وجوه وقضايا

حرب "النفط الجديد" بين واشنطن وبكين

الحرة - واشنطن
التحديث 12 فبراير 2025 03:01

إنها "دماغ الذكاء الاصطناعي".

تنتشر في كل مكان، كالهواء الذي نتنفس.

وبحسب الضالعين في "أشباه الموصلات"، قد لا نقوى على الحياة من دونها.

"النفط الجديد،" يسميها جين-سون هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA.

"تمدُُّّ كل شيء بالطاقة،" على الأرض، وكذلك في أعماق السماء.

السيارات، والبواخر، وسفن الفضاء، مثلا.

تدخل في صناعات لم نعد نتصور العيش من دونها.

ليس الهاتف المحمول، أو الحاسوب أو تطبيق واتساب فحسب؛ لكن أيضا الثلاجة التي تحفظ حليب أطفالك من التلف.

تؤثر أشباه الموصلات كذلك ـ بصيغ مختلفة ـ على سير عمليات حاسمة في بقاء ملايين الأشخاص على قيد الحياة. 

تخيل عطلا في سلاسل التوريد ـ كالذي حصل أيام كورونا قبل بضع سنوات ـ لكن على نطاق أوسع بكثير.

بـ"سلاسل التوريد"، نقصد شبكات من الأشخاص والمنظمات والموارد والأنشطة والتكنولوجيا الداخلة في صناعة البضائع ـ أو زراعتها ـ، ونقلها، وتخزينها، وبيعها إلى المستهلك.

خذ الحنطة، مثلا، أو اللقاحات عند تفشي الأوبئة.

الرقائق بالنسبة للذكاء الاصطناعي، بمقام الدماغ لفكر الإنسان؛ ويبقى الذكاء في الحالتين، سلسلة عمليات ذهنية لحل المشكلات.

وبالنسبة للتنافس الدولي على النفوذ، هي إكسير القوة، لهذا تدور منذ سنوات حرب طاحنة عنوانها "الرقائق".

كيف بدأت الحرب

عند إطلاق نموذجها للذكاء الاصطناعي قبل نحو أسبوعين، زعمت شركة DeepSeek الصينية أن كلفة النموذج كانت رخيصة مقارنة بكلف نماذج أميركية مماثلة، مثل OpenAI. 

وقالت الشركة إنها استخدمت، في تدريب نموذجها، رقائق أشباه موصلات أقل تعقيدا ـ أو تطورا ـ من تلك التي تستخدمها الشركات الأميركية.

هل كانت رقائق DeepSeek صينية %100؟ 

مثل خبراء كثيرين، يعتقد أوز سلطان أن الشركات الصينية "تواجه مشكلات للوصول الى مستوى آداء نفيديا" الأميركية في صناعة أشباه الموصلات.

لكن، إن صدقت مزاعم الشركة الصينية، فإن نموذجها يؤشر إلى منعطف جديد في ما أطلق عليها ترامب، عام 2019 "حرب الرقائق" بين الولايات المتحدة والصين.

الشهر الماضي، نبّه ترامب بأن DeepSeek يجب أن يكون "جرس إنذار" لقطاع التكنولوجيا الأميركي.

أشباه الموصلات ـ والرقائق التي تُصنع منها ـ هي العنصر الأساس في كل مجالات التكنولوجيا الحديثة.

لهذا، ستحدد نتيجة الحرب، التي تحدث عنها ترامب، هوية "أقوى قوة"، عسكرية واقتصادية، لعقود طويلة قادمة.

وربما، على مدى أطول.

النفط الجديد

تُصنع أشباه الموصلات من عناصر كيميائية، أبرزها، السيليكون والجرمانيوم والغاليوم.

من خصائص هذه المواد، أو العناصر، أنها ليست عازلة بشكل كامل ولا موصلة بشكل كامل للكهرباء.

إنها بين بين.

هذه الخاصية تمكن من استخدام أشباه الموصلات للتحكم بالتدفق الكهربائي في الدوائر الإلكترونية بدقة عالية، وهو ما يجعلها أساسية في صناعة الإلكترونيات.

تقود صناعة أشباه الموصلات العالمية شركات من الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان وهولندا.

في عام 2021، كانت هناك ثلاث شركات فقط قادرة على تصنيع أشباه الموصلات الأكثر تقدما، وهي شركة " TSMC" في تايوان، و"سامسونغ" في كوريا الجنوبية، و"إنتل" في الولايات المتحدة.

كانت تكلفة بناء مصنع للرقائق باهظة جدا؛ ولا تزال.

كلّف مصنع TSMC التايوانية الذي اكتمل بناؤه عام 2020، تسعة عشر مليارا وخمسمئة مليون دولار.

ومع تقدم هذه الصناعة، خلال السنوات القليلة الماضية، أصبحت مصانع أشباه الموصلات أكثر تعقيدا، وتشييدها أكثر كلفة، بسبب الحاجة إلى مساحة أكبر ومبان أضخم.

لكن في المقابل، نمت السوق العالمية لأشباه الموصلات في عام 2024 بنسبة 18% مقارنة بالعام 2023.

وبحسب نتائج أولية أعدتها شركة Gartner, Inc، وصل حجم هذه السوق إلى 626 مليار دولار أميركي. وتتوقع الشركة أن يزداد حجم السوق في العام الجاري إلى 705 مليار دولار.

وسيتجاوز حجم سوق الموصلات تريليوني دولار بحلول عام 2032، بحسب توقعات موقع "فرتشن بيزنس إنسايتس".

كيف تطور الصراع؟

منذ سنوات، تسعى واشنطن لمنع الصين من الاستيلاء، بشكل غير قانوني، على تكنلوجيا أشباه الموصلات الأميركية.

يخشى صناع القرار في واشنطن أن تستخدمها في بناء قدراتها العسكرية.

بوادر المنافسة تعود إلى بداية الألفية، لكن في العام 2017 تحولت رسميا إلى حرب طاحنة.

في ذلك العام، فرض ترامب عقوبات مدمرة على شركة الاتصالات شبه الحكومية الصينية ZTE، وحرمها من الحصول على التكنلوجيا الأميركية.

إدارة ترامب اتهمت الشركة الصينية بإعادة تصدير التكنولوجيا الأميركية إلى إيران وكوريا الشمالية.

منيّت الشركة بخسائر كبيرة بعد أن عجزت عن إنتاج الهواتف الذكية من دون أشباه الموصلات الأميركية.

بعد عامين، وقعت هواوي، أكبر شركة اتصالات صينية، في شرك سيناريو مماثل.

قيود بايدن

ومع اشتداد سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر، فرضت إدارة بايدن في 2022قيودا على تصدير رقائق أشباه الموصلات، المتطورة، إلى الصين.

H100s وحدة معالجة رسوميات متطورة خاصة بالذكاء الاصطناعي، تصنعها شركة NVIDIA الأميركية.

بعد قيود بايدن، اضطرت الشركة إلى صناعة رقاقة H800s، وهي أقل قوة، لتتمكن من بيعها بشكل قانوني إلى الصين.

عاد بايدن وفرض حظرا على تصدير الـ H800s إلى الصين.

نفيديا حققت "تقدما هائلا" في صناعة وحدات معالجة الرسوميات الخاصة بالذكاء الاصطناعي مقارنة بمنافسيها،" ولاسيما وحدات معالجة الرسوميات H100 وH200 التي يمكنها معالجة مئات آلاف من نقاط البيانات (الرموز) في الثانية،" يقول أوز سلطان، الخبير في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، لموقع "الحرة".

في العام 2022 نفسه، وقع بايدن على قانون الرقائق والعلوم.

وخصص، بموجب القانون، مساعدات بنحو 53 مليار دولار لإعادة تصنيع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، وفرض على الصين قيود تصدير إضافية في عامي 2023 و2024 .

وتضمنت القوانين الجديدة أيضا منع الشركات الأميركية من بيع المعالجات المتطورة والمعدّات التي تدخل في صناعة أشباه الموصلات، لأي شركة صينية.

وتمثلت أحدث القيود  في فرض إدارة الرئيس ترامب في منتصف يناير الماضي، ضوابط تصدير أشدّ صرامة على أشباه الموصلات المتقدمة، للحدّ من قدرة الصين "على شراء وتصنيع الرقائق المتطوّرة المستخدمة في التطبيقات العسكرية"، بحسب مكتب الصناعة والأمن (BIS) التابع لوزارة التجارة.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أدرجت واشنطن عشرات الشركات الصنيية، وأخرى مرتبطة ببكين على قوائم العقوبات، بعد اتهامها بمساعدة بكين في إنتاج أشباه الموصلات.

لم يعد الحديث عن أشباه الموصلات الأميركية، خلال السنوات القليلة الماضية، منفصلا عن التهديدات المحتملة للأمن القومي الأميركي.

ردود الفعل الصينية

رغم العقوبات، حصلت الصين على أشباه الموصلات الأميركية بوسائل تحايل متعددة، يقول مايك سكستون، المستشار السياسي الأول لشؤون الأمن السيبراني في برنامج الأمن القومي التابع لمؤسسة "Third Way".

"هناك أدلة قوية على أن الصين تتحايل على العقوبات المفروضة على الرقائق من خلال طرق مختلفة أبرزها ما يطلق عليها شبكات ظلّ".

بعد حرمانها من التكنلوجيا الأميركية، كشف تقرير أن "هواوي تكنولوجيز" عكفت عام 2023 على بناء مرافق سرية في الصين، بأسماء مختلفة، لتصنيع أشباه الموصلات.

وقالت "الجمعية الدولية لصناعة أشباه الموصلات،" صاحبة التقرير، إن من شأن "شبكات تصنيع الظل"، تمكين الشركات الصينية المدرجة في القائمة السوداء، من التحايل وشراء معدات أميركية خاصة بتصنيع الرقائق، بشكل غير مباشر.

ومن أساليب التحايل الصينية الأخرى ما يُعرف بـ "الطرف الثالث": أي شركة أو فرد أو كيان خارجي، يقوم بدور الوسيط التجاري، بشكل سري وغير قانوني، بين طرفين.

يقول سكستون إن الصين "نجحت تاريخيا في التهرب من عقوبات الرقائق بمساعدة أطراف ثالثة، مثل ماليزيا وسنغافورة والإمارات".

"رغم تحسن تعاون الإمارات مع الولايات المتحدة بمرور الوقت،" يضيف.

وتمكنت الصين فعليا من شراء الرقائق الأميركية الحديثة الخاضعة للعقوبات، من خلال شركات وفروع مسجلة دوليا.

وفي نقل التكنلوجيا الأميركية استخدم الناشطون في شركات الظل، أساليب تهريب اعتمدت على:

ملصقات شحن مزورة، وصفقات خلف الكواليس، وإنشاء شركات وهمية ومراكز بيانات شكلية.

أدت القيود الأميركية، وحاجة الصين إلى وحدات معالجة الرسوميات التي تصنعها نفيديا، وهي أسرع بنسبة 100% من مثيلاتها الصينية" إلى خلق سباق تسلح للحصول على الموارد" يقول أوز سلطان لموقع "الحرة".

ولتحقيق الاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات، أنفقت الصين في السنوات القليلة الماضية أكثر من مئة مليار دولار على شركات تصنيع الرقائق، وتحديدا شركتي SMIC المملوكة للدولة، و"هواوي تكنولوجيز" .

أعلنت الشركتان في الربع الأخير من عام 2023، تصنيع معالج متقدم بقياس 7 نانومتر.

هذا لا يعني أن الصين تتقدم على الولايات المتحدة تكنلوجيا، يقول سلطان.

بكين "تواجه مشكلات في النمذجة الرياضية لضغط عدد الترانزستورات والتكنولوجيا اللازمة للوصول إلى مستوى آداء نفيديا".

الصين ترد بالمثل

في مواجهة القيود الأميركية، فرضت الصين، في ديسمبر 2023، ضوابط تصدير على مادتين خام حيويتين لصناعة أشباه الموصلات: الغاليوم والجرمانيوم.

وفي ديسمبر 2024، أعلنت حظر تصدير الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون إلى أميركا.

وتعتمد الولايات المتحدة على الصين في توفير هذين العنصرين.

في عام 2021، استوردت أكثر من 50% من حاجتها للغاليوم والجرمانيوم من الصين، بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وفي عام 2022، صدّرت الصين حوالي 23 طنا متريا من الجاليوم. واستوردت الولايات من الصين المتحدة ما يقرب من 95% من حاجتها للجاليوم.

واستوردت أميركا في عام 2023، ما قيمته نحو 45 مليون دولار من معدن الجرمانيوم وثاني أكسيد الجرمانيوم. وجاء حوالي 80% من الجرمانيوم المستورد، من الصين.

الغاليوم والجرمانيوم

الغاليوم والجرمانيوم من المعادن التي لا تتكون بشكل طبيعي، إنما تُستخلص كمنتج ثانوي لعملية إنتاج معادن أخرى، كالزنك والألمنيوم.

الغاليوم معدن ناعم فضي اللون، يسهل قطعه بالسكين. 

يُستخدم عادة لإنتاج مركبات تشكل مواد أساسية في أشباه الموصلات.

الجرمانيوم معدن صلب هش، ذو لون لامع بين الأبيض والرمادي، يستخدم في إنتاج الألياف البصرية القادرة على نقل الضوء والبيانات الإلكترونية وفي ألواح الطاقة الشمسية.

وتعدّ الصين أكبر منتج عالمي للغاليوم والجرمانيوم، وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، بنسبة  98% من الإنتاج العالمي للغاليوم، و68% من إنتاج الجرمانيوم.

قد تكون الصين هي الرائدة في هذه الصناعة، لكن هناك بدائل متاحة لكلا المعدنين، وفق ما جاء في مذكرة بحثية لمجموعة أوراسيا.

ويقول مايك سكستون إن الولايات المتحدة تستكشف مصادر بديلة من خلال الإنتاج المحلي، وإعادة التدوير واستبدال المواد وعبر الشراكات الدولية.

بدوره لا يستبعد أوز سلطان، الخبير في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، "احتمال تأثر بعض الصناعات المرتبطة بتطوير أجهزة الذكاء الاصطناعي بالحظر الصيني الى حد ما".

وقد تصبح هذه المسألة "نقطة خلافية"، خلال تفاوض الرئيس دونالد ترامب مع أوكرانيا وأفغانستان بشأن عقود المعادن الأرضية النادرة.

مستقبل الحرب

إعلان شركة ديبسيك الصينية عن نموذجها اللغوي الجديد، هل سيغير شيئا في موازين حرب الرقائق بين الولايات المتحدة والصين؟

ردا على هذا السؤال يستحضر سكستون مقولة كاي فو لي، أحد أشهر المستثمرين في مجال التكنولوجيا في الصين: " الغرب يخترع والصين تُتقن". 

يقول سكستون "صحيح أن الصين لم تتفوق على أحدث التقنيات الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، "لكنها لحقت بالولايات المتحدة بسرعة أكبر وبشكل دراماتيكي أكثر مما توقعه كثيرون".

يتطلب الذكاء الاصطناعي طاقة لتطوير النموذج وتشغيله، و"قدرة الصين على تدريب نموذج باستخدام شرائح محدودة، يجعل من المرجح أن تتمكن من تشغيل نماذج على نطاق واسع باستخدام شرائح محدودة أيضا،" يقول سكستون.

لا يجب أن تقلل للولايات المتحدة من شأن "المواهب والنظام البيئي التكنولوجي" في الصين، نظرا لأن السباق على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي في حالة متغيرة دائما، يضيف.

أوز سلطان يعتقد أن ديب سيك ليس سوى استنساخ لنموذج Open AI الأميركي.

"يستفيد نموذج DeepSeek في الواقع من إطار عمل التعلم الآلي بناء على نماذج تعلم اللغة الخاصة بشركة Open AI، إلى حدّ ما على الأقل"، يوضح.

وتحقق وزارة التجارة الأميركية في ما إذا كانت شركة "DeepSeek" الصينية، قد حصلت على رقائق ذكاء اصطناعي أميركية محظورة، واستخدمتها في تطوير نموذجها اللغوي، الذي خرج إلى العلن في 27 يناير الماضي .

يقول مايك سكستون إن التحقيق الأميركي ينظر في الثغرات المحتملة في سلسلة التوريد، وخاصة من خلال بائعين أو كيانات خارجية في الولايات القضائية التي تطبق قواعد التصدير الأميركية بشكل أقل صرامة.

للتدليل على عدم أصالة النموذج الصيني، يشير أوز  إلى قصة الباحث الياباني الذي قال إنه طلب من DeepSeek أن ينتج له صورا إباحية، فجاءه الرد من DeeSeek نفسه، بأن طلبه يشكل انتهاكا لسياسة OpenAI الأميركية.

مزاعم أوز وحكاية الباحث الياباني ليست من دون أساس.

الرئيس التنفيذي لشركة Scale AI، ألكسندر وانغ، هو الآخر يعتقد، أو يعلم، أن شركة DeepSeek الصينية تستخدم 50 ألف شريحة Nvidia H100، لكن عمالها ممنوعون من مناقشة الأمر بسبب قيود التصدير الأميركية.

وتعليقا على تصريحات وانغ، قال ماسك بتغريدة في 27 يناير: هذا "واضح". 

الحرة - واشنطن

وجوه وقضايا

الجانب المظلم من حقيقة الذكاء الاصطناعي

الحرة / خاص - واشنطن
21 مارس 2025

لتقنيات الذكاء الاصطناعي أثر إيجابي على كثير من مجالات حياتنا اليومية، لكن ما قد يخفى عن كثيرين هو تأثيراتها الضارة على الحياة بشكل عام: الحياة على هذا الكوكب.

استهلاك شركة مايكروسوفت من الكهرباء في عام 2023، على سبيل المثال، تجاوز 24 تيراواط، أي أكثر من استهلاك بلد مثل الأردن، أو حتى السعودية.

ويزيد الاستخدام المفرط للطاقة غير النظيفة لإنتاج الكهرباء من تداعيات الانبعاثات الضارة على البيئة. 

إلى جانب الكهرباء، يستخدم قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من المياه لتبريد الأجهزة المعالجة للخوارزميات المعقدة.

الجبهة الأمامية

مراكز البيانات هي الجبهة الأمامية في الصراع نحو تصدر مجال الذكاء الاصطناعي.

هذه المراكز ليست حديثة العهد، فقد أُسس أول مركز معني بالبيانات في جامعة بنسلفانيا الأميركية عام 1945 لدعم ما عُرف حينها كأول كمبيوتر رقمي متعدد الأغراض، "ENIAC" اختصارا.  

هذه المراكز هي العمود الفقري للحوسبة الحديثة المعنية بتخزين كميات ضخمة من البيانات ومعالجتها.

تلك البيانات تكفل استمرار تشغيل كافة المواقع العاملة عبر شبكة الإنترنت، ما يسهل عمل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب.

لكن ظهور الذكاء الاصطناعي، التوليدي منه تحديدا، مثل خدمات "تشات جي.بي.تي" و"جيميناي" مثلا، غيّر "دراماتيكيا" في عمل مراكز البيانات، وفقا لمقال نشره معهد ماساتشوستس للتقنية "أم آي تي". 

واليوم، تتكون تلك المراكز من بنايات صناعية كبيرة، في داخلها مجموعة من الأجهزة الإلكترونية الضخمة.

داخل تلك البنايات هناك أجهزة تخزين البيانات الرقمية وخوادم الاتصالات والحوسبة السحابية، التي تمكن من تخزين ومعالجة البيانات.

بين عامي 2022 و 2023 ارتفعت متطلبات مراكز البيانات من الطاقة، في أميركا الشمالية، من 2,688 ميغاواط إلى 5,341 ميغاواط، وفق تقديرات علماء.

جزء من هذا الارتفاع مرتبط بالاحتياجات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفق "أم آي تي".

عالميا، بلغ استهلاك مراكز البيانات من الطاقة، في عام 2022، 460 تيراواط.

وتحتل مراكز البيانات المرتبة 11 بين الأكثر استهلاكا للكهرباء سنويا حول العالم، وهي مرتبة وسط بين فرنسا (463 تيراواط) والسعودية (371 تيراواط)، وفقا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وبحلول 2026، تشير "أم آي تي"، إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يصل إلى 1,050 تيراواط، ما قد يرفعها إلى المرتبة الخامسة، بين اليابان وروسيا.

الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده ليس العامل الوحيد، يوضح المعهد التقني، لكنه "دافع أساسي" باتجاه زيادة الطلب على الطاقة والمياه. 

تستخدم تلك المراكز كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية، وتكون لديها مصادر طاقة بديلة عند انقطاع التزويد أو في حالات الطوارئ، ما يمكّنها من الاستمرار في العمل.

لكن توفير الطاقة الكافية لتشغيل تلك المراكز أصبح تحديا في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قدّم خطة لتطوير الطاقة النووية في الولايات المتحدة تحظى بدعم لافت من جمهوريين وديمقراطيين على حد السواء، وقد تشكل الحل الأكثر رفقا بالبيئة.

البروفسور آناند راو من جامعة كارنيغي ميلون أوضح لموقع "الحرة" أنه بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطاقة الكهربائية، ظهرت معضلة جديدة أمام تلك المراكز.

الأجهزة الإلكترونية الضخمة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة ترتفع حرارتها إلى درجات عالية جدا، ما يؤثر على قدرتها، وقد يؤدي حتى إلى تلفها.

قد يبدو ذلك غريبا لأول وهلة، ولكن على عكس حاسوبك الصغير الذي يستعمل مروحة أو اثنتين لتبريد رقاقاته الإلكترونية، تستخدم أجهزة مراكز البيانات الماء للتبريد.

تدخل آلاف الغالونات من الماء إلى مبادل حراري يشغل شبكة ضخمة ومتشعبة من الأنابيب والمبردات تمتد إلى كافة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، دون أن يلامس الماء، طبعا، أيا من الدارات الكهربائية.

ومثلما هو الحال بالنسبة للكهرباء، يضع استهلاك تلك الكميات الكبيرة من الماء ضغطا كبيرا على الموارد المحلية للمنطقة حيث تكون مركز البيانات.

بات من الواضح أن استدامة عمل تلك المراكز أصبحت مرتبطة بتأمين موارد كبيرة من الكهرباء والماء.

لكنّ هناك حلولا أخرى، بحسب البروفيسور راو، مثل استخدام النيتروجين للتبريد عوضا عن الماء.

رغم أن النيتروجين متوفر بكميات كبيرة، إذ يمثل نحو 78 في المئة من الهواء في الغلاف الجوي للأرض، فإن استخدامه للتبريد مكلف كثيرا، ما يجعل الماء خيارا اقتصاديا أفضل.

حلول مبتكرة تعيقها "الهلوسة"

عوضا عن بذل جهد كبير في محاولة تبريد الأجهزة الإلكترونية، لماذا لا يتم استخدام أجهزة تطلق حرارة أقل، ما يعني بالضرورة أنها تستهلك كمية أقل من الطاقة؟

قد يخيل إليك أن هذه فكرة مثالية بعيدة عن الواقع، ولكن، مرة أخرى، يتحول الخيال إلى حقيقة.

تجري منذ مدة أبحاث تهدف لتطوير ما اصطلح على تسميته بحواسيب الكوانتوم التي تُعرف أيضاً باسم الحواسيب الكمومية.

اعتماد هذا النوع من الحواسيب على "فيزياء الكم" جعلها قادرة على القيام بعدد ضخم من الحسابات في وقت قصير ما جعلها تستخدم كمية طاقة أقل.

البيانات المعروفة بالإنكليزية بكلمة "بايت" وتعتمد نظام الرياضيات الثنائي المكون من رقمين هما 0 و1، وهو النظام المستخدم في الحواسيب.

لكن حواسيب الكم تعتمد على "الكيوبتات"، التي بإمكانها أن أن تكون في حالتي 0 و1 في نفس الوقت، وهو ما يعرف باسم التراكب الكمومي.

مكنت تلك الخاصية الفريدة هذه الحواسيب من إظهار قدرة كبيرة على فك المعادلات المعقدة وتقديم أجوبة متطورة على أسئلة مركبة، عبر معالجة العديد من المعادلات والمسائل في نفس الوقت.

وبالطبع، استخدمت حواسيب الكم في تطوير النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي، لكن الأجوبة التي قدمتها كانت "غير مستقرة".

وتعبير "غير مستقرة" يعبر عنها أحياناً بـ "الهلوسة"، حسب ما أوضح لموقع "الحرة"، كل من سام رزنيك، الباحث في معهد الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة جورج تاون الأميركية، والبروفيسور راو.

هذه "الهلوسة" البرمجية تتمثل في تقديم نموذج الذكاء الاصطناعي إجابات خاطئة وغير منطقية أو مخالفة للواقع أو عبثية لا معنى لها.

مجتمع الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يسعى لتحسين قدرات حواسيب الكم، للاستفادة من قدراتها الفريدة خصوصا من ناحية الوصول إلى نفس النتائج لكن بجهد أقل ووقت أقصر.

سباق العمالقة

ويتوالى سباق السيطرة على هذه التكنولوجيا التي فتحت أبواب الأرباح المالية الضخمة والسيطرة السياسية وحتى العسكرية، وسط مخاوف من تهديدها حرية التفكير والتعبير.

خلال الأسابيع القليلة الماضية شهدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي نموا صاروخيا وحققت أرقاما فلكية.

ارتفع عدد مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نهاية فبراير بنسبة 33 في المئة مقارنة بنفس العدد في ديسمبر الماضي ليصل إلى 400 مليون مستخدم أسبوعيا.

ومن أهم مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نجد بنك "مورغان ستانلي" الاستثماري وشركات كبرى مثل "تي موبايل" و"مودرنا" و"أوبر".

أما نموذج "ديب سيك" الصيني، فارتفع عدد مستخدميه 12 مرة خلال شهر يناير الماضي، ليصل الآن إلى معدل 700 ألف مستخدم أسبوعيا.

والتحقت شركة "أكس.أيه.آي" بالركب، ومنذ طرحها نموذج "غروك 3" ارتفع عدد مستخدميه من 4.3 مليون إلى 31.5 مليون مستخدم يوميا، وذلك خلال 3 أسابيع فقط.

وزعمت الشركة المنتجة لنموذج "ديب سيك" الصيني أنه يقدم خدمة أقل كلفة ومماثلة لنظيره الأميركي "تشات جي.بي.تي" من شركة "أوبن أيه آي".

سرعان ما خرج نموذج أميركي آخر بعد أقل من شهر، يسمى "غروك 3"، ليقدم قدرات أكبر.

شركة "أكس أيه آي"، التي أسسها إيلون ماسك عام 2023، تقول إن نموذج "غروك 3" هو الأفضل حتى الآن.

ظهور "ديب سيك" شكل صدمة ليس للباحثين المختصين بل للأسواق العالمية وحتى السياسة الدولية.

"ديب سيك" اعتمد تقنية تسمى استخلاص النماذج، يقول رزنيك في حديثه لموقع "الحرة".

تعتمد هذه التقنية على طرح آلاف من الأسئلة على نموذج "تشات جي.بي.تي"، لفهم طريقة تحليله للمعلومات.

أي لفهم طريقة تفكيره، والتعلم منها عبر التدرب على ذلك النموذج.

وبناء على ذلك قام الباحثون الصينيون ببناء نموذج "ديب سيك"، باستخدام الأجوبة المقدمة من "تشات جي.بي.تي".

ومع ارتفاع عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي تتزايد الحاجة إلى مزيد من مراكز البيانات، ما يعني، في المحصلة، استهلاكا أكبر للكهرباء والمياه، وما يصحب ذلك من تآكل لإمكانيات استمرار الحياة على كوكب الأرض.

مفاجآت بالجملة

الباحثان اللذان تحدثنا إليهما يخالفان الاعتقاد السائد بأن الصينيين لا يملكون  قدرات حاسوبية كبيرة نظرا لتأخرهم في مجال الرقائق الإلكترونية.

فمنظومة "ديب سيك" أصبحت تستخدم عددا كبيرا من الرقائق المصنعة من طرف شركة هواوي الصينية.

يكشف رزنيك لنا سرا آخر من خبايا الصراع الخفي للسيطرة على شعلة القيادة في مجال الذكاء الاصطناعي.

نموذج "ديب سيك" يعتمد على قدرات حاسوبية كبيرة، لكن السر يكمن في طبيعة الرقاقات الإلكترونية.

هناك نوعان رئيسيان من الرقاقات الإلكترونية المعتمدة في نماذج الذكاء الاصطناعي.

الرقائق المتقدمة مثل تلك المنتجة من شركة "إنفيديا"، ومقرها ولاية كاليفورنيا الأميركية، تعرف باسم رقائق "جي.بي.يو"، وتستخدم للعمليات المعقدة مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

كلمة "جي.بي.يو" هي الاختصار الإنكليزي لمصطلح "graphic processing unit" أو (GPU) اختصارا، وتعني "وحدات معالجة الصور".

مكنت قدرات تلك الرقائق شركة "إنفيديا" من الوصول إلى قيمة سوقية تعادل نحو 3 ترليون دولار.

رقائق "جي.بي.يو" لم تكن في الأصل معدة للاستخدام في مجال الذكاء الاصطناعي.

"إنفيديا" عملت منذ تأسيسها عام 1993، في مجال الألعاب الإلكترونية أو ألعاب الفيديو، وأرادت الحصول على صور ذات نوعية جيدة، تضفي طابعا أكثر واقعية على ألعاب الفيديو.

في ذلك الوقت كانت شركات التكنولوجيا مثل "إنتل" الأميركية تعمل على إنتاج رقائق حواسيب تعرف باسم "سي بي يو"، وهو الاختصار الإنكليزي لكلمة "سنترال بروسيسنغ يونت"، أو "وحدات المعالجة المركزية".

الرقائق الإلكترونية لوحدات المعالجة المركزية هي الأساس للحواسيب لذلك فهي أكثر انتشارا، لكن طريقة عملها تجعلها أقل تقدما في مجال الحسابات المعقدة.

من خلال التجارب الأولى للنماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي، تبين أن وحدات معالجة الصور المنتجة من شركة "إنفيديا"، هي الأفضل بسبب قدرتها على إجراء العمليات الحسابية المعقدة، مع حجم معالجة أكبر.

تحولت "إنفيديا" من شركة تعمل في مجال ألعاب الفيديو إلى المزود الرئيسي للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

منذ أعوام تشهد الولايات المتحدة والصين نزاعا بشأن الرقاقات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي

المفارقة أن التحول المفاجئ كان سبباً في قوة الصدمة الناجمة عن نجاح نموذج "ديب سيك".

القدرة على تقديم نموذج يستخدم قدرات حاسوبية أقل تقدماً وضع مستقبل شركة "إنفيديا" في مرمى الشك وأثر على التداولات في الأسواق.

وأصبحت رقاقات "إنفيديا" طلبا أساسيا لدى كبرى شركات التقنية مثل "أمازون" و"غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" وغيرها.

لكن الاهتمام بذلك الحدث تجاوز عالم المال والأعمال.

الحرة / خاص - واشنطن