Lebanese army soldiers patrol in the market of the Palestinian refugee camp of Sabra, south of the capital Beirut, as measures…
دورية لعناصر من الجيش اللبناني في مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين (جنوبي بيروت) لتطبيق قرارات الحد من التجول لمنع انتشار فيروس كورونا

من لبنان إلى العراق، ومن إيران إلى مصر ودول الخليج العربي، مرورا بتركيا وسوريا وغيرها من بلدان شرق المتوسط المتشابهة، صارت أزمة كورونا مناسبة استثنائية لأن تُظهر سلطات حكم هذه الجغرافيات والمجتمعات كامل لاوعيها وديناميكيات أفعالها التقليدية، حتى منها تلك التي كانت قد تجاوزتها نسبيا، أو غدت تمارسها على "حياء" ومواربة.

فكورونا، باعتبارها فظاعة عامة، واستعارة عن حرب مطلقة تُشن على المجتمعات والمتن العام، فإنها ظرف مثالي لاستدعاء سلطة عمومية مطلقة الصلاحية، حربية الأدوات والسلوكيات، أبوية القيم والرموز. سلطة تأمر فتُطاع، دون نقاش أو مراجعة، وبالتالي خارج أي نقد أو أي حلم بالمحاسبة.

طوال تاريخها الحديث، خلال العقود الخمسة الأخيرة على الأقل، كانت مختلف أنماط الحكم السياسي في بلداننا، تحوي شيئا كثيرا من ذلك، وإن كانت قد ترهلت بنسب مختلفة، بسبب تحولات مركبة طرأت على بنى تلك المجتمعات، وعلى علاقتها مع متن السلطة العامة في بلدانها. لكن أولا بسبب فقدانها للمناسبات الاستثنائية التي مثل هذه لفترة طويلة. فآخر حرب طويلة بين دولتين شهدتها المنطقة كانت قبل ثلاثة عقود، وأهم صراعات المنطقة صارت تفتقد لياقتها، وصارت التناقضات الأكثر حضورا هي بين السلطات الحاكمة ومجتمعاتها.

السلطات في لبنان والعراق والجزائر فرحة لأن آلية تعاطيها مع كورونا فرضت حظرا على أية احتجاج

لذا، فإن أزمة كورونا، بما وفرته من شروط ومناخات، منحت سلطات الحكم هذه فرصة لإعادة ترتيب موقعها وشكل علاقتها مع المجتمعات المحكومة، ساعية لمراكمة المزيد من القوة لصالحها، ومعها ديناميكيات شديدة الإحكام للضبط العام، لأن تكون هيمنتها العامة مطلقة وأبدية.

هذه السلطات حينما تفعل ذلك، إنما تستعيد أمجادها السابقة، وقتما كانت منجرفة لإنتاج وتشييد المجتمعات المحكومة نفسها، لتكون متوافقة وموافية لمواصفات وشروط هذه السلطات. فنوعية السلطات في بلداننا، حسب التصنيفات الشهيرة للكاتبة الألمانية حنة أرندنت، هي مزيج مريع من السلطانية التقليدية مع الشموليات الفاشية الحديثة، أي نتيجة الجمع بين الأبوية الفوقية بمؤسسات القمع العام شديدة الفاعلية، "الحديثة". فهي كانت وما تزال تواقة لأن تصبح آلة ضخمة لتحطيم الكم الهائل من المدخلات والتأثيرات التي أنتجت هذه المجتمعات نفسها عبرها، وتسعى لأن تكون هي ـ السلطات الحاكمة ـ المنتج الوحيد لهذه المجتمعات.

♦♦♦

لم تكن أفعال واستراتيجيات سلطات بلداننا شبيهة بتلك التي اتخذتها بلدان أخرى، الديمقراطية منها على الأقل. إذ صحيح أن بعض تلك الإجراءات قد تكون ضرورية وصحية تماما لتفادي انتشار الوباء، لكن إلى جانب ذلك الفعل، فإن سلوكياتها كانت تشي بالكثير من الرغبة والتطلع لاستغلال الموقف، وأن تكون كل خطوة من أفعالها لبنة في جدار قلعة الزعامة والهيمنة والقداسة التي تشيدها حول نفسها ورجالاتها وقادتها المكرسين.

فالسلطات في لبنان والعراق والجزائر كانت فرحة لأن آلية تعاطيها مع كورونا فرضت حظرا كاملا على أية مظاهر احتجاجية سابقة، كانت قد اجتاحت هذه البلدان منذ شهور كثيرة، وكانت تهدد باقتلاع سلطات تلك البلدان من جذورها. في سوريا، ستعيد كورونا كثير من الشرعية لنظامها الحاكم، فالسوريون لا يملكون حلا إلا بالاستجابة لكافة فروض نظامهم الحاكم، وكثيرون منهم سيفرحون لو أبدى هذا النظام استجابة إنسانية بحدها الأدنى، وأطلق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين تعسفا.

في إيران، صارت كورونا مناسبة لأن يعيد نظامها المهترئ بناء قلعة المؤامرة المتخيلة، التي تقول بأنها تستهدفه، ويعتبرها حربا أميركية ضده، كما صرح المرشد الإيراني الأعلى صراحة. في تركيا، وغيرها من البلدان الشبيهة، فإن السلطة تستعد لأن يكون تعاملها مع كورونا فرصة نادرة لفعل كل ما لم يكن متاحا من قبل، وهكذا.

ففي كل تفصيل من سلوكياتها تلك، فإن السلطات الحاكمة كانت تستعين بأركان أدوات حكمها التقليدية، لتكرس من فاعلية سطوتها المطلقة. رجال الدين الذين أضفوا هالة أخلاقية ووجدانية على تلك الإجراءات، والجيوش التي فرضت ضبطا ماديا مطلقا ومضادا لأي تحرك أو معارضة، إلى جانب جيش المادحين والمشرعين لتلك الإجراءات، من إعلاميين وصحفيين وقادة رأي، وبمؤازرة رجال الأعمال الفاسدين، الذين سعوا عبر ما قدموه من تبرعات مالية لاختلاق غمامة من روح التضامن الوطني الزائفة.

القضية ليست في الإجراءات الطبيعية التي اتخذتها الحكومات والمؤسسات التابعة لها، بل في الكم الهائل من الاستعداد والقابلية لتحوير تلك الإجراءات، على ما فيها من تقصير واضح، إلى ملحمة لتمجيد هذا السلطات، ومنحها شيكا مفتوحا على بياض، لتفعل بحاضر هذه المجتمعات، وربما بمستقبلهم، ما تشاء.

♦♦♦

تفعل السلطوية السياسية في بلداننا ذلك في زمن كورونا، لتعيد بناء وتمتين ما تعتقد أنها فقدته خلال فترات ماضية، وحسب توازن ما معقول قد تكرس بينها وبين المجتمعات التي تحكمها.

فهذه السلطات تتطلع أولا لإعادة اكتساب الشرعية الكاملة لمنظومتها الحاكمة، بمواثيقها وأجهزتها وآليات حكمها. تلك الشرعية التي كانت محل تساؤل كبير في مختلف هذه الدول، بدرجات متفاوتة. صار الشك والطعن بها بحكم الأمر الواقع في غياهب النسيان. مع هذه الشرعية التي نالتها من جديد، صارت تطلب معها صكا للقبول بالأحكام العرفية والإجراءات الاستثنائية والسلوكيات التي تتخذها، أيا كانت.

في سوريا، ستعيد كورونا كثير من الشرعية لنظامها الحاكم

ضمن تفاصيل الشرعية المطلقة هذه، فأن السلطات قد تتطلع سريعا لأن تتجاوز قواعد لعبة الشرعية التي محكومة بها حتى قبل شهور قليلة. فالسلطات الجزائرية والسودانية قد تستعيد كثيرا من شروط العلاقة السابقة بينها وبين مجتمعاتها، ونظيرتها السورية قد تحول واقعها الحالي إلى جسر لاستحواذ شرعية إقليمية ودولية فقدتها، ونظيرتها الإيرانية قد تعتبر أن حروبها الطائفية العبثية ليست محل احتجاج...إلخ.

فعل استحصال الشرعية سيجر حتما دعوة لنسيان ماضي هذه السلطات، بكل أفعاله وفظائعه. فالمحكومون، وبحكم المحنة المريعة هذه، مدعون لحفلة غفران مفتوحة لما ارتكب بحقهم من قبل، ومدفعون لاعتبار اللحظة الحالية تأسيسية لكل شيء، بالذات لعلاقتهم مع الحاكمين، القادرين وحدهم على "إنقاذهم" مما هم فيه.

ففي زمن كورونا، كما في كل أوقات المحن الكبرى، تسقط أدوات الذاكرة وأحلام العدالة وقيم المحاسبة وشرعية المساواة، وتغدو السلوكيات والفاعليات الاستثنائية والقاسية والحتمية، وبكل جورها، ممتلكة للأحقية والقابلية على التنفيذ. بمعنى ما، لا صوت يعلو فوق صوت معركة كورونا.

نسيان الماضي ذلك، ستليه فصول مفتوحة، وربما طويلة، لنسيان الحاضر والمستقبل. إذ لم يحدث في التاريخ وكانت فيها سلطة أو حياة ما بحِلٍ عن ماضيها، إلا وكان حاضرها ومستقبلها مختلا بشكل مريع.

فحاضرا، ليس لأحد أن يسأل إذ ما كانت مختلف طبقات المجتمع تتحمل وزر تبعات حالة الطوارئ في زمن كورونا أم لا! فالطبقات الأكثر سحقا وضعفا وهوانا وفقرا، لا تملك لسانا لأن تقول بأن بقاءها لأسابيع وشهور طويلة في بيوتها، دون عمل أو تأمين اجتماعي وحياتي، إنما يعني تدميرها وتحطيم حتى حياتها البيولوجية، تفكيك أسرها ومنظومة القيم بداخلها، في وقت ينعم فيه الميسورون ما راكموه من خيرات تلك البلاد، وإن كانوا يحيون في حِجرٍ عام مثلهم. في حالة سلطوية كورونا، ليس للمسحوقين أن يسألوا عن أي من حقوقهم الطبيعة العادلة في خير البلاد، الرمزي والمادي، حاضرا ومستقبلا.

في إيران، كورونا مناسبة لأن يعيد نظامها المهترئ بناء قلعة المؤامرة المتخيلة

في نفس السياق، لن يتمكن أحد من مساءلة ومحاسبة هذه السلطات الشمولية، وأيضا بحكم فظاعة ظرف كورونا، أن يسأل عما فعلته من تبذير للأموال العامة على الأسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات السلطوية، طوال سنوات وعقود سابقة كثيرة، ولم تبنِ بنية تحتية متينة للقطاعات الصحية والتعليمية، لتكون مجتمعاتها قادرة، ولو بالحد الموضوعي المعقول، على مواجهة مثل هذه الأزمات. لا يحق لأحد مثل تلك الأسئلة، لا حاضرا ولا مستقبلا.

سيحدث ذلك، في وقت ستسحق فيه الأسئلة الواجبة والحقيقية، وستصير بالتقادم بحكم "التافهة"، مثل السؤال عن الفساد الذي سيطال هذه الإجراءات، وشبكة المستفيدين والمستغلين للظرف، تلكؤ السلطات وسعيها لاستغلال الظرف الاستثنائي، مدى تأثير وعقلانية ما تمارسه في مختلف القطاعات خلال هذه الفترة...إلخ.

ليس في هذا الكلام أية دعوة لعدم فعل ما يلزم من إجراءات لمنع تفشي كورونا، بقدر ما هي محاولة للتفكير بنمط السلطات التي حكمت وما تزال بلداننا. فزمن كورونا هو استعادة تراجيدية لأزمة شبيهة كثيرة مرت على مجتمعاتنا، كانت السلطات تسحق فيها أشكال كثيرة للحياة، في سبيل ما تدعي أنها تحافظ عليه من شكل ما للحياة. خصوصا وأن زمن كورونا قد يتطور من حالة وفاصل زمني قصير إلى حقبة طويلة، قد يطول من شهور إلى سنوات، يمنح بها ترياقا آخر لشجرة السلطوية العامرة أساسا في بلداننا، وعلقما لمجتمعاتنا، طبقاتنا المسحوقة بالذات.

اقرأ للكاتب أيضا: أكراد سوريا وثورتها... جوهر الفراق

ـــــــــــــــــــــ
 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.