تقنية الحمض النووي الرسول تفتح بابا واسعا أمام صناعة اللقاحات
تقنية الحمض النووي الرسول تفتح بابا واسعا أمام صناعة اللقاحات

في منشأة بحجم ملعب كرة قدم في مدينة كالامانزو بولاية ميشيغان الأميركية، ترتص ثلاجات معدنية كبيرة الحجم، بداخلها زجاجات صغيرة تحتوي على سائل محفوظ في درجات حرارة منخفضة. هذا السائل يحمل أملا للبشرية لإنهاء جائحة كورونا.

المنشأة التابعة لشركة فايزر الأميركية تستخدم لتخزين اللقاح الجديد التي توصلت إليه الشركة بالتعاون مع بيونتيك الألمانية، التي أثبت لقاحها فعالية بنسبة 95 في المئة، حسب نتائج التجارب السريرية.

وعلى بعد 850 ميلا إلى الشرق، حيث ولاية ماساتشوستس، تضع شركة موديرنا الأميركية لمساتها الأخيرة على لقاح آخر قالت إنه فعال بنسبة 94.5 في المئة.

الشيء المشترك بين اللقاحين هو أنهما اعتمدا على تقنية جديدة تستخدم الحمض النووي الريبوزي الرسول "mRNA".

ما هو الحمض النووي الرسول؟

بداخل كل خلية، يوجد الحمض النووي التي يحمل الشيفرة الوراثية لكل إنسان. بناء على هذه الشيفرة الوراثية يتم تصنيع البروتينات اللازمة لكل العمليات الحيوية.

الحمض النووي الرسول هو الجزيء الذي يحمل هذه الشيفرة ويذهب بها إلى مطبعة البروتين التي تعرف بالريبوزوم، وفيها تتم صناعة كل البروتينات.

فيروس كورونا من الداخل.. تفاصيل دقيقة لما يحدث داخل الخلية البشرية بعد إصابتها

تم اكتشاف الحمض النووي الرسول عام 1961 في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، من قبل ثلاثة علماء هم سيدني برينر وفرانسيس كريك وجاك مونو.

ولطالما حاول علماء آخرون تطويع هذا الجزئ الذي يعتبر مكونا مهما في صناعة المناعة تجاه أي فيروس، لكنها كانت عملية صعبة، على الأقل حتى بدأ السباق لصناعة لقاح كورونا.

فكرة اللقاح الجديد تقوم على صناعة حمض نووي رسول في المختبر مماثل لذلك الموجود في الفيروس.

يتم بعد ذلك حقن الخلايا البشرية بهذا الحمض النووي الرسول، الذي يدفعها لتصنيع بروتينات مماثلة لبروتينات الفيروس من دون استخدام الفيروس ذاته.

هذه البروتينات تحفز الجسم على صناعة أجسام مضادة لها، تعمل على مواجهة الفيروس ذاته في حال أصيب به الإنسان.

كيف يعمل لقاح الحمض النووي الرسول؟

في عام 2018، نشرت دراسة في مجلة نيتشر، تقول إن هذه التقنية ستبدأ عهدا جديدا في صناعة اللقاحات. نوربرت باردي، الباحث في جامعة بنسلفانيا، كان واحدا ممن أعدوا هذه الدراسة.

يقول باردي لموقع الحرة إن التجارب أثبتت فعالية هذا النوع من اللقاحات على الحيوانات في مواجهة فيروسات مثل الإنفلونزا وزيكا وغيرها، "لكن لم يكن لدينا بيانات كافية من التجارب على البشر".

لكن جائحة كورونا غيرت كل الشيء، ودفعت الجميع إلى الإسراع في تجربة هذه التقنية على البشر.

وبدأ فيروس كورونا في الانتشار حول العالم نهاية العام الماضي بعدما ظهر في الصين، حيث يعتقد علماء أنه تطور في الخفاش.

ما يجعل هذه التقنية أكثر فاعلية من غيرها، حسب باردي، هو أنها تفعل نوع من الخلايا في جهاز المناعة تدعى CD8-positive T cells، وهي فعالة جدا في مواجهة الفيروس.

ولم تظهر أي آثار جانبية لهذا اللقاح في التجارب على الحيوانات، حسب الباحث ذاته.

ويقول باردي إن بعض الآثار الجانبية الخفيفة قد تظهر على بعض البشر مثل التعب أو ألم العضلات، أو الصداع، "لكنها ليست آثار خطيرة على الإطلاق".

ولهذه التقنية ميزة أخرى أيضا، إذ أنه في حالة تحور الفيروس، يمكن أن يتم تصنيع جرعات إضافية تواجه هذا التحور، حسب ما ذكرت المتحدثة باسم شركة فايزر ديرفيلا كين لـ"موقع الحرة".

لقاح للسرطان؟

الدراسة التي أعدها باردي وزملاؤه، قالت أيضا إن اللقاحات المصنوعة من الحمض النووي الرسول يمكن أن تستخدم للوقاية من السرطان أيضا.

فحسب باردي، لا تواجه خلايا D8-positive T cells الفيروسات فقط، بل هي فعالة أيضا في مواجهة الخلايا السرطانية فور تشكلها.

ويعتقد الباحث أن شركات أخرى سوف تبدأ في استخدام هذه التقنية لصناعة لقاحات ضد فيروسات مثل الإيدز وغيرها، "فهي تقنية واسعة التطبيق".

وتستعد شركة "فايزر" للحصول على ترخيص الاستخدام الطارئ للقاح الجديد ربما في منتصف ديسمير.

وحتى ذلك التاريخ، تتجه الأنظار إلى الثلاجات المعدنية في مستودعات "فايزر" بكامالانزو، في انتظار اللقاح التي سينقذ البشرية من فيروس كورونا.

الأطباء ينصحون بتلقي لقاء كورونا المحدث
الأطباء ينصحون بتلقي لقاء كورونا المحدث

تتزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا وحالات العلاج في المستشفيات في مدينة لوس أنجلوس الأميركية، حيث يجد بعض الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى من جديد أن نوبة كوفيد-19 الأخيرة هي الأسوأ.

وبحسب صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، فإنه لا توجد دلائل في هذه المرحلة على أن أحدث متحورات فيروس كورونا تنتج مرضا أكثر خطورة.

لكن بعض الأطباء يقولون إن هذا الارتفاع الأخير في إصابات كوفيد-19 يتحدى أسطورة قديمة: على الرغم من أن الإصابات الجديدة بكوفيد غالبا ما تكون خفيفة مقارنة بأول إصابة بالمرض، فإنها لا تزال قادرة على التسبب في مرض شديد. 

وحتى لو لم يكن الشخص بحاجة لزيارة غرفة الطوارئ أو دخول المستشفى، يصف الناس أحيانا أعراضا مؤلمة جراء العدوى.

وقال خبير الأمراض المعدية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، بيتر تشين هونغ، إن "القاعدة السائدة هي أنه في كل مرة تصاب فيها بكوفيد، يكون الأمر أخف. لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى إبقاء عقولنا منفتحة على احتمال ظهور أعراض أسوأ لدى بعض الأشخاص". 

ونظرا لأن التعرض لفيروس كورونا يختلف من شخص لآخر ويتأثر ذلك بعدد من العوامل، فمن الصعب تحديد عدد الأشخاص الذين يعانون من أعراض أكثر حدة الآن مقارنة بالإصابات السابقة. 

ولكن وفقا لما نقلت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" عن روايات من أصيبوا مجددا بالفيروس التاجي، يعبّر الناس عن صدمتهم من مدى مرضهم من المتحور الجديد الذي أطلق عليه اسم "FLiRT".

وقالت ممرضة تبلغ من العمر 42 عاما أصيبت بكوفيد-19 أربع مرات، إن مرضها الأخير كان "شديدا مع الحمى والسعال وضغط الرأس والألم".

وأضافت أنه الفيروس "يهاجم حنجرتي وجعل القدرة على البلع" أكثر صعوبة.

وعن أسباب إصابة الأشخاص بعدوى أشد من فيروس كوفيد-19، قال تشين هونغ: "لقد تغيرت المتحورات كثيرا على أي حال، فالأمر يشبه التعرض لشيء مختلف نسبيا عما شاهده الجهاز المناعي سابقا".

ووجد تقرير نشره مركز السيطرة على الأمراض في فبراير أن الحصول على لقاح كورونا المحدث 2023-2024 يوفر حماية متزايدة بنسبة 54 بالمئة تقريبا ضد الأمراض المصحوبة بأعراض مقارنة بعدم الحصول على اللقاح.

كان الإقبال على لقاح كوفيد المحدث، والذي أصبح متاحا في الولايات المتحدة منذ سبتمبر، منخفضا نسبيا. 

ومنذ ذلك الحين، تلقى 36.7 بالمئة من كبار السن بولاية كاليفورنيا الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فما فوق جرعة واحدة على الأقل من اللقاح المحدث، وكذلك 18.5 بالمئة من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاما، و10 بالمئة من البالغين حتى سن 49 عاما.

وقال تشين هونغ إنه بالنسبة للأشخاص الذين لم يحصلوا على لقاح محدث خلال العام الماضي، "يجب أن تفكر في الحصول عليه، خاصة إذا كنت أكبر سنا وتعاني من ضعف المناعة".