أعددتُ أسئلتي وحضرت خدمات تسجيل الفيديو في ظل إجراءات الحظر الصحي المفروضة في الولايات المتحدة، جلست لأبدأ الحوار مع شاب سوري ترك عمله في صناعة الأفلام ليشارك في الجهود للحد من تفشي فيروس كورونا في بريطانيا.  لكن لم أحتج إلى طرح أي منها، إذ بدأ "راوي القصص" بسرد مشوار حياته. 

فبعد رحلة شاقة لجأ فيها السوري حسان العقاد إلى بريطانيا، هرب فيها من ويلات الحرب في موطنه، توقع أنه شعر بالأمان أخيرا، لكن عدوا خفيا كان بالمرصاد ليهدد شعوره بالطمأنينة، يتشبث بأجساد ضحاياه ويخلف وراءه المآسي.

لكن العقاد عاصر أزمات أشد قسوة من الجائحة، وبنبرة مواطن عربي طفح به الكيل، يقول حسان: "نحن الشعب السوري كأي شعوب عربية أخرى عانت الأمرين، كورونا ليست أول مصيبة تحل علينا، حلت علينا مصائب كثيرة، فقد بلينا بحكام عشنا تحت ويلاتهم". 

"سوريا هي الوطن" 

عمل العقاد مدرسا للغة الإنكليزية في دمشق وكان يهوى التصوير الفوتوغرافي، لكن حياته انقلبت بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ شارك في مظاهرات طالبت بإسقاط نظام لا يرحم معارضيه.

اعتقل العقاد وتعرض للتعذيب من قبل النظام السوري، وعند اعتقاله للمرة الثانية منع من التدريس وحظر من السفر خارج البلاد. 

"دبرت واسطة وحصلت على موافقة بالسفر لمدة 24 ساعة" عام 2012، يقول حسان، ولم يعد إلى بلاده مجددا منذ ذلك الحين، "عندما خرجت من سوريا لم تكن لدي نية للتوجه إلى أوروبا، كان لدي أمل بأن الأزمة ستُحل وأن النظام سيسقط". 

عاش حسان بعدها في عدد من دول المنطقة، منها لبنان وتركيا والإمارات العربية المتحدة ومصر، لكنه واجه صعوبات في الحصول على تأشيرات الإقامة، لتبدأ رحلة البحث عن "وطن بديل" للعثور على نوع من الاستقرار رغم أن "سوريا هي الوطن دائما وأبدا". 

البحث عن الحرية

سرد القصص يسري في دمه، فمن يجلس مع حسان يمكنه أن يشعر بشغفه لروايتها، وهذا ما فعله عندما وثق رحلة هجرته إلى أوروبا ومحاولته عبور البحر الأبيض المتوسط مرتين عام 2015.

"في المرة الأولى كنا 62 أو 63 شخصا على متن القارب لكنه انقلب وأنقذتنا قوات خفر السواحل التركية"، وفي المرة الثانية هاجمت القوات اليونانية قارب اللاجئين لنتمكن من النجاة عبر السباحة إلى أقرب جزيرة". 

صور حسان رحلة اللجوء، ليحظى فيلمه الوثائقي بجائزة الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون "بافتا"، وهي من أرفع الجوائز المقدمة لتكريم الأعمال في بريطانيا.  

واشتهر حسان برواية قصته وتبني قضايا اللاجئين إلى أوروبا لتصبح حكايته رمزا في حق اللجوء، وبدأ العمل على مشاريع أخرى إلا أن المشاريع توقفت مع تفشي وباء كوفيد-19 الناجم عن الفيروس المستجد. 


لندن ودمشق.. مشاهد مألوفة  

حظر التجول وانتشار القوات المسلحة والإقبال النهم على المحال التجارية لتخزين المأكولات، كلها مشاهد من الحرب السورية انعكست على شوارع لندن، مناظر، رغم بشاعتها، لم تصدم من عانى الأمرين. 

ومع انتشار الفيروس في بريطانيا، مر العقاد بفترة نفسية عصيبة ليتخذ قرارا في النهاية بأن يساهم في تحسين الظروف وأن يحرص على رد المعروف لأهالي الحي الذين عاملوه بكل إنسانية واحترام. 

"لم أود رد الجميل للحكومة البريطانية فاللجوء حق إنساني وليس معروفا، بل أردت أن أرد الجميل لأهالي الحي"، يقول حسان، "الأخبار ذكرت أن أول تسعة قتلهم المرض من الكوادر الطبية كانوا من المهاجرين، وقرأت أن انتشار المرض يقل عند الحرص على تعقيم المستشفيات"، ويضيف "ربطت الأمور ببعضها وقررت أن أساعد قدر استطاعتي". 

وبهذا، ترك حسان مجال صناعة الأفلام، على الأقل مؤقتا، إذ توقفت المشاريع التي يعمل عليها بسبب تفشي الفيروس، وقرر المبادرة كعامل نظافة في تعقيم مستشفى "Whipps Cross" الجامعي في شرقي لندن، والذي يحتوي على ثاني أعلى نسبة إصابات بالوباء في بريطانيا. 

واستغرب حسان ممن يسألونه عن السبب وراء تركه إخراج الأفلام والعمل في التنظيف، وقال: "هذا ليس الوقت الذي يجب فيه أن نسلط الضوء على الطبقية، إن كنت قادرا على التنظيف فيجب علي أن أشارك في القضاء على هذا الفيروس". 

يعترف العقاد أنه شعر بالخوف من التقاط العدوى في البداية، لكن زملاءه في العمل، أغلبهم من المهاجرين أيضا، أشاروا إليه بأنهم "فريق واحد" وأنهم سيقفون إلى جانبه ليعملوا معا في مكافحة انتشار الوباء. 

تلقى حسان تدريبا على أساليب التعقيم وبدأ العمل. ويصف عملية تنظيف غرف المصابين بكورونا بـ "المعقدة"، إذ يتوجب عليهم تفكيك الأسرّة ورشها بأجهزة ضخ البخار واستخدام الكلور الذي من شأنه أن يحرق الجلد عند ملامسته.

وأكد أن المستشفى توفر لهم أقصى درجات الحماية بالأخص مع توفير الألبسة الواقية، يقضي حسان ثماني ساعات من يومه في تعقيم المستشفى، ويقول مازحا: "لنقل أني أصبحت خبيرا في التنظيف".   

قصص "تحرق القلوب" من الصفوف الأمامية

وتابع العقاد سرده لقصتين أثرتا فيه بشكل كبير خلال عمله في الصفوف الأمامية وتعامله مع المصابين بالمرض وعائلاتهم. 

يقول: "أنا لم أر عائلتي خلال ثماني سنوات إلا مرة واحدة، وأدرك مدى الألم الذي يشهده المرء عند فراق والدته على وجه الخصوص، أتى رجل إلى المستشفى ذات يوم وكان يود رؤية والدته المصابة بكورونا جالبا معه أغراضا لها، ناولني الأغراض وسألني إن كان بإمكانه رؤية والدته المريضة، وجهت سؤاله لأحد أفراد الطاقم الطبي، لكن قدوم الزوار لمرضى كورونا ممنوع منعا باتا". 

ويواصل "عندما قوبل طلب الشاب بالرفض بدأ بالبكاء وابتعد كي لا نراه بتلك الحال، هذا المنظر أثر في بشكل كبير، لأن البعد عن الأم أمر يحرق القلب". 
 
أما حادثة أخرى رواها حسان عاشتها إحدى زميلاته اسمها غيمبا من نيجيريا، والتي تعد أحد أفراد طاقم العمل المكون بأكمله من المهاجرين، من "نيجيريا وغينيا وبولندا وإسبانيا وسوريا وفلسطين". 

تعمل غيمبا على تحضير وجبات المرضى في المستشفى، وعلمت بإصابة والدتها الثمانينية في نيجيريا بكوفيد-19 حيث أدخلت المستشفى لتلقي الرعاية الصحية، ولأنه من الصعب خروج المهاجرين من الدول المستضيفة بسبب تأشيرات الزيارة وإجراءات الحدود، لم يكن أمامها إلا أن تدخل غرفة الموظفين وتجهش بالبكاء حسرة على الوضع. 

لكن حسان توقع أن تغادر غيمبا المستشفى يومها، وفوجئ عندما رآها تمسح عينيها وتواصل العمل. 

ويقول: "أقسم بالله هناك قصص لأشخاص تخلوا عن كل شي وتركوا عائلاتهم وأولادهم ويخاطرون بكل شي كي يكافحوا هذا الوباء الذي حل علينا جميعا".  

ووجه حسان في نهاية حديثه رسالة إلى المتابعين: "أعلم أن العزل الاجتماعي ليس بالأمر السهل، لكن يجب عليكم أن تدركوا أن هذا الأمر يساعد الطواقم الطبية، بقاؤكم في المنازل يساعدنا في مكافحة المرض". 

ومن الجدير بالذكر أن حسان يبلغ من العمر 32 عاما فقط، لكن إصراره على مواجهة الصعوبات التي فرضتها الحياة عليه، بل وحتى مساهمته في مواجهة أزمات جديدة توفر درسا للعزيمة والإصرار وكيف أننا يمكننا أن نتغلب على أصعب الأمور، إن قمنا ببساطة، أغنياء كنا أم فقراء ومهما تعددت أصولنا، بالعمل معا لمواجهة هذه الجائحة، التي يمكن اعتبارها درسا تتعلم منه البشرية، بل وقصة نرويها قريبا للأجيال القادمة. 

سلالة "FLiRT" أصبحت المتحور الرئيس لفيروس كورونا في الولايات المتحدة (أرشيفية)
سلالة "FLiRT" أصبحت المتحور الرئيس لفيروس كورونا في الولايات المتحدة (أرشيفية)

يتصاعد القلق بشأن تهديد موجة من فيروس كورونا صيفية في الولايات المتحدة، بفعل متغير "FLiRT" الجديد، حيث أصبح المسؤول الرئيسي عن الإصابات في البلاد، حسب شبكة "سي إن إن" الأميركية. 

وأوردت الشبكة أن البيانات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، تظهر أنه حتى 11 مايو الجاري، فإن سلالة "KP.2" -واحدة من السلالات المعروفة باسم "FLiRT"- مسؤولة عن أكثر من ربع الحالات في البلاد، وهو ما يقرب من ضعف عدد حالات من سلالة "JN.1".

والسلالات المتحورة من "FLiRT" هي امتدادات لسلالة "JN.1"، وجميعهم جزء من عائلة "أوميكرون" الأوسع، التي تسببت في موجة تفشي خلال هذا الشتاء، وفق الشبكة.

وحسب عالم الفيروسات في كلية جونز هوبكنز للصحة العامة في الولايات المتحدة، أندي بيكوز، فإن "هذه المتغيرات تتسبب بأحد أمرين، إما أنها تجعل الأجسام المضادة التي اكتسبتها من التطعيم أو الإصابة غير قادرة على إيقاف الفيروس (تسمي بالتهرب من المناعة)، أو أنها تزيد من قوة ارتباط الفيروسات بالخلايا".

وأصبح هذا نمطا مألوفا في تطور الفيروس الذي يسبب "كوفيد-19"، لكن الخبراء يقولون، وفق الشبكة، إننا "لا نزال لا نعرف ما يكفي للتنبؤ بالضبط أين ستحدث الطفرات التالية، أو كيف ستؤثر على طريقة انتقال الفيروس".

وتؤدي التغيرات في سلالات "FLiRT" إلى زيادة قدرتها على الانتقال، ومن احتمالية حدوث موجة صيفية، مما يشكل تهديدا، حيث يتبع فيروس كوفيد-19 بعض الأنماط الموسمية، والتي شملت زيادة في الإصابات خلال الصيف في السنوات الماضية، لكن مستوى الخطر لهذا العام لا يزال غير واضح، حسب "سي إن إن".

وأشار الخبير في الأمراض المعدية بجامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأميركية، ويليام شافنر، إلى أنه "في الماضي كانت هناك بعض المتغيرات التي بدأت بالانتشار بقوة، ولم نتمكن من السيطرة على الوضع. وقد تتطور هذه السلالات الفرعية تدريجيا لتصبح سائدة، أو قد تكون مسؤولة عن نسبة تتراوح بين 20 و40 بالمئة من الحالات ثم تستقر عند هذا المستوى، لهذا علينا فقط أن نراقب وننتظر".

وعلى الرغم من انخفاض مستوى مراقبة كوفيد 19 بشكل كبير منذ انتهاء حالة الطوارئ الصحية العامة في الولايات المتحدة قبل عام، فإن هذا الأمر يضيف أيضا إلى عدم اليقين.

لكن البيانات المتوفرة متسقة مع تراجع الإصابات في الوقت الحالي، حيث تشير مراقبة مياه الصرف الصحي إلى أن النشاط الفيروسي منخفض جدا ويتناقص في جميع أنحاء البلاد، ولا تزال معدلات دخول المستشفى منخفضة للغاية.

وقال شافنر للشبكة: "متحورات (FLiRT)، بدا أنها حتى الآن قابلة للانتقال مثل المتغيرات الفرعية الأخرى لأوميكرون، مما يعني أنها معدية للغاية. لكن لا يبدو أنها تسبب مرضا أكثر خطورة أو نوع من الأمراض المميزة من حيث الأعراض السريرية".

وتظهر البيانات أن معدلات دخول المستشفى في الولايات المتحدة بسبب كوفيد 19 انخفضت من حوالي 8 حالات دخول جديدة لكل 100 ألف شخص في الأسبوع الأول من العام، إلى حوالي حالة دخول جديدة لكل 100 ألف شخص في نهاية شهر أبريل الماضي.

فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية اكتشف في 2012 بالسعودية
تأهب صحي في السعودية بسبب مرض مرتبط بفيروس كورونا
تسابق الوكالات الصحية الزمن لتحديد أصول تفشي فيروس "ميرس" في السعودية، وذلك إثر ظهور ثلاث حالات مؤكدة بالعدوى لدى أشخاص لم يكن لهم احتكاك مباشر مع الإبل، التي تُعد المصدر الرئيسي المعروف لهذا الفيروس، حسبما نقلته صحيفة "تلغراف" البريطانية.

وبينما تشكل متحورات "FLiRT" بعض المخاطر هذا الصيف، يظل الخبراء يركزون على ما قد يحدث في الخريف المقبل، وفق الشبكة، إذ يتوقع بيكوز أن "تؤدي إلى بعض الحالات الإضافية، لكن الأمر سيتعلق بالمتحور الذي سيكون موجودا عندما نصل إلى الخريف".

وأضاف: "ربما يكون الخريف هو الوقت الذي نتوقع فيه ارتفاعا في حالات الإصابة بفيروس كورونا. وإذا كان لدينا متحور جديد يحتوي على الكثير من هذه الطفرات التي تتجنب المناعة، فإن الاحتمال في الخريف لحدوث ارتفاع أكبر يكون الأكثر ترجيحا".

ورأى بيكوز أن الخريف والشتاء يشكلان الخطر الأكبر، إذ "يحتاج الفيروس الآن إلى ظروف أفضل للانتقال، ومن المحتمل أن تحدث هذه الظروف الأفضل للانتقال في الخريف عندما يصبح الطقس أكثر برودة، ويقضي الناس وقتا أطول في الداخل ويكونون أكثر عرضة للتواجد في بيئات ينتقل فيها فيروس الجهاز التنفسي بشكل أكثر كفاءة".

وقال خبراء إنه بالنسبة للأشخاص الذين تلقوا لقاح كوفيد 19 الخريف الماضي، قد يكون لديهم بعض الحماية ضد المتغيرات الجديدة.

وستجتمع اللجنة الاستشارية للقاحات التابعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية في يونيو، لمناقشة توصيات بشأن إصدار لقاح كوفيد 19 الذي سيكون متاحا هذا الخريف، حسب "سي إن إن".

وفي الوقت الحالي، رأى الخبراء أن الخطر "لا يزال منخفضا نسبيا"، إذ يقول شافنر: "كما هو الحال مع كل شيء متعلق بكورونا، قد تتغير توقعاتنا في غضون أسبوع أو أسبوعين. لكن في الوقت الحالي، نحن في مكان جيد جدا، وأفضل مكان كنا فيه منذ فترة طويلة".