمين الحماية له، ولمن أدمن المخاطرة واحترف السير على حافة الهاوية.. حتى ولو كانت الهاوية اليوم تتلبّس شكل كورونا..
أما بعد، فإن من عطايا هذه الفترة الحرجة من تفشي هذا الفيروس، إضافةً إلى التآخي مع المتاعب، التمسك بالدقة، ونهج السرعة من دون تسرّع، واستخدام الاحتياطي من أرصدة المرونة، أي محاكاة الواقع، الصبر، استيعاب الغضب، والتحديق في العيون تحسّباً لأي خطوة قد تخرق حدود المسافة الآمنة للفوز في سباق غير متكافئ طالما أن "العدو غير مرئي"..
ولعل تعزيز التحلّي بالإيجابية وفق مقولة "النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب" أيضاً من منح وضعنا الحالي..
يبقى الأصعب هو الألم الذي يعترينا عندما نرى ونسمع تمنيات الإصابة بالوباء على الموت جوعاً.. وكذلك عندما ألمس الاستغراب والتعجّب من شكلي مدجّجاً بالكمامات والنظارات والقفازات، وكأنني كائن فضائي.. حدثَ معي في أسواق طرابلس شمالي لبنان في زمن كورونا.