وجوه وقضايا

حرب "النفط الجديد" بين واشنطن وبكين

الحرة - واشنطن
التحديث 12 فبراير 2025 03:01

إنها "دماغ الذكاء الاصطناعي".

تنتشر في كل مكان، كالهواء الذي نتنفس.

وبحسب الضالعين في "أشباه الموصلات"، قد لا نقوى على الحياة من دونها.

"النفط الجديد،" يسميها جين-سون هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA.

"تمدُُّّ كل شيء بالطاقة،" على الأرض، وكذلك في أعماق السماء.

السيارات، والبواخر، وسفن الفضاء، مثلا.

تدخل في صناعات لم نعد نتصور العيش من دونها.

ليس الهاتف المحمول، أو الحاسوب أو تطبيق واتساب فحسب؛ لكن أيضا الثلاجة التي تحفظ حليب أطفالك من التلف.

تؤثر أشباه الموصلات كذلك ـ بصيغ مختلفة ـ على سير عمليات حاسمة في بقاء ملايين الأشخاص على قيد الحياة. 

تخيل عطلا في سلاسل التوريد ـ كالذي حصل أيام كورونا قبل بضع سنوات ـ لكن على نطاق أوسع بكثير.

بـ"سلاسل التوريد"، نقصد شبكات من الأشخاص والمنظمات والموارد والأنشطة والتكنولوجيا الداخلة في صناعة البضائع ـ أو زراعتها ـ، ونقلها، وتخزينها، وبيعها إلى المستهلك.

خذ الحنطة، مثلا، أو اللقاحات عند تفشي الأوبئة.

الرقائق بالنسبة للذكاء الاصطناعي، بمقام الدماغ لفكر الإنسان؛ ويبقى الذكاء في الحالتين، سلسلة عمليات ذهنية لحل المشكلات.

وبالنسبة للتنافس الدولي على النفوذ، هي إكسير القوة، لهذا تدور منذ سنوات حرب طاحنة عنوانها "الرقائق".

كيف بدأت الحرب

عند إطلاق نموذجها للذكاء الاصطناعي قبل نحو أسبوعين، زعمت شركة DeepSeek الصينية أن كلفة النموذج كانت رخيصة مقارنة بكلف نماذج أميركية مماثلة، مثل OpenAI. 

وقالت الشركة إنها استخدمت، في تدريب نموذجها، رقائق أشباه موصلات أقل تعقيدا ـ أو تطورا ـ من تلك التي تستخدمها الشركات الأميركية.

هل كانت رقائق DeepSeek صينية %100؟ 

مثل خبراء كثيرين، يعتقد أوز سلطان أن الشركات الصينية "تواجه مشكلات للوصول الى مستوى آداء نفيديا" الأميركية في صناعة أشباه الموصلات.

لكن، إن صدقت مزاعم الشركة الصينية، فإن نموذجها يؤشر إلى منعطف جديد في ما أطلق عليها ترامب، عام 2019 "حرب الرقائق" بين الولايات المتحدة والصين.

الشهر الماضي، نبّه ترامب بأن DeepSeek يجب أن يكون "جرس إنذار" لقطاع التكنولوجيا الأميركي.

أشباه الموصلات ـ والرقائق التي تُصنع منها ـ هي العنصر الأساس في كل مجالات التكنولوجيا الحديثة.

لهذا، ستحدد نتيجة الحرب، التي تحدث عنها ترامب، هوية "أقوى قوة"، عسكرية واقتصادية، لعقود طويلة قادمة.

وربما، على مدى أطول.

النفط الجديد

تُصنع أشباه الموصلات من عناصر كيميائية، أبرزها، السيليكون والجرمانيوم والغاليوم.

من خصائص هذه المواد، أو العناصر، أنها ليست عازلة بشكل كامل ولا موصلة بشكل كامل للكهرباء.

إنها بين بين.

هذه الخاصية تمكن من استخدام أشباه الموصلات للتحكم بالتدفق الكهربائي في الدوائر الإلكترونية بدقة عالية، وهو ما يجعلها أساسية في صناعة الإلكترونيات.

تقود صناعة أشباه الموصلات العالمية شركات من الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان وهولندا.

في عام 2021، كانت هناك ثلاث شركات فقط قادرة على تصنيع أشباه الموصلات الأكثر تقدما، وهي شركة " TSMC" في تايوان، و"سامسونغ" في كوريا الجنوبية، و"إنتل" في الولايات المتحدة.

كانت تكلفة بناء مصنع للرقائق باهظة جدا؛ ولا تزال.

كلّف مصنع TSMC التايوانية الذي اكتمل بناؤه عام 2020، تسعة عشر مليارا وخمسمئة مليون دولار.

ومع تقدم هذه الصناعة، خلال السنوات القليلة الماضية، أصبحت مصانع أشباه الموصلات أكثر تعقيدا، وتشييدها أكثر كلفة، بسبب الحاجة إلى مساحة أكبر ومبان أضخم.

لكن في المقابل، نمت السوق العالمية لأشباه الموصلات في عام 2024 بنسبة 18% مقارنة بالعام 2023.

وبحسب نتائج أولية أعدتها شركة Gartner, Inc، وصل حجم هذه السوق إلى 626 مليار دولار أميركي. وتتوقع الشركة أن يزداد حجم السوق في العام الجاري إلى 705 مليار دولار.

وسيتجاوز حجم سوق الموصلات تريليوني دولار بحلول عام 2032، بحسب توقعات موقع "فرتشن بيزنس إنسايتس".

كيف تطور الصراع؟

منذ سنوات، تسعى واشنطن لمنع الصين من الاستيلاء، بشكل غير قانوني، على تكنلوجيا أشباه الموصلات الأميركية.

يخشى صناع القرار في واشنطن أن تستخدمها في بناء قدراتها العسكرية.

بوادر المنافسة تعود إلى بداية الألفية، لكن في العام 2017 تحولت رسميا إلى حرب طاحنة.

في ذلك العام، فرض ترامب عقوبات مدمرة على شركة الاتصالات شبه الحكومية الصينية ZTE، وحرمها من الحصول على التكنلوجيا الأميركية.

إدارة ترامب اتهمت الشركة الصينية بإعادة تصدير التكنولوجيا الأميركية إلى إيران وكوريا الشمالية.

منيّت الشركة بخسائر كبيرة بعد أن عجزت عن إنتاج الهواتف الذكية من دون أشباه الموصلات الأميركية.

بعد عامين، وقعت هواوي، أكبر شركة اتصالات صينية، في شرك سيناريو مماثل.

قيود بايدن

ومع اشتداد سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر، فرضت إدارة بايدن في 2022قيودا على تصدير رقائق أشباه الموصلات، المتطورة، إلى الصين.

H100s وحدة معالجة رسوميات متطورة خاصة بالذكاء الاصطناعي، تصنعها شركة NVIDIA الأميركية.

بعد قيود بايدن، اضطرت الشركة إلى صناعة رقاقة H800s، وهي أقل قوة، لتتمكن من بيعها بشكل قانوني إلى الصين.

عاد بايدن وفرض حظرا على تصدير الـ H800s إلى الصين.

نفيديا حققت "تقدما هائلا" في صناعة وحدات معالجة الرسوميات الخاصة بالذكاء الاصطناعي مقارنة بمنافسيها،" ولاسيما وحدات معالجة الرسوميات H100 وH200 التي يمكنها معالجة مئات آلاف من نقاط البيانات (الرموز) في الثانية،" يقول أوز سلطان، الخبير في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، لموقع "الحرة".

في العام 2022 نفسه، وقع بايدن على قانون الرقائق والعلوم.

وخصص، بموجب القانون، مساعدات بنحو 53 مليار دولار لإعادة تصنيع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، وفرض على الصين قيود تصدير إضافية في عامي 2023 و2024 .

وتضمنت القوانين الجديدة أيضا منع الشركات الأميركية من بيع المعالجات المتطورة والمعدّات التي تدخل في صناعة أشباه الموصلات، لأي شركة صينية.

وتمثلت أحدث القيود  في فرض إدارة الرئيس ترامب في منتصف يناير الماضي، ضوابط تصدير أشدّ صرامة على أشباه الموصلات المتقدمة، للحدّ من قدرة الصين "على شراء وتصنيع الرقائق المتطوّرة المستخدمة في التطبيقات العسكرية"، بحسب مكتب الصناعة والأمن (BIS) التابع لوزارة التجارة.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أدرجت واشنطن عشرات الشركات الصنيية، وأخرى مرتبطة ببكين على قوائم العقوبات، بعد اتهامها بمساعدة بكين في إنتاج أشباه الموصلات.

لم يعد الحديث عن أشباه الموصلات الأميركية، خلال السنوات القليلة الماضية، منفصلا عن التهديدات المحتملة للأمن القومي الأميركي.

ردود الفعل الصينية

رغم العقوبات، حصلت الصين على أشباه الموصلات الأميركية بوسائل تحايل متعددة، يقول مايك سكستون، المستشار السياسي الأول لشؤون الأمن السيبراني في برنامج الأمن القومي التابع لمؤسسة "Third Way".

"هناك أدلة قوية على أن الصين تتحايل على العقوبات المفروضة على الرقائق من خلال طرق مختلفة أبرزها ما يطلق عليها شبكات ظلّ".

بعد حرمانها من التكنلوجيا الأميركية، كشف تقرير أن "هواوي تكنولوجيز" عكفت عام 2023 على بناء مرافق سرية في الصين، بأسماء مختلفة، لتصنيع أشباه الموصلات.

وقالت "الجمعية الدولية لصناعة أشباه الموصلات،" صاحبة التقرير، إن من شأن "شبكات تصنيع الظل"، تمكين الشركات الصينية المدرجة في القائمة السوداء، من التحايل وشراء معدات أميركية خاصة بتصنيع الرقائق، بشكل غير مباشر.

ومن أساليب التحايل الصينية الأخرى ما يُعرف بـ "الطرف الثالث": أي شركة أو فرد أو كيان خارجي، يقوم بدور الوسيط التجاري، بشكل سري وغير قانوني، بين طرفين.

يقول سكستون إن الصين "نجحت تاريخيا في التهرب من عقوبات الرقائق بمساعدة أطراف ثالثة، مثل ماليزيا وسنغافورة والإمارات".

"رغم تحسن تعاون الإمارات مع الولايات المتحدة بمرور الوقت،" يضيف.

وتمكنت الصين فعليا من شراء الرقائق الأميركية الحديثة الخاضعة للعقوبات، من خلال شركات وفروع مسجلة دوليا.

وفي نقل التكنلوجيا الأميركية استخدم الناشطون في شركات الظل، أساليب تهريب اعتمدت على:

ملصقات شحن مزورة، وصفقات خلف الكواليس، وإنشاء شركات وهمية ومراكز بيانات شكلية.

أدت القيود الأميركية، وحاجة الصين إلى وحدات معالجة الرسوميات التي تصنعها نفيديا، وهي أسرع بنسبة 100% من مثيلاتها الصينية" إلى خلق سباق تسلح للحصول على الموارد" يقول أوز سلطان لموقع "الحرة".

ولتحقيق الاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات، أنفقت الصين في السنوات القليلة الماضية أكثر من مئة مليار دولار على شركات تصنيع الرقائق، وتحديدا شركتي SMIC المملوكة للدولة، و"هواوي تكنولوجيز" .

أعلنت الشركتان في الربع الأخير من عام 2023، تصنيع معالج متقدم بقياس 7 نانومتر.

هذا لا يعني أن الصين تتقدم على الولايات المتحدة تكنلوجيا، يقول سلطان.

بكين "تواجه مشكلات في النمذجة الرياضية لضغط عدد الترانزستورات والتكنولوجيا اللازمة للوصول إلى مستوى آداء نفيديا".

الصين ترد بالمثل

في مواجهة القيود الأميركية، فرضت الصين، في ديسمبر 2023، ضوابط تصدير على مادتين خام حيويتين لصناعة أشباه الموصلات: الغاليوم والجرمانيوم.

وفي ديسمبر 2024، أعلنت حظر تصدير الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون إلى أميركا.

وتعتمد الولايات المتحدة على الصين في توفير هذين العنصرين.

في عام 2021، استوردت أكثر من 50% من حاجتها للغاليوم والجرمانيوم من الصين، بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وفي عام 2022، صدّرت الصين حوالي 23 طنا متريا من الجاليوم. واستوردت الولايات من الصين المتحدة ما يقرب من 95% من حاجتها للجاليوم.

واستوردت أميركا في عام 2023، ما قيمته نحو 45 مليون دولار من معدن الجرمانيوم وثاني أكسيد الجرمانيوم. وجاء حوالي 80% من الجرمانيوم المستورد، من الصين.

الغاليوم والجرمانيوم

الغاليوم والجرمانيوم من المعادن التي لا تتكون بشكل طبيعي، إنما تُستخلص كمنتج ثانوي لعملية إنتاج معادن أخرى، كالزنك والألمنيوم.

الغاليوم معدن ناعم فضي اللون، يسهل قطعه بالسكين. 

يُستخدم عادة لإنتاج مركبات تشكل مواد أساسية في أشباه الموصلات.

الجرمانيوم معدن صلب هش، ذو لون لامع بين الأبيض والرمادي، يستخدم في إنتاج الألياف البصرية القادرة على نقل الضوء والبيانات الإلكترونية وفي ألواح الطاقة الشمسية.

وتعدّ الصين أكبر منتج عالمي للغاليوم والجرمانيوم، وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، بنسبة  98% من الإنتاج العالمي للغاليوم، و68% من إنتاج الجرمانيوم.

قد تكون الصين هي الرائدة في هذه الصناعة، لكن هناك بدائل متاحة لكلا المعدنين، وفق ما جاء في مذكرة بحثية لمجموعة أوراسيا.

ويقول مايك سكستون إن الولايات المتحدة تستكشف مصادر بديلة من خلال الإنتاج المحلي، وإعادة التدوير واستبدال المواد وعبر الشراكات الدولية.

بدوره لا يستبعد أوز سلطان، الخبير في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، "احتمال تأثر بعض الصناعات المرتبطة بتطوير أجهزة الذكاء الاصطناعي بالحظر الصيني الى حد ما".

وقد تصبح هذه المسألة "نقطة خلافية"، خلال تفاوض الرئيس دونالد ترامب مع أوكرانيا وأفغانستان بشأن عقود المعادن الأرضية النادرة.

مستقبل الحرب

إعلان شركة ديبسيك الصينية عن نموذجها اللغوي الجديد، هل سيغير شيئا في موازين حرب الرقائق بين الولايات المتحدة والصين؟

ردا على هذا السؤال يستحضر سكستون مقولة كاي فو لي، أحد أشهر المستثمرين في مجال التكنولوجيا في الصين: " الغرب يخترع والصين تُتقن". 

يقول سكستون "صحيح أن الصين لم تتفوق على أحدث التقنيات الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، "لكنها لحقت بالولايات المتحدة بسرعة أكبر وبشكل دراماتيكي أكثر مما توقعه كثيرون".

يتطلب الذكاء الاصطناعي طاقة لتطوير النموذج وتشغيله، و"قدرة الصين على تدريب نموذج باستخدام شرائح محدودة، يجعل من المرجح أن تتمكن من تشغيل نماذج على نطاق واسع باستخدام شرائح محدودة أيضا،" يقول سكستون.

لا يجب أن تقلل للولايات المتحدة من شأن "المواهب والنظام البيئي التكنولوجي" في الصين، نظرا لأن السباق على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي في حالة متغيرة دائما، يضيف.

أوز سلطان يعتقد أن ديب سيك ليس سوى استنساخ لنموذج Open AI الأميركي.

"يستفيد نموذج DeepSeek في الواقع من إطار عمل التعلم الآلي بناء على نماذج تعلم اللغة الخاصة بشركة Open AI، إلى حدّ ما على الأقل"، يوضح.

وتحقق وزارة التجارة الأميركية في ما إذا كانت شركة "DeepSeek" الصينية، قد حصلت على رقائق ذكاء اصطناعي أميركية محظورة، واستخدمتها في تطوير نموذجها اللغوي، الذي خرج إلى العلن في 27 يناير الماضي .

يقول مايك سكستون إن التحقيق الأميركي ينظر في الثغرات المحتملة في سلسلة التوريد، وخاصة من خلال بائعين أو كيانات خارجية في الولايات القضائية التي تطبق قواعد التصدير الأميركية بشكل أقل صرامة.

للتدليل على عدم أصالة النموذج الصيني، يشير أوز  إلى قصة الباحث الياباني الذي قال إنه طلب من DeepSeek أن ينتج له صورا إباحية، فجاءه الرد من DeeSeek نفسه، بأن طلبه يشكل انتهاكا لسياسة OpenAI الأميركية.

مزاعم أوز وحكاية الباحث الياباني ليست من دون أساس.

الرئيس التنفيذي لشركة Scale AI، ألكسندر وانغ، هو الآخر يعتقد، أو يعلم، أن شركة DeepSeek الصينية تستخدم 50 ألف شريحة Nvidia H100، لكن عمالها ممنوعون من مناقشة الأمر بسبب قيود التصدير الأميركية.

وتعليقا على تصريحات وانغ، قال ماسك بتغريدة في 27 يناير: هذا "واضح". 

الحرة - واشنطن

وجوه وقضايا

"اليهود البغداديون".. حكاية بصمات عراقية في الهند

رامي الأمين
23 أبريل 2025

يحكي الملحن البريطاني براين إلياس في مقطع فيديو عن خليط بين الطعام البغدادي اليهودي والتوابل الهندية. ما زال هذا الخليط يسكن ذاكرته ويشعر بطعمه في فمه، لما يعنيه من مزيج ثقافات في أطباق كانت تُعد بأيادي "اليهود البغداديين" في منطقة بايكولا في مدينة مومباي الهندية.

الفيديو واحد من عشرات الفيديوهات التي تنشرها الشابة البريطانية كيرا شالوم في حسابها "تاريخ المزراحي" The Mizrahi History على إنستغرام، لشهادات وذكريات لليهود المشرقيين من مختلف البلدان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

شالوم التي تتحدّر من عائلة يهودية بغدادية عاشت في الهند حتى ستينيات القرن الماضي، تخصّص الكثير من وقتها، ومساحة كبيرة من حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، للإضاءة على تاريخ ما يُعرف بـ"اليهود البغداديين".

وصل هؤلاء بأعداد كبيرة إلى الهند في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولم يبق منهم سوى أعداد قليلة ما زالت تعيش هناك.

في كتابها "اليهود البغداديون في الهند"، تقول المؤرخة الإسرائيلية شالفا ويل إن هذه الفئة من اليهود معروفة في الهند وخارجها رغم عددها القليل، ومعظمها يتحدث اللغة العربية بالإضافة إلى الإنجليزية والهندية.

يتحدر هؤلاء بحسب ويل، ليس من بغداد فحسب، بل أيضاً من مدن عراقية أخرى كالبصرة والموصل، وكذلك من سوريا واليمن وإيران وبخارى وأفغانستان. بهذا المعنى فإن التسمية لا تعني حصراً اليهود المتحدّرين من العاصمة العراقية، بل تشمل يهوداً مزراحيين (شرقيين) من مناطق مختلفة في الشرق الأوسط.

تشير الكاتبة الإسرائيلية إلى أن أول يهودي وصل الهند من بغداد كان يدعى جوزف سماح ورست سفينته في مرفأ سورات في غوجارات الهندية في عام 1730، وترك بغداد بحثاً عن فرص تجارية جديدة.

ومع بدايات القرن التاسع عشر بحسب الكاتبة، تحولت مومباي إلى ملجأ كبير لعدد من اليهود الناطقين بالعربية الذين هربوا من بطش داود باشا، آخر حكام العراق من المماليك في الفترة بين عامي 1816 و1831.

أما التاريخ المفصلي في ترسيخ الوجود اليهودي البغدادي في مومباي وتطورها الاقتصادي نتيجة ذلك، فكان مع وصول ديفيد ساسون وعائلته إلى المدينة في عام 1832، حيث عملوا في تجارة الأفيون قبل أن تصبح غير شرعية.

بَنَت هذه العائلة سيناغوغ (كنيس يهودي) في بايكولا في مومباي، وآخر حمل اسم إلياهو في وسط المدينة، ثم بعد أن أصبحت تجارة الأفيون غير شرعية انتقل آل ساسون إلى الاستثمار في انتاج وبيع أكياس الرمل المخصصة للدشم (تحصينات دفاعية) العسكرية في الحروب، وحققوا أرباحاً طائلة.

كما أسهم دايفد وألبرت ساسون في بناء ميناء تجاري في مومباي والعديد من المدارس والمستشفيات التي ما يزال بعضها موجوداً حتى اليوم.

صورة من أرشيف كيرا شالوم الخاص

في تقديرات لأعداد اليهود البغداديين، فإنها بلغت حتى الربع الأول من القرن العشرين نحو سبعة آلاف نسمة، لكنها سرعان ما انخفضت بشكل كبير مع منتصف القرن العشرين.

تربط ويل في كتابها بين نَيل الهند استقلالها في عام 1947 وبدء اليهود بالتفكير بالرحيل عنها، والسبب أن القوانين التي أقرتها الحكومة الهندية بعد الاستقلال ضيقت عمليات التجارة والاستيراد والتصدير، وحدّت من قدرة اليهود البغداديين على الاستثمار في التجارة وإيجاد فرص جديدة.

كما شكّل إعلان دولة إسرائيل في عام 1948 فرصة ليهود بغداديين للهجرة إليها، لكن معظمهم اختاروا بلداناً ناطقة بالإنجليزية، بينما بقي نحو ألفين منهم في الهند حتى سنوات لاحقة، قبل أن ينتقلوا إلى بريطانيا واستراليا وكندا وأميركا.

تقول كيرا شالوم إن عائلتها غادرت الهند في عام 1961، أي بعد سنوات طويلة من نيلها الاستقلال، وقبل تأسيس دولة إسرائيل.

حاولت شالوم أن تفهم من أقاربها سبب رحيل اليهود البغداديين من الهند، لكنها، كما تقول، لم تحصل على سبب مقنع، خاصة وأن "معاداة السامية لم تكن حاضرة بأي شكل من الأشكال في الهند، واندمج أهلها وغيرهم في المجتمع الهندي بشكل كامل، أي مع المسلمين والهندوس".

حتى حينما كان اليهود يتعرضون لمجازر في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، لم يتعرض من كان في الهند لأية مضايقات، وفقاً لشالوم التي ما تزال تحتفظ بصور لعائلتها في مومباي وبعضهم يلبس أزياء عربية.

كان لليهود البغداديين كما تشرح شالوم، بصماتهم على الثقافة الهندية، ومساهماتهم الكبيرة في نهضة الهند، وتذكر من بين الشخصيات اليهودية البغدادية البارزة، الممثلة العراقية نادرة (فلورنسا حزقيل) التي ولدت في بغداد عام 1932 وعاشت في الهند حتى وفاتها عام 2006، وحصلت على شهرة في سينما بوليود.

من الشخصيات الأخرى التي تذكرها، الجنرال (جي أف آر يعقوب)، وهو قائد عسكري هندي من أصول يهودية بغدادية، لعب دوراً في استقلال بنغلاديش عام 1971.

وأثر اليهود البغداديون في المطبخ الهندي، إذ أدخلوا العديد من الأطباق العراقية التي أضيفت إليها التوابل الهندية أو بعض المكونات البريطانية.

وتتحدث شالوم بشغف عن توارث هذه الأطباق في عائلتها وشيوع استخدام الجيل الذي عاش في الهند اللغات الهندية والعربية والإنجليزية في جملة واحدة، كما بقي الأحفاد يستخدمون الدلالات الهندية في الإشارة إلى الجدّ أو الجدة، من مثل "نانا" و"ناني".

لم تزر هذه الشابة البريطانية العراق أبداً، كما أنها لم تزر الهند. تقول إنها "تتمنى زيارة الهند قريباً، لكنها لا تفكّر بزيارة العراق الآن، كذلك الأمر بالنسبة إلى باقي أفراد عائلتها، حيث يمنعهم الخوف بشكل أساسي من التفكير في زيارة البلاد التي يتحدرون منها".

لكنها لا تنكر حنين العديد من أفراد عائلتها وأقاربها إلى بغداد والثقافة العراقية، خاصة الموسيقى والطعام، فضلاً عن الحنين إلى الهند التي ما تزال تحتفظ بالكثير من الآثار والبصمات الثقافية والدينية التي تركها القادمون من بغداد ومدن أخرى.

رامي الأمين