وجوه وقضايا

بعد سقوط الأسد.. ما مصير طالبي اللجوء السوريين في أميركا؟

غزوان الميداني- واشنطن
25 فبراير 2025

وصل  إلى الولايات المتحدة لقضاء إجازة، وبعد أيام اضطر إلى تقديم طلب لجوء سياسي.

ولا يزال السوري رامي عبد الحميد، منذ أكثر من 10 أعوام، ينتظر قرارا من السلطات الأميركية بشأن طلبه.

والآن، بعد سقوط نظام بشار الأسد، أصبحت أوضاع اللاجئين السوريين، ولا سيما غير المحسومة، أكثر تعقيدا.

كان عبد الحميد وزوجته وابنتاه، يقيمون في السعودية، حين قرروا زيارة أميركا.

أراد أن يصطحب ابنتيه إلى مدينة الملاهي، دزني لاند، في كاليفورنيا. لكن بعد أيام على وصوله، تلقى بالبريد الإلكتروني إبلاغا بأنهاء عقد عمله في المملكة؛ وإقامته أيضا. 

"تزامن ذلك مع تردي الوضع في سوريا،" يقول لموقع "الحرة". 

"أعدموا أخي ميدانيا، واعتقلوا أختي، وكنت مطلوبا لفرعين أمنيين".

تحول عبد الحميد منذ تلك اللحظة "من زائر إلى حائر"، على حد تعبيره.

لم يكن مهيئا للبقاء في أميركا، لكن كان عليه أن يسعى لتأمين وضع قانوني لأسرته في هذا البلد.

"قدمت طلب لجوء في سبتمبر 2013، إلى جانب معاملات أخرى مثل طلب الحماية المؤقتة (TPS) وتصريح عمل"، يقول.

تقول المحامية الأميركية المتخصصة في شؤون الهجرة، ليندن ويت، لموقع الحرة: إن "برنامج الحماية المؤقتة (TPS) يمنح وضعاً قانونياً مؤقتًا للأفراد القادمين من دول تشهد نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية، تمنع عودتهم بأمان" إلى البلد الأم.

خلال الأعوام الماضية، أجرى عبد الحميد مقابلات عديدة، خصوصا في عامي 2016 و2022، مع إدارة الهجرة.

"أخذوا صورنا وبصماتنا، وبياناتنا الحيوية، الـ "biometrics".

"تواصلتُ مع بعض أعضاء الكونغرس، والسيناتور المسؤول عن ولاية فيرجينيا (حيث يقيم الآن)، وكذلك أرسلت إلى البيت الأبيض أشرح وضعي وأطلب المساعدة".

"وراجعت كل مكان له علاقة بموضوع اللجوء، إلا أنني لم أتلقَ رداً حاسماً، ولا يزال الانتظار مستمراً،" يتابع.

تراجع ملحوظ

منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، تغيرت سياسات الولايات المتحدة في ما يتعلق باستقبال اللاجئين السوريين، بشكل ملحوظ.

في البداية كانت السلطات المعنية بالهجرة تبت في طلب اللاجئ السوري، في الرفض أو القبول، في مدة محددة لا تتجاوز 24 شهر.

مع امتداد الأزمة السورية، ارتفع عدد طالبي اللجوء من السوريين في الولايات المتحدة. وتباينت معدلات قبول الطلبات مع مرور الوقت.

في السنوات الأولى من الأزمة، كانت الموافقة على الطلبات تصل إلى 81%، لكنها انخفضت إلى 46% في عام 2014. 

وصارت مراجعة طلبات اللجوء وحسمها تستغرق سنوات. 

ما الأسباب؟

أدى تصاعد المخاوف الأمنية، وخاصة بعد ظهور تنظيم داعش في سوريا وسيطرته على مساحات شاسعة من أراضيها في تلك الفترة، إلى تعزيز عمليات التدقيق الأمني لملفات طالبي اللجوء في أميركا.

وتأثرت أيضا معالجة الطلبات.

ومع زيادة عدد المتقدمين بطلبات اللجوء، واجه النظام الأميركي (السيستم) تحديات لوجستية أدت إلى تراكم ملفات اللجوء والتأخر في دراستها والبت فيها.

وانعكست التغيرات في السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة على نهجها في قبول اللاجئين. وكان تأثير ذلك سلبيا على معدلات قبول اللاجئين السوريين.

اليوم.. مع رحيل الأسد، ووصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة لولاية ثانية، يتساءل اللاجئون السوريون وأولئك الذين يخضعون للحماية المؤقتة (TPS) في أميركا، عن مصيرهم.

إعادة تقييم

قد تعيد السلطات الأميركية تقييم الوضع في سوريا لتحديد ما إذا كانت الظروف لا تزال تستدعي استمرار برنامج الحماية المؤقتة للسوريين. 

إذا قررت السلطات أن الظروف في سوريا قد تحسنت بما يكفي، فقد تنهي العمل ببرنامج الحماية المؤقتة، فيتأثر وضع المستفيدين منه.

تقول المحامية، ليندن ويت، "عندما تمر دولة ما بتغيير كبير، كما حصل في سورية، فقد يؤثر ذلك على طلبات لجوء مواطينها".

"إذا اعتبر قاضي الهجرة أن الظروف في البلد الأصلي لطالب اللجوء قد تغيرت ولم يعد خوفه من العودة إلى بلده مبررا، فقد يؤدي ذلك إلى رفض طلب اللجوء لبعض الحالات"، تقول.

لكنها تستبعد أن تخصص الحكومة موارد مالية لإعادة النظر في حالات اللجوء بهدف إلغائها بسبب تغير الظروف في بلد المنشأ". 

"عادة ما يكون التركيز على إعادة فتح القضايا التي تتعلق بوقوع احتيال. أما المرحلة الأكثر احتمالا التي يحصل فيها إعادة تقييم طلب اللجوء من جانب الحكومة هي عندما يتقدم اللاجئ المعترف به بطلب للحصول على الإقامة الدائمة".

وتضيف ويت "بشكل عام، فإن الحماية المؤقتة لا تمنح الأشخاص المقيمين في الولايات المتحدة حق التقدم للحصول على الإقامة الدائمة، في حين يستطيع اللاجئون الذين تمت الموافقة على طلبات لجوئهم التقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة بعد مرور عام على منحهم اللجوء".

ماذا سيحدث في سبتمبر 2025؟

وعن طالبي اللجوء السوريين، تقول المحامية: "حالياً، تنتهي صلاحية الحماية المؤقتة للسوريين في 30 سبتمبر 2025، ومن غير المرجح أن يتم تمديدها، خاصة أن الإدارة الحالية قد ألغت بالفعل برامج حماية أخرى مثل تلك الممنوحة لفنزويلا".

وتوضح السيدة ويت: "إذا تم إلغاء اللجوء، يمكن لوزارة الأمن الداخلي (DHS) البدء في إجراءات الترحيل، لكن الشخص سيكون له فرصة للمثول أمام قاضي الهجرة وتقديم أسباب قانونية للدفاع عن وضعه، وربما محاولة إثبات استمرار الخوف من الاضطهاد في بلده الأصلي".

مصير مجهول

حتى الآن، لم تصدر الحكومة الأميركية بيانات رسمية تحدد التغييرات المحتملة في سياساتها تجاه اللاجئين السوريين أو المستفيدين من الحماية المؤقتة. ومن المتوقع أن يتم تقييم الوضع الأمني والإنساني في سوريا بعناية قبل اتخاذ أي قرارات.

وقد تتأثر أوضاع اللاجئين، عموما، بالسياسات التي ستتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب. فنهج "أميركا أولاً" الذي يتبناه قد يؤثر على سياسات اللجوء والهجرة، إلا أن التفاصيل الدقيقة لم تتضح بعد.

ولا ينظر اللاجئون السوريين إلى فكرة العودة إلى الوطن، من منظار واحد.

فبينما ينظر بعضهم بإيجابية إلى الفكرة، يساور آخرين القلق نظرا للتحديات العملية والاعتبارات الواقعية المرتبطة بالعودة.

فغياب المبررات الأمنية للجوء، لا يعني أن الطريق معبد للعودة.

وضع الاقتصاد السوري يعاني من تضخم تجاوز 300%، وفقا لصندوق النقد الدولي 2024. وهناك غياب للبنية التحتية، حيث أن 60% من المستشفيات و70% من المدارس مدمرة، وفقا لتقرير البنك الدولي.

"السوريون في بلاد اللجوء درسوا وأسسوا أعمالهم ومساراتهم المهنية وتمكنوا من الاندماج في المجتمعات التي لجؤوا إليها،" يقول عبدالحميد.

مدوا جذورا في التربة الجديدة، وبالتالي، فالحديث عن العودة، بالنسبة لعضهم، مثل محاولة اقتلاع شجرة من جذورها.

"صار لي أكثر من 10 سنوات هنا،" يقول عبد الحميد.

"أطفال درسوا هنا، وكبروا هنا، وما زلت أنتظر".

غزوان الميداني

وجوه وقضايا

نظرت في عيني بوتين.. وهذا ما رأيت!

الحرة / خاص - واشنطن, (تحرير: كريم كاظم)
25 فبراير 2025

"عليك المقاومة حتى لو شعرت أنها غير مجدية،" يقول.

في لحظة، هو "بارون نفط". ملياردير.

أغنى أغنياء روسيا على الإطلاق.

في أخرى، سجين يتلظى بنيران البرد؛ في أصقاع سايبيريا.

يتذكر سنواته الطويلة في معسكرات العمل القسري.

قسوة الحراس عندما وجدوا في حوزته تفاحة.

في منفاه، وصفته الصحافة الغربية بـ"أشرس" معارضي فلاديمير بوتين.

هو الذي قسى على الدكتاتور في اجتماع علني.

ميخائيل خودوركوفسكي يشبه بطلا من أبطال هوليوود، ما عدا إنه حقيقي، من لحم ودم.

مع ذلك، يرى، هو، سيرته الذاتية في مرايا أعمال من الأدب السوفيتي.

في حوار مع موقع "الحرة،" يقول الرجل إنه تعلم من الكاتبين فاسيلي غروسمان، وفارلام شالوموف أن "من يخشى الموت يعيش حياة بائسة".

فيكتور شتروم

في رواية لغروسمان، يتلقى بطلها، عالم الفيزياء فيكتور شتروم، اتصالا هاتفيا من جوزيف ستالين نفسه، فتنفرج أسارير الحظ أمام عينيه.

وينجو بفضل المكالمة من الاعتقال، وربما الموت في سجن متجمد.

يصف شتروم صوت ستالين، عبر الهاتف، بأنه كان دافئا . مع ذلك، لم يفهم الفيزيائي البارع لماذا طغى على فرحته بالنجاة أحساس بالعار.

خودوركوفسكي، لم ينتظر مكالمة من بوتين. تحدث هو مع الدكتاتور وجها لوجه.

بوتين وخودوركوفسكي خلال اجتماع مع أعضاء الاتحاد الروسي للصناعيين ورجال الأعمال في الكرملين بموسكو في 31 مايو 2001

قال له إن النخبة الحاكمة موغلة في الفساد.

وكان بوتين عرّاب تلك النخبة، بطبيعة الحال.

"كنت أنظر في عينيه مباشرة عندما كنت أتحدث إليه"، يقول خودوركوفسكي الذي كان ضمن دائرة المقربين، الضيقة، للرئيس الروسي. 

مع ذلك، كان ثمن التحدي باهظا.

"كان بإمكاني أن ألزم الصمت، كان يمكن تكون حياتي مختلفة"، يقول خودوركوفسكي لموقع الحرة.

ـ هل تشعر بالندم؟

ـ نعم، ولا.

ـ ممكن أن توضح أكثر؟

ـ كل يوم، عندما أفكر بما كان يمكن أن يحدث لو كان مصيري مختلفا، أشعر بالندم، لأن مصيري هذا صعب جدا. لكن، من ناحية أخرى، كان من الممكن أن يكون أسوأ.

ـ كيف؟

ـ كان يمكن أضطر إلى القتال في أوكرانيا، وأتورط فعليا في قتل أصدقائي وجيراني، وبعضهم أقاربي، في أوكرانيا.

ـ ما الذي دفعك لتحدي بوتين؟

ـ أردت أن أعرف هل كان ضالعا في مخطط الفساد الكبير هذا، أم أنه يمكن أن يصبح حليفا في مكافحة الفساد.

ـ هل توصلت إلى نتيجة؟

ـ بوتين رجل عصابات. آل كابون روسي.

في الاجتماع، تصرف بوتين مثلما يتصرف زعيم مافيا في السينما الأميركية.

بدا عطوفا عندما أثنى على دور الأوليغارش في الاقتصاد الروسي، لكن القسوة حجّرت ملامحه وهو يصغي لانتقادات خودوركوفسكي، في اجتماع 2003 الشهير.

تلازُم التأثر العاطفي والقسوة المفرطة هو ما يجمع، أيضا، بين الدكتاتور، أي دكتاتور، وزعيم عصابة مافيا.

بين بوتين وآل كابون.

شالاموف

بين خودوركوفسكي والكاتب فارلام شالوموف أواصر كثيرة. كلاهما عارض النظام ودفع ثمن مواقفه سنوات متنقلا بين معسكرات الأشغال الشاقة.

رفض شالوموف (1907-1982)، أن يدين كاتبا آخر معارضا، في عهد ستالين، فاتهموه بـ"معاداة الثورة". وقضى نحو 16 عاما من عمره سجينا في الجزء المتجمد من روسيا.

ودعم خودوركوفسكي أحزابا معارضة، فواجه تهما متعددة، حولتها محاكم بوتين إلى عقوبات انتقامية قاسية. وأُرسل إلى سيبيريا.

تتصارع شخصيات شالاموف في المعقتلات السوفيتية، ليس من أجل البقاء على قيد الحياة، وإنما للحفاظ على إنسانيتها.

سايبيريا، وفق عوالم شالاموف، تختزل الإنسان إلى آلة غرائز.

"لأنني قرأت شالاموف،" يقول خودوركوفسكي، "استطعت الصمود في السجن".

إضراب جاف عن الطعام

سبتمبر 2004، خودوركوفسكي داخل قفص في محكمة محلية في سيبيريا الروسية تراجع قرار إدارة السجن وضعه في زنزانة عقابة

خاطرت بحياتي داخل السجن مرات عدة، يقول خودوركوفسكي لموقع "الحرة".

أضرب عن الطعام 4 مرات.

في  إحداها، امتنع، كذلك، عن شرب الماء.

"مثل أي إنسان طبيعي، لم أكن أريد أن أموت،" يقول المعارض الروسي، "وفي كل مرة كانوا يتنازلون" وينتصر.

لكسره، كنوا يرسلونه إلى الانفرادي من حين لآخر.

مرة، لأنه شرب كوب شاي، "في مكان غير مخصص لشرب الشاي" داخل المعتقل الأجرد.

وأخرى، بسبب تفاحة وليمونتين.

"من أوصل إليك الفاكهة؟

أرادوه أن يشي بزملائه.

بارون النفط

أبوه يهودي وأمه مسيحية. كان في صباه عضوا نشطا في الحزب الشيوعي، لكن شهرته تجلت في عالم الأعمال.

حقق ثروة هائلة من التجارة.

وزادت ثروته بالاستحواذ على أصول دولة في "الخصخصة" التي أطلقها الرئيس الروسي السابق، بوريس يلتسين، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.

شراؤه حصة 78% من "يوكوس"، ثاني أكبر شركة نفط في روسيا، مقابل نحو 310 ملايين دولار، عام 1995، كانت أهم صفقاته.

جعلته "يوكس" الأغنى في روسيا.

وأضحى خودوركوفسكي مقربا من بوتين الذي تسلم السلطة من يلتسين عام 2000.

لكن شهر العسل بين رجل الأعمال والدكتاتور لم يدم طويلا.

كان الاتفاق أن يبقى خودوركوفسكي بعيدا عن السياسة، ليبقى بمأمن من غضب بوتين.

كان اجتماع فبراير 2003 حاسما في العلاقة بين الرجلين.

على الهواء مباشرة، تحدث خودوركوفسكي، وكان يجلس على طاولة واحدة مع بوتين، وأوليغارش آخرين، عن الفساد في روسيا.

لمّح إلى أن السلطة أيضا ضالعة في الفساد.

رد بوتين، وعلامات الاستياء بادية على محيّاه، بأن "يوكوس" نفسها استفادت من صفقات الخصخصة المشبوهة.

يقول خودوركوفسكي لموقع "الحرة" إن "بوتين أجاب بدقة شديدة على انتقاداته، مستخدما مصطلحا روسيا يعني: الكرة في ملعبك الآن".

الانتقام

حراس يرافق في 3 يونيو 2011 خودوركوفسكي إلى قاعة المحكمة في موسكو، حيث سيقف كشاهد في محاكمة غيابية لشريكه السابق الإسباني المولود في روسيا أنطونيو فالديز جارسيا، الذي كان رئيس شركة فارجويل التابعة ليوكوس

صبيحة الخامس والعشرين من أكتوبر 2003، اقتحم ملثمون من الشرطة السرية طائرة خودوركوفسكي الخاصة أثناء هبوطها في مطار نوفوسيبيرسك، جنوبي روسيا، للتزود بالوقود.

وتحت تهديد السلاح، نقلوه إلى موسكو، حيث واجه تهما بالاحتيال.

جمّد بوتين أسهم "يوكوس" بعد اتهامها بـ"التهرب الضريبي"، فانهارت أسهمها، وتبخرت ثروة خودوركوفسكي.

في مايو 2005، أدين وحُكم عليه بالسجن لمدة تسع سنوات. وبينما كان يقضي عقوبته، حوكم، مرة أخرى، في ديسمبر 2010، بتهم جديدة: "الاختلاس وغسيل الأموال".

مُددت العقوبة إلى 2014. وبعد ضغوط أوروبية ـ تدخلت فيها المستشارة الألمانية، آنذاك، أنغيلا ميركل ـ خرج خودوركوفسكي من السجن في 20 ديسمبر 2013، بعفو من بوتين.

وُصف خودوركوفسكي بأنه كان "بارون نفط بارع". أدار إمبراطوريته المالية بشفافية على الطريقة الغربية.

وأنفق، كما تفعل الشركات في الدول الديمقراطية، "بسخاء" على جماعات الضغط في روسيا. وتبرع لمشرعين روس أثناء حملاتهم الانتخابية. ومول أحزابا سياسية معارضة.

وألمح قبل اعتقاله إلى أنه قد يترشح لرئاسة روسيا.

أحدثت محاكمته في 2005 ضجة كبيرة داخل روسيا وخارجها، إذ كانت أسبابها سياسية واضحة. 

ضج العالم بأنباء إدانته الثانية، ثم خروجه من السجن، كذلك.

لو كان خودوركوفسكي قد بقي في روسيا بعد خروجه من السجن بعفو رئاسي، هل كان سيتمتع بالحرية التي انتظرها طويلا؟

كان سيبقى مدينا، بحرية مستحقة، لدكتاتور.

ربما، لهذا شعر فكتور شتروم، في رواية غروسمان، بالمرارة بعدما أنقذته مكالمة من ستالين.

فهو لم يرتكب جرما، في الأصل.

المنفى

صحفيون يتجمعون حول شاشة تعرض صورة قطب النفط الروسي السابق، الناقد للكرملين، ميخائيل خودوركوفسكي خلال مؤتمر صحفي في متحف جدار برلين عند نقطة تفتيش تشارلي في برلين في 22 ديسمبر/كانون الأول 2013 بعد إطلاق سراحه من السجن

بعد إطلاق سراحه في ديسمبر 2013، غادر روسيا فورا، وأصبح منذ ذلك الحين "أشرس منتقدي" بوتين في الخارج، وفق وصف الصحافة الغربية.

وفي عام 2014، قضت محكمة في لاهاي بأن موسكو استولت على يوكوس، بأعمال بلطجة عام 2003.

شلت بوتين الشركة، عمدا، بمطالبات ضريبية ضخمة.

وأمرت المحكمة روسيا بدفع 50 مليار دولار لملّاك الشركة.

لكن خودوركوفسكي لم يحصل على أي تعويض، حتى الآن. رفضت السلطات الروسية تنفيذ قرار المحكمة.

مع ذلك لا يبدو على الرجل، الذي حل ضيفا على المكتب الرئيس لـMBN في منطقة واشنطن، ما يوحي بالأحساس بالخسارة.

قلما فارقت الابتسامة وجهه السيتني، وهو يجيب على أسئلتنا بالروسية.

أحيانا يسبق المترجم في إجاباته؛ 

وأحيانا يمهد للإجابة بابسامة عريضة وهزة من الرأس:

ـ الأوليغارش ليسوا كما يظن البعض. هم مجرد خدم للدكتاتور.

ـ ماذا يريد بوتين؟ مزيدا من الثروة؟

ـ لا، لديه كثير من المال. الشيء الوحيد الذي يبقيه مستيقظا طوال الليل هو الخوف من فقدان سلطته.

وتتوالى ردود خودوركوفسكي على أسئلتنا:

ـ لكن في النهاية، يفقد جميع الطغاة السلطة، ولا مفر من ذلك.

ـ لكن كم سيستغرق ذلك بالنسبة لبوتين؟

ـ للأسف، نظرا لمستوى النجاح الذي حققه في حربه في أوكرانيا، سيحتاج الأمر ما بين 5 و 10 سنوات أخرى ربما.

ـ وإذا رحل بوتين؟

ـ ستحتاجه روسيا إلى علاقات جيدة مع الغرب ومع الصين. بوتين لم يستطع الموازنة بين العلاقة مع الغرب والعلاقة مع الصين. وخياره لم يكن الأفضل لروسيا.

ـ بعض العرب يعتقدون أنه زعيم قوي وهذا يكفي. ما رأيك؟

ـ في روسيا، بعد نحو ربع قرن في السلطة، خسر بوتين الفضاء الشعبي الواسع. في العقد الماضي، لم يتحسن مستوى معيشة المواطن كثيرا، والمستقبل لا يبدو أفضل من اليوم. حتى تكنولوجيا البلاد في تراجع.

ـ ماذا عن مجموعة "فاغنر" ووفاة قائدها الذي كان مؤثرا؟

يعتقد خودوركوفسكي أن مجموعة فاغنر تراجعت قوتها بالفعل، ويركز أفرادها الآن على جني الأموال "وخلق المشاكل للدول الغربية".

لا يعارض بوتين مساعي المجموعة لجمع الأموال "فهو يملك أموالا أكثر مما يمكن لأي شخص في العالم أن يتخيله"، يضيف.

ما يريده هو "خلق المشاكل للغرب والولايات المتحدة وإرغامهما على الجلوس على طاولة المفاوضات معه وبجدية".

ويتابع ساخرا: "إذا أراد أي شخص خلق مشاكل للغرب ولنفسه في نفس الوقت، فيمكنه العمل مع مجموعة فاغنر".

"هو لا يكترث بضحايا هذه المجموعة في الشرق الأوسط وأفريقيا، هذا ليس في دائرة اهتمامه كثيرا، فهو لا يهتم حتى بالمواطن الروسي".

ولكن الناس من حوله ما زالوا مهتمين للغاية بكسب المال. ولهذا السبب، فإنهم يفعلون ما في وسعهم من أجل تحقيق هذا الهدف.

لقاء ترامب وبوتين المرتقب.. من يكسب؟

يعتقد خودوركوفسكي أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يُتوقع أن يلتقي بوتين للتفاوض حول حرب أوكرانيا، يستطيع التعامل مع الزعيم الروسي. 

ترامب "لا يحتاج إلى نصيحته في هذا الأمر"، يقول.

بشكل عام، "الطريقة التي تتعامل بها مع رجال العصابات هي إظهار القوة".

"ترامب يفهم هذا الأمر، لكن قد تحدث أمور غير متوقعة، لذلك لا يمكن معرفة مدى نجاح هذا اللقاء المحتمل".

يمتلك ترامب "أوراق لعب جيدة ويمكنه أن يكسب بها، إذا استخدمها بشكل صحيح".

و"بالنسبة لهذا النوع من المفاوضات، فإن ترامب جيد جدا". 

من بين جميع الزعماء الغربيين الحاليين، "ترامب هو الأفضل للتفاوض مع رجل العصابات بوتين".

في ختام المقابلة، يقول المعارض الروسي البارز إن الدرس الذي تعلمه الأديب الروسي شالوموف من تجارب حياته، وتعلمه خودوركوفسكي من قراءة أعماله هو أن "من يخشى الموت قد لا يستطيع الحياة".

"هذا هو السبب الذي جعلني أخاطر بحياتي، وفي كل مرة كنت أنتصر".

الحرة / خاص - واشنطن(تحرير: كريم كاظم)