وجوه وقضايا

تنظيم الأسرة.. هل تدفع مصر ثمن التجربة الصينية؟

غادة غالب - واشنطن
27 فبراير 2025

كان يحلم بتعويض طفولته التي قضاها وحيدا من دون أشقاء، عند زواجه منذ أكثر من ثماني سنوات.

أراد أن يُنجب أبناءً كثيرين.

لكن رامي ودينا ـ اسمان مستعاران ـ اكتفيا حتى الآن بطفل واحد، ويواصلان النقاش بشأن إنجاب طفل ثان.

يجبر الوضع الاقتصادي الصعب كثيرا من المصريين على إجراء حسابات كثيرة قبل التفكير في توسيع حجم العائلة بمزيد من الأطفال. 

وأصبحت ظاهرة "الطفل الواحد" مثار نقاش مجتمعي في مصر، بعد بيانات رسمية كشفت في فبراير الجاري، أن عدد المواليد الجدد في عام 2024 هو الأقل منذ 17 عاما.

وبينما احتفت الحكومة بنجاح سياساتها في ضبط النمو السكاني، حذر خبراء من خطورة تكرار النموذج الصيني لضبط السكان. 

يعتقد الخبراء أن حملة تنظيم النسل المصرية نجحت في أوساط الطبقة المتوسطة، لكن ليس بنفس الوتيرة على مستوى الطبقات الفقيرة وقاطني القرى والمناطق العشوائية. 

تراجع النمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية جعل العديد من أسر الطبقة المتوسطة تتمسك بسياسة لتحديد النسل أكثر تشددا حتى من تلك التي تدعمها الحكومة. 

الطبقة المتوسطة هي المحرك الأساس للاقتصاد والتعليم والتطور، في أي بلد. هناك مخاوف من تآكلها، مقابل استمرار تزايد أعداد الطبقات المحرومة من التعليم وفرص العمل والخدمات الصحية، بحسب الخبراء.

الاكتفاء بطفل واحد

"حزين لأنني لا أريد أن يكرر ابني تجربة طفولتي الحزينة كطفل وحيد،" يقول رامي لموقع "الحرة". 

"لكنني مجبر على الموافقة على قرار زوجتي، ظروفنا لا تسمح بإنجاب طفل آخر".

رامي مهندس ديكور،  ودينا أستاذة جامعية، وكلاهما في منتصف ثلاثينياته. 

تقول هي لموقع "الحرة" إنها تريد الاكتفاء بطفل واحد، لأن تربيته ورعايته "أصبحت تمثل عبئا نفسيا وماديا  كبيرا مع الغلاء في مصر".

 وتضيف أن الظروف الاقتصادية في البلد تجعلها بحاجة أكبر للتركيز على وظيفتها لمساعدة زوجها في الإنفاق على الأسرة.

وانخفض عدد المواليد في مصر إلى 1.968 مليون مولود خلال عام 2024، بمعدل 2.41 مولود لكل سيدة.

وهذا أقل معدل إنجاب سنوي في مصير منذ عام 2007، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وكان عدد المواليد في عام 2023 قد بلغ 2.05 مليون مولود بمعدل 2.54 لكل سيدة.

الطبقة المتوسطة

تقول أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في القاهرة، شيرين فاضل، إن الحكومة المصرية لم تحدد الفئات التي أسهمت في تراجع معدلات الإنجاب، وما إذا كان التراجع مرتبطا بالوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه الطبقة المتوسطة وارتفاع معدل الطلاق وتراجع الزواج.

وتضيف في حديثها مع موقع "الحرة" أن "المجتمع المصري، وخاصة الطبقة المتوسطة، يشهد تغيرا اجتماعيا واضحا، مصاحبا للتحولات الاقتصادية والسياسية في البلاد، نرى صداها في الخطط الإنجابية".

وتتابع: "وفقا لإحصاءات عدد من مؤسسات المجتمع المدني، فإن هذا التراجع حدث في الطبقة المتوسطة والمناطق الحضرية، وهذا أمر شديد الخطورة لأنه يعني انكماش الطبقة المتوسطة مقابل الفقيرة، وهذه الظاهرة من شأنها هدم المجتمع ككل في حال استمرارها".

وكشفت إحصاءات، وفقا للخبيرة، أن "الشرائح الدنيا لا تزال تحافظ على معدلات إنجاب مرتفعة رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية، كما وجدت علاقة قوية بين أمية النساء وارتفاع معدلات الخصوبة في مصر". 

وتصل "نسبة الأمية بين الفتيات في بعض القرى في مصر إلى 50%، وفي المقابل تزداد نسب زواج الفتيات في سن مبكرة، وبالتالي إنجاب مزيد من الأطفال".

وتعزو الخبيرة ظاهرة الاكتفاء بطفل واحد في أوساط الطبقة المتوسطة إلى عوامل أبرزها التدهور الاقتصادي. "فالكثير من السيدات يعملن في القطاع الخاص الذي يتطلب الدوام ساعات طويلة، ولا يلتزم غالبا بمنح إجازات الوضع والرضاعة".

وتعتقد الأستاذة شيرين فاضل أن تراجع أعداد المواليد "يعبر عن أزمة مجتمعية وليس إنجازا حكوميا يتعلق بسياسات تنظيم الأسرة والدعم الاجتماعي والصحي للأسر".

سياسات الحكومة

منذ سنوات تشجع الحكومة المصرية الأسر على الالتزام بطفل أو طفلين على أقصى تقدير.

وأعلنت، في مارس 2023، تقديم حوافز مادية بقيمة ألف جنيه سنويا (20 دولار) لكل سيدة تنجب طفلا واحدا أو اثنين بحد أقصى، على أن يُستحق المبلغ المتراكم لها ببلوغها سن 45 عاما.

وتعد مصر أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان والثالثة إفريقيا. وترى الحكومة أن الكثافة السكانية تمثل تحديا كبيرا أمام خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والإسكان.

وتكررت تحذيرات الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، من الزيادة السكانية، خلال المؤتمرات الرئاسية، وأحدثها في ديسمبر 2024، باعتبارها "من أخطر القضايا التي توجهها مصر".

وبالتزامن مع إطلاق الحكومة "الاستراتيجية الوطنية" للسكان والتنمية لخفض الإنجاب في سبتمبر 2023، شدد السيسي على ضرورة تنظيم ما وصفها بـ"الحرية المطلقة" في الإنجاب حتى تتماشى مع موارد البلاد.

وكانت قضية الزيادة السكانية محل نقاشات موسّعة في جلسات "الحوار الوطني" في مايو 2024.
وخرج "الحوار" بتوصيات لدعم خطط تحديد النسل.

ووافق مجلس الوزراء المصري، في 20 فبراير الجاري، على مشروع قرار رئيس الجمهورية بشأن اتفاق تمويلي مع الاتحاد الأوروبي، يتضمن منحة بقيمة 12 مليون يورو، لتمويل مشروعات تتعلق بتنظيم الأسرة، وتخفيض معدل النمو السكاني.

وعلى مدار السنوات العشر الماضية، انخفض عدد المواليد في مصر  من نحو 2.7 مليون ولادة في عام 2014، وصولا إلى 1.96 مليون في العام 2024.

وبلغ عدد سكان مصر في الداخل 107 ملايين نسمة في الثاني من نوفمبر الماضي، وفقا لقاعدة بيانات وزارة الصحة والسكان عن المواليد والوفيات.

وقال الجهاز إن "هذا العدد يمثل زيادة قدرها مليون نسمة مقارنة بعدد السكان المسجل في الثامن من فبراير 2024، الذي بلغ 106 ملايين نسمة".

وتحققت هذه الزيادة خلال فترة زمنية بلغت 268 يوما، ما يشير إلى تراجع في معدل الزيادة السكانية مقارنة بالفترات السابقة.

وتقول أستاذة علم الاجتماع، شيرين فاضل، في حديثها لموقع "الحرة" إن تنظيم الأسرة أمر بالغ الأهمية، لكنها حذرت من النموذج الصيني، وهو طفل واحد للأسرة، والذي أصبح شائعا إلى حد ما في مصر.

تقول الخبيرة إن سياسي "الطفل الواحد، ليست حلا، إذ يمكن أن يؤدي إلى أضرار اجتماعية ونفسية للأسرة والأطفال، والمجتمع ككل، وفي وقت لاحق.

التجربة الصينية

بعد سنوات من فرض سياسة "الطفل الواحد" على الأسر الصينية، تحديدا بين عامي 1980 و2015، تواجه بكين حاليا مشكلة تراجع عدد سكان البلاد.

وانخفض عدد المواليد في الصين لمستوى قياسي في عام 2024، ليصل إلى 1.408 مليار نسمة، بانخفاض قدره 1.39 مليون نسمة عن عام 2023.

ونتيجة مساع على  مدى عقود لتحجيم النمو السكاني، تشهد الصين تباطؤا في نمو الاقتصاد وانخفاضا في عدد المواليد، ما جعل الشعب الصيني الأسرع شيخوخة في العالم.

للسيطرة على الإنجاب، أنفقت الصين  تكاليف باهظة على البرامج التعليمية ووسائل منع الحمل والإجراءات اللوجستية، على مدى العقود الماضية.

وعلى بكين الإنفاق الآن لتفعيل برامج تشجع على الزواج والإنجاب. 

وفي عام 2015، ألغت الحكومة الصينية جميع سياسات "الطفل الواحد،" وسمحت للأسر بإنجاب طفلين فقط، لكن في مايو 2021، قررت السماح بإنجاب 3 أطفال.

التجربة المصرية

وتعتقد الخبيرة شرين فاضل أن الحكومة المصرية تحتفي بانخفاض معدلات المواليد من دون تكون لديها رؤية شاملة وتحليلية لبيانات المسح السكاني.

"هل نريد مصر بطبقتين اجتماعيتين فقط: الفقيرة المحرومة من التعليم، والعليا شديدة الثراء؟".

"المجتمعات لا تبنى إلا بأيدي الطبقة المتوسطة المتعلمة والواعية"، تقول.

حل مشكلة التضخم السكاني يكمن في الاستثمار في وسائل القضاء على الأمية، وتحسين مستوى معيشة الأسر الفقيرة والمتوسطة، تقول الخبيرة.

"وهذا من شأنه أن يساعد في رفع الوعي بتحديات النمو السكاني وتمكين الأسر من اتخاذ خيارات مستنيرة بشأن صحتها الإنجابية، وفي الوقت نفسه المساهمة الفعالة في دفع عجلة النمو الاقتصادي".

"تمكين المرأة من خلال التعليم،" عامل أساسي في أي برنامج لتنظيم النسل، إضافة إلى توفير فرص عمل لتساهم المرأة في زيادة الإنتاج والنمو الاقتصادي، وكذلك تعزيز الوعي بأهمية تحديد النسل.

التحدي الكبير

رغم "المؤشر الجيد" في معدلات الإنجاب، ترى الحكومة المصرية أن "مخاوف الأزمة السكانية ما زالت قائمة، وتؤثر بشكل مباشر على معدلات التنمية والوضع الاقتصادي".

وقدّر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، نسبة الزيادة السكانية في مصر حاليا بنحو 2.54 في المئة.

وفي مؤتمر صحفي، منتصف يناير  الماضي، قال مدبولي إن "حكومته تستهدف خفض معدل النمو السكاني إلى 2.1 في المئة بحلول عام 2028، بدلا من عام 2030 لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين".

رغم تراجع عدد المواليد، "لا تزال الحكومة تعتبر هذا العدد تحديا كبيرا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من الضغط على موارد الدولة في ظل التحديات العالمية الراهنة،" يقول الخبير الاقتصادي، محمد نادي، لموقع "الحرة".

وينتقد نادي "ربط الحكومة بين التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد وبين الزيادة السكانية".

يعتقد أن "القرارات الاقتصادية الخاطئة والإنفاق الحكومي غير المدروس وتراجع التصنيع والإنتاج هي العوامل التي خلقت الأزمة الاقتصادية الحالية وليس العكس".

رامي ودينا

"كأسرة صغيرة" ينفق رامي وزوجته دينا حوالي ٥٠ ألف جنيه، (١٠٠٠ دولار) شهريا، إضافة إلى ما يتجاوز 150 ألف (300 دولار) سنويا مصاريف مدرسة ابنه الدولية.

ومنذ نحو ثلاث سنوات، يتزايد حجم المصروفات بالتزامن مع تزايد الغلاء في أثمان السلع والخدمات، مقابل ثبات مداخيل الموظفين والعاملين.

يعمل رامي "مهندس حر" ولديه مكتبه الخاص، لكن ارتفاع تكلفة الخدمات ومواد المرتبطة بأعمال البناء والتشطيب خلال السنوات القليلة الماضية، أدت إلى انخفاض أرباحه.

ويضطر حاليا إلى "قبول المساعدة المالية من والديه للوفاء بالتزاماته الشهرية".

"أعرف شباب كثيرين أصبحوا لا يريدون الإنجاب أن يكتفون بطفل واحد حتى يقدروا الإنفاق على الطفل وتعليمه"، يقول.

نصيب الفرد

يبلغ نصيب الفرد المصري نحو ٣.٧٦٤ دولار أميركي سنويا من الناتج المحلي الإجمالي البالغ ٣٩٥.٩ مليار دولار، بحسب آخر إحصاءات وزارة الاستثمار المصرية.

وفقا لبيانات حديثة، يبلغ متوسط تكلفة المعيشة للفرد الواحد في مصر، شهريا ١٦٥٠٠جنيه (٣٣٠ دولار)، وللأسرة المكونة من ٤ أفراد ٥٨٥٨٧ جنيه (١،١٧١ دولار)، بينما يصل الحد الأدنى للأجور إلى ٧٠٠٠ جنيه (١٤٠ دولار) شهريا قبل الضرائب.

وبدأ التضخم في الارتفاع الشديد عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا. وبلغ ذروته عند 38% في سبتمبر 2023 وصولا إلى حوالي 24 في المئة في نهاية يناير الماضي.

وزيادة التضخم تزامنت مع سحب المستثمرين الأجانب مليارات الدولارات من مصر، وبالتالي انخفضت العملة المحلية (الجنيه) أمام الدولار بأكثر من نصف قيمتها.

وحذر الخبير الاقتصادي، محمد نادي، من أن خطط الحكومة بشأن رفع الدعم بشكل كامل عن الأسر قد "تلعب دورا في هبوط كثيرين من الطبقة المتوسطة إلى المنخفضة، فضلا عن زيادة أعداد الفقراء وكذلك المتسربين من التعليم".

ويرى أن "التراجع الاقتصادي ورفع الدعم من شأنهما أن يؤثرا سلبيا على معدلات الإنجاب في الطبقة المتوسطة التي ستضطر إلى الالتزام بسياسة الطفل الواحد، وفي الوقت نفسه ستزداد الأمية في الطبقة المنخفضة أو الدنيا، وهذا بدوره سيؤثر عكسيا على معدلات الإنجاب بالزيادة بين أبناء هذه الطبقة".

ويوضح أنه "باختصار وبحسبة اقتصادية بسيطة، فإن الدول التي اتبعت سياسات مشددة للانخفاض السكاني، مثل أوروبا، وحتى الصين واليابان حاليا، تواجه حاليا تهديدا اقتصاديا كبيرا، لعدم وجود الأيدي العاملة والكفاءات العقلية اللازمة لاستمرار أي نمو اقتصادي".

وقال إن العنصر البشري من أهم عوامل الإنتاج لأي دولة، وأن النمو السكاني يمكن أن يكون نعمة إذا تم استغلاله لرفع معدلات الإنتاج والدخل القومي، لكن في حالة مصر فإن معدل النمو السكاني يفوق معدل النمو الاقتصادي، ما يشكل ضغطا على موارد البلاد.

ويؤكد الخبير الاقتصادي على ضرورة أن "تستغل الحكومة هذه القوة البشرية الهائلة والشابة لرفع معدلات الإنتاج والنمو الاقتصادي، ورفع الضغوط عن كاهل الطبقات المتوسطة ودعمها لأنها تعتبر رمانة ميزان أي مجتمع متحضر ومتقدم".

غادة غالب

أسعار البيض شهدت ارتفاعا حادا في الولايات المتحدة
أسعار البيض شهدت ارتفاعا حادا في الولايات المتحدة

في يوم أحد، استقل عمار البدران سيارته. إلى جواره زوجته، فيما أجلس أطفاله الثلاثة في المقعد الخلفي.

إنه الموعد الأسبوعي لشراء طلبات المنزل.

تعيش الأسرة في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا، جنوب شرقي الولايات المتحدة.

البيض عنصر أساسي في كثير من أطباق العائلة عراقية الأصل.

يستهلك الخمسة نحو 24 بيضة أسبوعيا.

قبل أشهر، كان عمار يشتري دزينتي البيض من متاجر كوسكو مقابل 7 دولارات.

أسعار أغلب المنتجات في ذلك المتجر عادة مخفضة.

لكنك تحتاج لاشتراك سنوي بقيمة 65 دولارا، كي يسمح لك بدخول المتجر.

أخذت أسعار البيض في الارتفاع تدريجيا دون سبب مُعلن.

ظن عمار أن السبب هو موسم الإجازات: من نوفمبر إلى أوائل يناير.

وجد نفسه يدفع 3 دولارات إضافية على نفس عدد البيضات.

سألتُه: هل توقفت عن شراء البيض أو ربما تقليل الاستهلاك؟

أجاب: "ما نقدر، بسبب الأطفال".

اللقطة الأولى

أمرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) بسحب ما يزيد عن ربع مليون بيضة من متاجر كوسكو في خمس ولايات بينها جورجيا، لاحتمالية تلوثها ببكتيريا السالمونيلا.

حتى الآن، لم ترفع(FDA) قرارها.

قرر عمار البحث عن بديل، رغم أن القرار يخص نوع محدد من البيض: Organic Pasture Raised.

هذا البيض يأتي من دجاج تربى في المزارع المفتوحة، ولم يتعرض لمبيدات أو هرمونات صناعية وفق المعايير المنظِمة.

وقع الاختيار على متجر كروجر، "12 بيضة بـ 9 دولارات"، يقول عمار.

ثمة مشكلة إضافية. لا يسمح المتجر للمستهلك بشراء أكثر من دزينة بيض في اليوم الواحد.

في المتجر عُقلت لافتة كُتب عليها: "بسبب نقص البيض على مستوى البلاد، قررنا تقييد البيع إلى 12 بيضة (كرتونة) للشخص الواحد، يوميا".

عَرِف عمار أن الأزمة تعود إلى تفشي إنفلونزا الطيور.

باتت العائلة تذهب جماعة للمتجر لشراء البيض. يشتري عمار طبقا، وتشتري زوجته الآخر، ثم يفترقان لدى الدفع حيث يحاسب كل منهما على حدة.

البيضة الروسية

صباح يوم ثلاثاء في ولاية كاليفورنيا، كانت ماكنزي فوموينا روبيش في المطبخ تعد الفطور لعائلتها، فبناتها يحببن البيض مقليا.

قبل يوم قادت ماكنزي السيارة إلى مدينة أوشن سايد على بعد 20 دقيقة، لتتلقى هدية غالية.

ادخرت لها أمها عددا من البيضات وضعتها دجاجات عشر تربيها في حديقة منزلها الخلفية.

شعرت ماكنزي بامتنان شديد. في كاليفورنيا، بات طبق من 24 بيضة يُكلفها 30 دولارا.

"قبل إنفلونزا الطيور كان بإمكاني شراء 150 بيضة مقابل 41 دولارا"، أخبرتني.

بدأت ماكنزي تكسر البيضات في طبق قبل أن تلقي بها إلى المقلاة.

بين البيضات واحدة غريبة الشكل، "طويلة على غير العادة".

كسرتها. "ماذا؟"، صاحت!.

وجدت ماكنزي بيضة ثانية أصغر ترقد داخل البيضة الغريبة.

كأنها دمى ماتريوشكا الروسية، التي تحاكي الأمومة: الدمية الأم تحمل بداخلها دمية أصغر (الطفل).

هرعت إلى الهاتف، التقطت فيديو.

على حسابها على إنستغرام نشرته تحت عنوان: "هكذا يبدو الفوز باليانصيب هذه الأيام".

عام 2023 جربت ماكنزي شعور الفرحة غير المتوقعة.

آنذاك فازت بلقب برنامج المسابقات التلفزيوني "The Great American Baking Show" للخبازين الهواة.

عَلّمت ماكنزي نفسها الخَبز وأتقنته تحت وطأة وباء كورونا.

الآن، مع تفشي إنفلونزا الطيور بدأت تجرب بدائل البيض في وصفاتها.

اكتشفت أن بإمكانها استبدال البيض بصلصة التفاح في كعكات بعينها: رغيف الموز(Banana bread)

"ربع كوب من صلصة التفاح يعادل بيضة واحدة"، تقول ماكنزي.

كلاكيت تاني مرة

عام 2006 عمّ هلع في مصر بسبب إنفلونزا الطيور.

حينها كنت أقطن قرية بمحافظة القليوبية، شمالي البلاد.

ما من بيت في القرية إلا وكان يربي نوعا من الطيور: الدجاج، الحمام، البط، الأوز.

أسطح المنازل في مصر عادة ما تُستخدم ساحات لتربية الطيور في أقفاص.

حملات التوعية بالعدوى أغرقت التلفاز.

تحدثتْ أغلب البرامج التلفزيونية ونشرات الأخبار عن الإجراءات الحكومية لمكافحتها.

شاعت في القرية أنباء عن غرامات ستفرضها الحكومة على من لا يذبح دجاجاته.

أتذكر جيدا أن أغلب أقاربي ذبحوا ما لديهم من طيور حتى فاضت ثلاجاتهم.

الآن بعد 19 عاما، أعيش الدراما ذاتها، لكن ببصمة هوليودية.

أعيش في شقة صغيرة في قلب العاصمة واشنطن. أقرب متجر إلى بيتي اسمه "Trader Joe’s"، أو بالمصرية: "دكانة عم جو".

اشترى بيض المراعي أو كما يسمى بالإنجليزية "Pasture-raised"، بعد بحث وتفحيص وتمحيص تبين أنه الأعلى قيمة غذائية.
حين وصلت هنا قبل 3 سنوات كان سعر الدزينة من هذا النوع يقترب من 3 دولارات. الآن لا يقل السعر عن 6 دولارات! وليتني أجده.

أذهب يوميا إلى المتجر، لأجد الأرفف فارغة.

اتصلت بهم قبل أيام.

- هل لديكم بيض اليوم؟ لا أريد أن آتي وأعود فارغة اليدين.

أجاب رجل على الهاتف: آسف، سيدتي، لقد نفد ما لدينا من البيض اليوم.

- متى يتوفر البيض إذا؟

- تعال غدا بمجرد أن نفتح عند التاسعة صباحا بالضبط.

المشهد المحذوف

يقود الناشط الأميركي الشهير جين باور حملة لتوعية الناس بإنفلونزا الطيور وأسباب تفشيها.

يلفت الأنظار إلى مشهد منسيّ وربما حُذف سهوا.

في إحدى منشوراته على إنستغرام، كتب: "أكثر من 99 في المئة من حيوانات المزرعة في الولايات المتحدة تتم تربيتها في مزارع صناعية تشكل أرضًا خصبة لمرض إنفلونزا الطيور وغيره من مسببات الأمراض".

"تتكدس آلاف الحيوانات، وفي بعض الحالات ملايين الحيوانات، في حظائر مليئة بنفاياتها، ودون نوافذ، ما يعرض الحيوانات والعمال لخطر الإصابة بالأمراض".

لجين (62 عاما) صوت مسموع في الأوساط الأميركية المعنية بصحة وسلامة الغذاء.

لعب دورا بارزا في معركة قضائية استمرت ثماني سنوات، انتهت بسن قانون كاليفورنيا لعام 2012، الذي يحظر إنتاج وبيع كبد البط والأوز: "فوا غراه" (foie gras).

وقتها لفت جين الانتباه إلى مشهد "تزغيط" البط والأوز (أي تسمينها)، للحصول على كبد أكبر عشرة أضعاف من الحجم الطبيعي.

لإنتاج (فوا غراه)، يقوم العمال بإدخال أنابيب في حلق البط أو الإوز وإطعامها قسراً كميات كبيرة من الحبوب.

العملية تسبب آلاما وضغوطات كبيرة للطائر. تؤدي لإصابته بمشاكل صحية محتملة، بينها أمراض في الكبد ذاته.

اتصلتُ به متسائلة عن سبب عودة إنفلونزا الطيور من جديد.

أخبرني: "عندما تزدحم المزرعة بآلاف الطيور، فإنها تنتج الكثير من الفضلات، وكلما زاد روث الحيوان ارتفعت احتمالية انتشار الجراثيم".

"قطاع تربية الطيور والحيوانات في الولايات المتحدة يعتمد بشكل كبير على المضادات الحيوية"، يضيف.

"لكن الفيروسات تتطور، تصبح أكثر ضراوة وأكثر قدرة على التغلب على الأدوية واللقاحات التي صممت للسيطرة عليها".

وبهذا فإن "الحيوانات كما البشر، يجب أن تعيش في بيئة صحية، حيث يتوفر هواء نقي ومياه نظيفة، لا محيط غارق بالميكروبات".

سألتُه عن بيض المراعي، وما يروج بأن الدجاج يُربّى في الهواء الطلق.

رد: "أنا لا أثق بالملصقات الدعائية.. الطريقة الوحيدة لمعرفة كيفية معاملة الحيوانات وظروف معيشتها هي زيارة المزرعة".

يشجع الناشط في مجال حقوق الحيوان الناس على زيارة المزارع القريبة منهم.

"الدور الذي يمكن أن نلعبه كمستهلكين، هو أن نصوت بأموالنا: بدعم الشركات التي لا تؤذي الحيوانات، ولا تخلق خطر الإصابة بالأمراض، ولا تضر بالبيئة، ولا تنتج طعامًا ضارًا بصحتنا".

نهاية فبراير هذا العام، أعلنت وزيرة الزراعة الأميركية، بروك رولينز، استراتيجية بقيمة مليار دولار للحد من إنفلونزا الطيور، وحماية قطاع الدواجن، وخفض أسعار البيض.

بيان للوزارة أوضح أن "تطوير لقاحات وعلاجات جديدة، فضلا عن تعزيز المراقبة البيولوجية"، من أبرز ما ستركز عليه الإستراتيجية المعلنة.