وجوه وقضايا

الصين تتحدى أميركا في بنما.. حقائق مفاجئة تشرح تهديد ترامب

ضياء عُطي
07 يناير 2025

ربما كان خبرا عابرا، لم ينتبه إليه أحد.

لكن عبور تلك السفن الصينية من أقصى شمال الأرض، الخريف الماضي، ولأول مرة، لم يكن عرضيا.

فالصين تريد السيطرة على ممرات البحر، يقول خبراء تحدث إليهم "موقع الحرة".

خذ بنما مثالا. هنا قناة ضيقة وقصيرة تربط المحيطين الهادي والأطلسي.

هل يفاجئك أن تعرف أن شركات صينية، أو مقرها الصين، تدير مدخلي القناة على المحيطين الأطلسي شرقا والهادئ غربا؟

قناة بنما تحديدا لها تاريخ فريد، وفيها مصالح وصلاحيات أميركية مقرة باتفاقيات دولية تمنح واشنطن حق التدخل العسكري لحماية القناة. 

لذلك، قد لا يبدو غريبا أن يطالب الرئيس المنتخب دونالد ترامب بـ"إعادة السيطرة على قناة بنما"، فهو يعتبرها "من الأصول الوطنية الحيوية للولايات المتحدة".

هذه هي قصة القناة، وحقائق ستفاجئك عن الحقوق الأميركية ومخططات الصين.

بين قطب ومحيطين

عدة شركات صينية تدير الموانئ والمنشآت اللوجستية لقناة بنما. (AFP)

قرب جزيرة نوفايا زمليا الروسية، على طريق القطب المتجمد الشمالي، عبرت، الخريف الماضي، سفينتان تجاريتان تديرهما شركات صينية لأول مرة.

السفينة الأولى (نيونيو ستار)، كانت قادمة من ميناء نانشا الصيني، متجهة نحو سان بطرسبرغ الروسية.

سفينة أخرى هي (فلايينغ فيش)، أو السمكة الطائرة، كانت تبحر في الاتجاه المعاكس.

تقاطعتا في الطريق. أصبحت "السمكة الطائرة" أكبر سفينة تعبر طريق القطب الشمالي عبر المياه الروسية، حتى ذلك الوقت.

حملت "السمكة الطائرة" أكثر من 5 آلاف حاوية. 

هذه فئة خاصة من السفن تسمى "بانماكس". وهي وحدة معيارية عالمية تعني أن السفينة تملك أكبر حجم يمكن أن تستوعبه منشآت قناة بنما.

القطب الشمالي وقناة بنما يجمع بينهما الأهمية الاستراتيجية، والمطامع الصينية. 

وعين الصين على "المنشآت ذات الاستخدام المزدوج" في قناة بنما ومنطقة القطب الشمالي، يقول الصحفي الأميركي المتخصص جون غرايدي.

 يرصد غرايدي الاهتمام الصيني بقناة بنما والممرات البحرية في مقالات ينشرها معهد البحرية الأميركية.

ويكشف لـ"موقع الحرة" عن مشاريع صينية في منشآت تابعة لقناة بنما، والدول المجاورة في أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، ما جعل بكين تملك "نفوذا" غير مسبوق هناك، ضمن مبادرة "الحزام والطريق".

تنين على البابين

قناة بنما ممر مائي اصطناعي يربط المحيطين الأطلسي والهادئ عبر برزخ بنما في أميركا الوسطى.

وهي واحدة من أعظم الإنجازات الهندسية في العالم.

بفضل القناة، لم تعد السفن بحاجة إلى الالتفاف حول قارة أميركا الجنوبية عبر رأس هورن، للانتقال بين المحيطين. 

افتُتحت القناة رسميا عام 1914 بعد عقد من البناء الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية.

أما الآن٫ وبعد أكثر من قرن، فالشركات الصينية، أو التي مقرها الصين، تدير مدخلي قناة بنما، وهما ميناء كريستوبال على المحيط الأطلسي شرقا، وميناء بالبوا المطل على المحيط الهادئ، غربا.

كذلك، في 2018، فازت شركة الاتصالات الصينية والشركة الصينية لهندسة الموانئ بصفقة لتنفيذ مشروع بناء الجسر الرابع، الذي يعبر القناة ويمتد على مسافة 4 أميال.

كان المشروع جزءا من الاتفاقيات التي وقعتها بنما مع بكين عام 2017، عقب قطع علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان، والهادفة لتحويل القناة إلى مركز رئيسي لحركة المنتجات الصينية، وتوزيعها في منطقة أميركا اللاتينية.

بين روزفلت وكارتر وترامب

النشاطات الصينية، يبدو أنها كانت الدافع وراء منشور للرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب على منصته "تروث سوشال" في 21 ديسمبر الماضي، طالب فيه بـ"إعادة السيطرة على قناة بنما". 

قال ترامب إن القناة "تلعب دورا حيويا" للاقتصاد ومنظومة النقل في الولايات المتحدة. وذكر بالدور الذي لعبته واشنطن في بناء القناة، إبان حكم الرئيس الأسبق، ثيودور روزفلت في بداية القرن العشرين، والكلفة المادية والبشرية التي دفعتها أميركا لإنجازها.

ومن المفارقات التاريخية، أن إعلان ترامب سبق بأيام قليلة وفاة الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، الذي وقع اتفاقيات التسليم التدريجي للقناة.

فما قصة تلك الاتفاقية؟

الرئيس الأميركي الراحل، جيمي كارتر، كان حاضراً أثناء مراسم تسليم قناة بنما عام 1999. (AFP)

هذه هي التفاصيل التاريخية:

  • محادثات التسليم التدريجي لإدارة القناة بدأت منذ ستينيات القرن الماضي، في عهد الرئيسين جونسون ونيكسون.

  • التوقيع على الاتفاقيات النهائية كان عام 1977 وعرفت باسم "اتفاقيات كارتر – توريخون"، نسبة لرئيسي البلدين آنذاك.

  • بقيت الإدارة مشتركة بين الدولتين خلال فترة انتقالية استمرت حتى عام 1999، عندما تسلمت بنما الإدارة بالكامل.

  • آخر إجراءات التسليم تمت في نهاية ديسمبر عام 1999، في عهد الرئيس كلينتون.

المهم أن تعرف أن "اتفاقية الحياد"، وهي واحدة من اتفاقيات كارتر – توريخون، تمنح الولايات المتحدة الحق باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن القناة، وتأمين استمرار عملها كممر مائي دولي محايد.

وهذا الحق هو في جذر مطالبة ترامب، يقول خبراء، في مواجهة أطماع الصين.

ماذا تريد الصين؟

تواجه قناة بنما تحديات تشغيلية ناتجة عن الجفاف وظاهرة "النينيو" وتغير المناخ. (AFP)

يتحدث الصحفي الأميركي المتخصص جون غرايدي عن منشآت ذات استخدام مزدوج في قناة بنما فتحت شهية الشركات الصينية. 

وهذه المنشآت طلبت إنجازها المؤسسة الحكومية المحلية التي تدير القناة لتواكب تطور الحركة البحرية، وحجم البواخر الناقلة للحاويات، ولمواجهة تحديات انخفاض تدفق الأنهار التي توفر كميات المياه الضخمة اللازمة لملء أحواض السفن.

قال غرايدي أيضا إن: "الجنرال لورا ريتشاردسون، التي تولت القيادة الجنوبية للجيش الأميركي حتى نوفمبر الماضي، سبق وأن حذرت من الاستخدام المزدوج للمنشآت المتواجدة في قناة بنما".

والاستخدام المزدوج، هو مصطلح يقصد به أن الميناءين المتواجدين على مدخلي القناة، بالإمكان توظيفهما للاستخدام العسكري والتجاري على حد السواء، رغم أنهما يعملان حتى الآن على عبور سفن الرحلات البحرية السياحية، تليها سفن الشحن.

تذكر إدارة القناة على موقعها الإلكتروني أن "حركة الملاحة بلغت 14 ألف سفينة في السنة".

وتذكر أيضا إدارة التجارة الدولية الأميركية أن "72% من حجم حركة السفن في قناة بنما، تتم من وإلى الولايات المتحدة، التي تمثل كذلك مرفقا هاما لحركة نقل النفط حول العالم".

تمكن القناة من ربط الساحل الشرقي للولايات المتحدة بكل من شرق آسيا والساحل الغربي لأميركا الجنوبية، ما يعني ربط المناطق الصناعية في كل من الولايات المتحدة والصين بأسواقها التقليدية.

قال جون غرايدي إن "أنشطة بكين في بنما، لا يمكن فصلها عن باقي أنشطتها في منطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي".

وأضاف: "مثل أنشطتها في بيرو، حيث تقوم ببناء ميناء ضخم للغاية، سيرفع حجم البضائع الصينية المصدرة إلى تلك المنطقة من العالم لأرقام فلكية، ويمكن استخدامه هو الآخر بسهولة لأغراض عسكرية".

وفي أقصى جنوب أميركا اللاتينية، بنت الصين محطة رصد فضائي تتضمن هوائيات ضخمة تسمح كذلك بمراقبة حركة الأقمار الصناعية، حسب غرايدي.

موقع المحطة جنوب الأرجنتين، يمر فوقه مسار أغلب الأقمار الصناعية ذات المدار المنخفض، ويسمح كذلك بمراقبة حركة الملاحة في مضيق ماجلان الاستراتيجي، وهو أحد الطريقين البديلين عن قناة بنما، إذ يمر الطريق البديل الآخر عبر القطب الشمالي.

البحرية الصينية في جنوب أميركا

مجموع الموانئ الصينية في أميركا اللاتينية والكاريبي يبلغ نحو 40 ميناء، وهذا الرقم مرشح للارتفاع، حسب غرايدي.

رغم ذلك، يقول إن "مستوى التعاون العسكري في المجال البحري بين بكين ودول أميركا اللاتينية، تشوبه الكثير من نقاط الضعف".

ورغم تنظيم تدريبات مشتركة بين البحرية الصينية والقوات البحرية لفنزويلا، إلا أن تلك التدريبات لم تشمل الاندماج في العمليات المشتركة والعمل التبادلي، ما يجعل البحرية الصينية لا تمتلك إمكانية تنفيذ المهمات العسكرية بالتعاون مع حلفائها.

وعلى سبيل المقارنة، يذكر غرايدي أن "التدريب على العمليات المشتركة هو أمر أساسي خلال مناورات الجيش الأميركي مع دول حليفة، حتى تلك ذات عدد القوات المتوسط مثل الفلبين".

وتكمن أهمية الأمر، إلى الفهم المشترك والمتبادل بين القوات العسكرية، والعقبات التي تعترض ذلك، وهي تتجاوز معضلة اللغة، وتشمل العقبات الثقافية، التي ظهرت كذلك خلال وجود السفن الحربية الروسية والإيرانية في فنزويلا.

لا يقتصر الوجود العسكري الصيني على بيع تجهيزات حربية مثل الصواريخ المضادة للسفن، التي صدرتها بكين إلى إيران ومنها انتقلت إلى حزب الله، بل يشمل على وجه الخصوص سيطرة شركة هواوي الصينية على شبكات الاتصالات المحلية، بما في ذلك الإنترنت من الجيل الخامس.

وتتعاون البحرية الصينية مع نظيرتها الروسية، فالبحرية الصينية هي المسؤولة عن برامج الانتشار في أعالي البحار، مثل منطقة القطب الشمالي.

لكن ذلك التعاون لم يصل بعد، إلى مستوى التعاون بين دول الناتو أو باقي حلفاء واشنطن، خصوصا وأن أسطول السطح الروسي يواجه تراجعا في قدراته العملياتية والعددية، على عكس أسطول الغواصات.

ومن اللافت، أن التعاون في القطب الشمالي، يشمل وجود سفن أبحاث مرتبطة بعدد من الجامعات الصينية، تقوم بجمع معطيات فنية، تملك الحكومة الصينية حق الحصول عليها.

وأضاف غرايدي أن هناك 4 سفن أبحاث صينية تتواجد حالياً ضمن نطاق الدائرة القطبية الشمالية، وأن سفينة خامسة تستعد للالتحاق بها قريباً.

أبحاث علمية وتجسس

قال المحامي والمعلق السياسي الأميركي، غوردن تشانغ، الذي عمل في الصين وهونغ كونغ لحوالي عقدين من الزمن، إن "سفن الأبحاث البحرية، تستخدم كذلك لمهام التجسس والاستطلاع العسكري".

تشانغ الذي تحدث إلى موقع "الحرة" قال إن "أحد أهم الأهداف التي تسعى إليها بكين في هذا المجال، هو تحديد مواقع الغواصات النووية الأميركية، عبر قياسات وعمليات سبر لقاع المحيط، تقوم بها سفن الأبحاث العلمية".

ووفقا لتشانغ، فإن أهداف الصين تتجاوز النشاط التجاري وتشمل أهدافا عسكرية واضحة. وأبرز الأمثلة على ذلك هو الدعم العسكري الذي تقدمه بكين لطهران.

أغلب السفن العابرة لقناة بنما متجهة من وإلى الولايات المتحدة. (AFP)

ويرى المحامي الأميركي، بأن إيران وحلفاءها في المنطقة، ما كانوا ليتمكنوا من شن هجمات ضد إسرائيل، لولا الدعم العسكري الصيني لها، عبر بيع كميات كبيرة من الأسلحة.

يذكر أن الوجود العسكري البحري الصيني، امتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط عند انطلاق أحداث الربيع العربي، عندما قامت إحدى فرقاطات البحرية الصينية بحراسة مجموعة من السفن التجارية، التي قامت بإجلاء العمال الصينيين من ليبيا عام 2011.

ثم عادت البحرية الصينية بعملية مماثلة، لإجلاء مواطنيها من اليمن خلال شهر مارس 2011، لتواصل تواجدها شرق المتوسط لاحقا، الذي يمثل الجناح الغربي لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

لا يقتصر الوجود الصيني في القطب الشمالي أو بنما أو الشرق الأوسط، على نشاط السفن التجارية والعسكرية أو سفن الأبحاث، بل هو رسالة موجهة إلى واشنطن، مفادها "أننا هنا"، حسب جون غرايدي.

وأعلنت بكين نفسها كدولة متشاطئة مع القطب الشمالي، ما يمثل إشارة إلى أنها قد تطالب بحرية الملاحة دون دفع رسوم عبور لروسيا، عبر "طريق الحرير القطبي".

قد تكون حماية سفنها التجارية من هجمات القراصنة قبالة سواحل الصومال هدفا مفهوما لبكين، وأهم وسيلة لتحقيق ذلك، قاعدتها الوحيدة في دولة عربية أو أفريقية، وهي جيبوتي.

لكن الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط، يهدف كذلك إلى حماية خطوط تصدير النفط القادمة من الشرق الأوسط وإيران نحو الصين.

ماذا يفعل ترامب؟

ومع اقتراب موعد تسلم الإدارة الأميركية الجديدة للسلطة في 20 يناير الحالي، تبرز تساؤلات حول السياسة التي ستتبعها إدارة ترامب بشأن النفوذ الصيني في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

رئيس بنما، خوسيه راؤول موليدو، الذي رفض تصريحات ترامب، نظم حفلا خاصا بالذكرى 25 لتسلم القناة من الولايات المتحدة، وأعلن أن شعور الفرح بتلك الذكرى، يشوبه الكثير من الحزن بسبب تزامنها مع وفاة الرئيس الأميركي الأسبق، كارتر.

دعوة ترامب إلى استعادة القناة، وتزامنه مع وفاة كارتر، أعاد إلى الأذهان السجال السياسي الحاد، الذي دار نهاية سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، حول تسليم القناة إلى بنما.

خلال ذلك السجال، رفع الرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريغن، شعار "نحن بنيناها، نحن اشتريناها، ونحن ننوي الاحتفاظ بها".

لم يكن قرار كارتر يحظى بشعبية كبيرة، ما كلف 7 أعضاء في مجلس الشيوخ مقاعدهم خلال الانتخابات الموالية، بسبب مساندتهم القرار.

لكن ريغن لم يراجع قرار كارتر بخصوص قناة بنما، رغم كل الصخب الإعلامي وحديث الانتخابات.

ضياء عُطي

وجوه وقضايا

بعد سقوط الأسد.. ما مصير طالبي اللجوء السوريين في أميركا؟

غزوان الميداني- واشنطن
25 فبراير 2025

وصل  إلى الولايات المتحدة لقضاء إجازة، وبعد أيام اضطر إلى تقديم طلب لجوء سياسي.

ولا يزال السوري رامي عبد الحميد، منذ أكثر من 10 أعوام، ينتظر قرارا من السلطات الأميركية بشأن طلبه.

والآن، بعد سقوط نظام بشار الأسد، أصبحت أوضاع اللاجئين السوريين، ولا سيما غير المحسومة، أكثر تعقيدا.

كان عبد الحميد وزوجته وابنتاه، يقيمون في السعودية، حين قرروا زيارة أميركا.

أراد أن يصطحب ابنتيه إلى مدينة الملاهي، دزني لاند، في كاليفورنيا. لكن بعد أيام على وصوله، تلقى بالبريد الإلكتروني إبلاغا بأنهاء عقد عمله في المملكة؛ وإقامته أيضا. 

"تزامن ذلك مع تردي الوضع في سوريا،" يقول لموقع "الحرة". 

"أعدموا أخي ميدانيا، واعتقلوا أختي، وكنت مطلوبا لفرعين أمنيين".

تحول عبد الحميد منذ تلك اللحظة "من زائر إلى حائر"، على حد تعبيره.

لم يكن مهيئا للبقاء في أميركا، لكن كان عليه أن يسعى لتأمين وضع قانوني لأسرته في هذا البلد.

"قدمت طلب لجوء في سبتمبر 2013، إلى جانب معاملات أخرى مثل طلب الحماية المؤقتة (TPS) وتصريح عمل"، يقول.

تقول المحامية الأميركية المتخصصة في شؤون الهجرة، ليندن ويت، لموقع الحرة: إن "برنامج الحماية المؤقتة (TPS) يمنح وضعاً قانونياً مؤقتًا للأفراد القادمين من دول تشهد نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية، تمنع عودتهم بأمان" إلى البلد الأم.

خلال الأعوام الماضية، أجرى عبد الحميد مقابلات عديدة، خصوصا في عامي 2016 و2022، مع إدارة الهجرة.

"أخذوا صورنا وبصماتنا، وبياناتنا الحيوية، الـ "biometrics".

"تواصلتُ مع بعض أعضاء الكونغرس، والسيناتور المسؤول عن ولاية فيرجينيا (حيث يقيم الآن)، وكذلك أرسلت إلى البيت الأبيض أشرح وضعي وأطلب المساعدة".

"وراجعت كل مكان له علاقة بموضوع اللجوء، إلا أنني لم أتلقَ رداً حاسماً، ولا يزال الانتظار مستمراً،" يتابع.

تراجع ملحوظ

منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، تغيرت سياسات الولايات المتحدة في ما يتعلق باستقبال اللاجئين السوريين، بشكل ملحوظ.

في البداية كانت السلطات المعنية بالهجرة تبت في طلب اللاجئ السوري، في الرفض أو القبول، في مدة محددة لا تتجاوز 24 شهر.

مع امتداد الأزمة السورية، ارتفع عدد طالبي اللجوء من السوريين في الولايات المتحدة. وتباينت معدلات قبول الطلبات مع مرور الوقت.

في السنوات الأولى من الأزمة، كانت الموافقة على الطلبات تصل إلى 81%، لكنها انخفضت إلى 46% في عام 2014. 

وصارت مراجعة طلبات اللجوء وحسمها تستغرق سنوات. 

ما الأسباب؟

أدى تصاعد المخاوف الأمنية، وخاصة بعد ظهور تنظيم داعش في سوريا وسيطرته على مساحات شاسعة من أراضيها في تلك الفترة، إلى تعزيز عمليات التدقيق الأمني لملفات طالبي اللجوء في أميركا.

وتأثرت أيضا معالجة الطلبات.

ومع زيادة عدد المتقدمين بطلبات اللجوء، واجه النظام الأميركي (السيستم) تحديات لوجستية أدت إلى تراكم ملفات اللجوء والتأخر في دراستها والبت فيها.

وانعكست التغيرات في السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة على نهجها في قبول اللاجئين. وكان تأثير ذلك سلبيا على معدلات قبول اللاجئين السوريين.

اليوم.. مع رحيل الأسد، ووصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة لولاية ثانية، يتساءل اللاجئون السوريون وأولئك الذين يخضعون للحماية المؤقتة (TPS) في أميركا، عن مصيرهم.

إعادة تقييم

قد تعيد السلطات الأميركية تقييم الوضع في سوريا لتحديد ما إذا كانت الظروف لا تزال تستدعي استمرار برنامج الحماية المؤقتة للسوريين. 

إذا قررت السلطات أن الظروف في سوريا قد تحسنت بما يكفي، فقد تنهي العمل ببرنامج الحماية المؤقتة، فيتأثر وضع المستفيدين منه.

تقول المحامية، ليندن ويت، "عندما تمر دولة ما بتغيير كبير، كما حصل في سورية، فقد يؤثر ذلك على طلبات لجوء مواطينها".

"إذا اعتبر قاضي الهجرة أن الظروف في البلد الأصلي لطالب اللجوء قد تغيرت ولم يعد خوفه من العودة إلى بلده مبررا، فقد يؤدي ذلك إلى رفض طلب اللجوء لبعض الحالات"، تقول.

لكنها تستبعد أن تخصص الحكومة موارد مالية لإعادة النظر في حالات اللجوء بهدف إلغائها بسبب تغير الظروف في بلد المنشأ". 

"عادة ما يكون التركيز على إعادة فتح القضايا التي تتعلق بوقوع احتيال. أما المرحلة الأكثر احتمالا التي يحصل فيها إعادة تقييم طلب اللجوء من جانب الحكومة هي عندما يتقدم اللاجئ المعترف به بطلب للحصول على الإقامة الدائمة".

وتضيف ويت "بشكل عام، فإن الحماية المؤقتة لا تمنح الأشخاص المقيمين في الولايات المتحدة حق التقدم للحصول على الإقامة الدائمة، في حين يستطيع اللاجئون الذين تمت الموافقة على طلبات لجوئهم التقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة بعد مرور عام على منحهم اللجوء".

ماذا سيحدث في سبتمبر 2025؟

وعن طالبي اللجوء السوريين، تقول المحامية: "حالياً، تنتهي صلاحية الحماية المؤقتة للسوريين في 30 سبتمبر 2025، ومن غير المرجح أن يتم تمديدها، خاصة أن الإدارة الحالية قد ألغت بالفعل برامج حماية أخرى مثل تلك الممنوحة لفنزويلا".

وتوضح السيدة ويت: "إذا تم إلغاء اللجوء، يمكن لوزارة الأمن الداخلي (DHS) البدء في إجراءات الترحيل، لكن الشخص سيكون له فرصة للمثول أمام قاضي الهجرة وتقديم أسباب قانونية للدفاع عن وضعه، وربما محاولة إثبات استمرار الخوف من الاضطهاد في بلده الأصلي".

مصير مجهول

حتى الآن، لم تصدر الحكومة الأميركية بيانات رسمية تحدد التغييرات المحتملة في سياساتها تجاه اللاجئين السوريين أو المستفيدين من الحماية المؤقتة. ومن المتوقع أن يتم تقييم الوضع الأمني والإنساني في سوريا بعناية قبل اتخاذ أي قرارات.

وقد تتأثر أوضاع اللاجئين، عموما، بالسياسات التي ستتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب. فنهج "أميركا أولاً" الذي يتبناه قد يؤثر على سياسات اللجوء والهجرة، إلا أن التفاصيل الدقيقة لم تتضح بعد.

ولا ينظر اللاجئون السوريين إلى فكرة العودة إلى الوطن، من منظار واحد.

فبينما ينظر بعضهم بإيجابية إلى الفكرة، يساور آخرين القلق نظرا للتحديات العملية والاعتبارات الواقعية المرتبطة بالعودة.

فغياب المبررات الأمنية للجوء، لا يعني أن الطريق معبد للعودة.

وضع الاقتصاد السوري يعاني من تضخم تجاوز 300%، وفقا لصندوق النقد الدولي 2024. وهناك غياب للبنية التحتية، حيث أن 60% من المستشفيات و70% من المدارس مدمرة، وفقا لتقرير البنك الدولي.

"السوريون في بلاد اللجوء درسوا وأسسوا أعمالهم ومساراتهم المهنية وتمكنوا من الاندماج في المجتمعات التي لجؤوا إليها،" يقول عبدالحميد.

مدوا جذورا في التربة الجديدة، وبالتالي، فالحديث عن العودة، بالنسبة لعضهم، مثل محاولة اقتلاع شجرة من جذورها.

"صار لي أكثر من 10 سنوات هنا،" يقول عبد الحميد.

"أطفال درسوا هنا، وكبروا هنا، وما زلت أنتظر".

غزوان الميداني