وجوه وقضايا

تنظيم الأسرة.. هل تدفع مصر ثمن التجربة الصينية؟

غادة غالب - واشنطن
27 فبراير 2025

كان يحلم بتعويض طفولته التي قضاها وحيدا من دون أشقاء، عند زواجه منذ أكثر من ثماني سنوات.

أراد أن يُنجب أبناءً كثيرين.

لكن رامي ودينا ـ اسمان مستعاران ـ اكتفيا حتى الآن بطفل واحد، ويواصلان النقاش بشأن إنجاب طفل ثان.

يجبر الوضع الاقتصادي الصعب كثيرا من المصريين على إجراء حسابات كثيرة قبل التفكير في توسيع حجم العائلة بمزيد من الأطفال. 

وأصبحت ظاهرة "الطفل الواحد" مثار نقاش مجتمعي في مصر، بعد بيانات رسمية كشفت في فبراير الجاري، أن عدد المواليد الجدد في عام 2024 هو الأقل منذ 17 عاما.

وبينما احتفت الحكومة بنجاح سياساتها في ضبط النمو السكاني، حذر خبراء من خطورة تكرار النموذج الصيني لضبط السكان. 

يعتقد الخبراء أن حملة تنظيم النسل المصرية نجحت في أوساط الطبقة المتوسطة، لكن ليس بنفس الوتيرة على مستوى الطبقات الفقيرة وقاطني القرى والمناطق العشوائية. 

تراجع النمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية جعل العديد من أسر الطبقة المتوسطة تتمسك بسياسة لتحديد النسل أكثر تشددا حتى من تلك التي تدعمها الحكومة. 

الطبقة المتوسطة هي المحرك الأساس للاقتصاد والتعليم والتطور، في أي بلد. هناك مخاوف من تآكلها، مقابل استمرار تزايد أعداد الطبقات المحرومة من التعليم وفرص العمل والخدمات الصحية، بحسب الخبراء.

الاكتفاء بطفل واحد

"حزين لأنني لا أريد أن يكرر ابني تجربة طفولتي الحزينة كطفل وحيد،" يقول رامي لموقع "الحرة". 

"لكنني مجبر على الموافقة على قرار زوجتي، ظروفنا لا تسمح بإنجاب طفل آخر".

رامي مهندس ديكور،  ودينا أستاذة جامعية، وكلاهما في منتصف ثلاثينياته. 

تقول هي لموقع "الحرة" إنها تريد الاكتفاء بطفل واحد، لأن تربيته ورعايته "أصبحت تمثل عبئا نفسيا وماديا  كبيرا مع الغلاء في مصر".

 وتضيف أن الظروف الاقتصادية في البلد تجعلها بحاجة أكبر للتركيز على وظيفتها لمساعدة زوجها في الإنفاق على الأسرة.

وانخفض عدد المواليد في مصر إلى 1.968 مليون مولود خلال عام 2024، بمعدل 2.41 مولود لكل سيدة.

وهذا أقل معدل إنجاب سنوي في مصير منذ عام 2007، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وكان عدد المواليد في عام 2023 قد بلغ 2.05 مليون مولود بمعدل 2.54 لكل سيدة.

الطبقة المتوسطة

تقول أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في القاهرة، شيرين فاضل، إن الحكومة المصرية لم تحدد الفئات التي أسهمت في تراجع معدلات الإنجاب، وما إذا كان التراجع مرتبطا بالوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه الطبقة المتوسطة وارتفاع معدل الطلاق وتراجع الزواج.

وتضيف في حديثها مع موقع "الحرة" أن "المجتمع المصري، وخاصة الطبقة المتوسطة، يشهد تغيرا اجتماعيا واضحا، مصاحبا للتحولات الاقتصادية والسياسية في البلاد، نرى صداها في الخطط الإنجابية".

وتتابع: "وفقا لإحصاءات عدد من مؤسسات المجتمع المدني، فإن هذا التراجع حدث في الطبقة المتوسطة والمناطق الحضرية، وهذا أمر شديد الخطورة لأنه يعني انكماش الطبقة المتوسطة مقابل الفقيرة، وهذه الظاهرة من شأنها هدم المجتمع ككل في حال استمرارها".

وكشفت إحصاءات، وفقا للخبيرة، أن "الشرائح الدنيا لا تزال تحافظ على معدلات إنجاب مرتفعة رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية، كما وجدت علاقة قوية بين أمية النساء وارتفاع معدلات الخصوبة في مصر". 

وتصل "نسبة الأمية بين الفتيات في بعض القرى في مصر إلى 50%، وفي المقابل تزداد نسب زواج الفتيات في سن مبكرة، وبالتالي إنجاب مزيد من الأطفال".

وتعزو الخبيرة ظاهرة الاكتفاء بطفل واحد في أوساط الطبقة المتوسطة إلى عوامل أبرزها التدهور الاقتصادي. "فالكثير من السيدات يعملن في القطاع الخاص الذي يتطلب الدوام ساعات طويلة، ولا يلتزم غالبا بمنح إجازات الوضع والرضاعة".

وتعتقد الأستاذة شيرين فاضل أن تراجع أعداد المواليد "يعبر عن أزمة مجتمعية وليس إنجازا حكوميا يتعلق بسياسات تنظيم الأسرة والدعم الاجتماعي والصحي للأسر".

سياسات الحكومة

منذ سنوات تشجع الحكومة المصرية الأسر على الالتزام بطفل أو طفلين على أقصى تقدير.

وأعلنت، في مارس 2023، تقديم حوافز مادية بقيمة ألف جنيه سنويا (20 دولار) لكل سيدة تنجب طفلا واحدا أو اثنين بحد أقصى، على أن يُستحق المبلغ المتراكم لها ببلوغها سن 45 عاما.

وتعد مصر أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان والثالثة إفريقيا. وترى الحكومة أن الكثافة السكانية تمثل تحديا كبيرا أمام خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والإسكان.

وتكررت تحذيرات الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، من الزيادة السكانية، خلال المؤتمرات الرئاسية، وأحدثها في ديسمبر 2024، باعتبارها "من أخطر القضايا التي توجهها مصر".

وبالتزامن مع إطلاق الحكومة "الاستراتيجية الوطنية" للسكان والتنمية لخفض الإنجاب في سبتمبر 2023، شدد السيسي على ضرورة تنظيم ما وصفها بـ"الحرية المطلقة" في الإنجاب حتى تتماشى مع موارد البلاد.

وكانت قضية الزيادة السكانية محل نقاشات موسّعة في جلسات "الحوار الوطني" في مايو 2024.
وخرج "الحوار" بتوصيات لدعم خطط تحديد النسل.

ووافق مجلس الوزراء المصري، في 20 فبراير الجاري، على مشروع قرار رئيس الجمهورية بشأن اتفاق تمويلي مع الاتحاد الأوروبي، يتضمن منحة بقيمة 12 مليون يورو، لتمويل مشروعات تتعلق بتنظيم الأسرة، وتخفيض معدل النمو السكاني.

وعلى مدار السنوات العشر الماضية، انخفض عدد المواليد في مصر  من نحو 2.7 مليون ولادة في عام 2014، وصولا إلى 1.96 مليون في العام 2024.

وبلغ عدد سكان مصر في الداخل 107 ملايين نسمة في الثاني من نوفمبر الماضي، وفقا لقاعدة بيانات وزارة الصحة والسكان عن المواليد والوفيات.

وقال الجهاز إن "هذا العدد يمثل زيادة قدرها مليون نسمة مقارنة بعدد السكان المسجل في الثامن من فبراير 2024، الذي بلغ 106 ملايين نسمة".

وتحققت هذه الزيادة خلال فترة زمنية بلغت 268 يوما، ما يشير إلى تراجع في معدل الزيادة السكانية مقارنة بالفترات السابقة.

وتقول أستاذة علم الاجتماع، شيرين فاضل، في حديثها لموقع "الحرة" إن تنظيم الأسرة أمر بالغ الأهمية، لكنها حذرت من النموذج الصيني، وهو طفل واحد للأسرة، والذي أصبح شائعا إلى حد ما في مصر.

تقول الخبيرة إن سياسي "الطفل الواحد، ليست حلا، إذ يمكن أن يؤدي إلى أضرار اجتماعية ونفسية للأسرة والأطفال، والمجتمع ككل، وفي وقت لاحق.

التجربة الصينية

بعد سنوات من فرض سياسة "الطفل الواحد" على الأسر الصينية، تحديدا بين عامي 1980 و2015، تواجه بكين حاليا مشكلة تراجع عدد سكان البلاد.

وانخفض عدد المواليد في الصين لمستوى قياسي في عام 2024، ليصل إلى 1.408 مليار نسمة، بانخفاض قدره 1.39 مليون نسمة عن عام 2023.

ونتيجة مساع على  مدى عقود لتحجيم النمو السكاني، تشهد الصين تباطؤا في نمو الاقتصاد وانخفاضا في عدد المواليد، ما جعل الشعب الصيني الأسرع شيخوخة في العالم.

للسيطرة على الإنجاب، أنفقت الصين  تكاليف باهظة على البرامج التعليمية ووسائل منع الحمل والإجراءات اللوجستية، على مدى العقود الماضية.

وعلى بكين الإنفاق الآن لتفعيل برامج تشجع على الزواج والإنجاب. 

وفي عام 2015، ألغت الحكومة الصينية جميع سياسات "الطفل الواحد،" وسمحت للأسر بإنجاب طفلين فقط، لكن في مايو 2021، قررت السماح بإنجاب 3 أطفال.

التجربة المصرية

وتعتقد الخبيرة شرين فاضل أن الحكومة المصرية تحتفي بانخفاض معدلات المواليد من دون تكون لديها رؤية شاملة وتحليلية لبيانات المسح السكاني.

"هل نريد مصر بطبقتين اجتماعيتين فقط: الفقيرة المحرومة من التعليم، والعليا شديدة الثراء؟".

"المجتمعات لا تبنى إلا بأيدي الطبقة المتوسطة المتعلمة والواعية"، تقول.

حل مشكلة التضخم السكاني يكمن في الاستثمار في وسائل القضاء على الأمية، وتحسين مستوى معيشة الأسر الفقيرة والمتوسطة، تقول الخبيرة.

"وهذا من شأنه أن يساعد في رفع الوعي بتحديات النمو السكاني وتمكين الأسر من اتخاذ خيارات مستنيرة بشأن صحتها الإنجابية، وفي الوقت نفسه المساهمة الفعالة في دفع عجلة النمو الاقتصادي".

"تمكين المرأة من خلال التعليم،" عامل أساسي في أي برنامج لتنظيم النسل، إضافة إلى توفير فرص عمل لتساهم المرأة في زيادة الإنتاج والنمو الاقتصادي، وكذلك تعزيز الوعي بأهمية تحديد النسل.

التحدي الكبير

رغم "المؤشر الجيد" في معدلات الإنجاب، ترى الحكومة المصرية أن "مخاوف الأزمة السكانية ما زالت قائمة، وتؤثر بشكل مباشر على معدلات التنمية والوضع الاقتصادي".

وقدّر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، نسبة الزيادة السكانية في مصر حاليا بنحو 2.54 في المئة.

وفي مؤتمر صحفي، منتصف يناير  الماضي، قال مدبولي إن "حكومته تستهدف خفض معدل النمو السكاني إلى 2.1 في المئة بحلول عام 2028، بدلا من عام 2030 لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين".

رغم تراجع عدد المواليد، "لا تزال الحكومة تعتبر هذا العدد تحديا كبيرا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من الضغط على موارد الدولة في ظل التحديات العالمية الراهنة،" يقول الخبير الاقتصادي، محمد نادي، لموقع "الحرة".

وينتقد نادي "ربط الحكومة بين التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد وبين الزيادة السكانية".

يعتقد أن "القرارات الاقتصادية الخاطئة والإنفاق الحكومي غير المدروس وتراجع التصنيع والإنتاج هي العوامل التي خلقت الأزمة الاقتصادية الحالية وليس العكس".

رامي ودينا

"كأسرة صغيرة" ينفق رامي وزوجته دينا حوالي ٥٠ ألف جنيه، (١٠٠٠ دولار) شهريا، إضافة إلى ما يتجاوز 150 ألف (300 دولار) سنويا مصاريف مدرسة ابنه الدولية.

ومنذ نحو ثلاث سنوات، يتزايد حجم المصروفات بالتزامن مع تزايد الغلاء في أثمان السلع والخدمات، مقابل ثبات مداخيل الموظفين والعاملين.

يعمل رامي "مهندس حر" ولديه مكتبه الخاص، لكن ارتفاع تكلفة الخدمات ومواد المرتبطة بأعمال البناء والتشطيب خلال السنوات القليلة الماضية، أدت إلى انخفاض أرباحه.

ويضطر حاليا إلى "قبول المساعدة المالية من والديه للوفاء بالتزاماته الشهرية".

"أعرف شباب كثيرين أصبحوا لا يريدون الإنجاب أن يكتفون بطفل واحد حتى يقدروا الإنفاق على الطفل وتعليمه"، يقول.

نصيب الفرد

يبلغ نصيب الفرد المصري نحو ٣.٧٦٤ دولار أميركي سنويا من الناتج المحلي الإجمالي البالغ ٣٩٥.٩ مليار دولار، بحسب آخر إحصاءات وزارة الاستثمار المصرية.

وفقا لبيانات حديثة، يبلغ متوسط تكلفة المعيشة للفرد الواحد في مصر، شهريا ١٦٥٠٠جنيه (٣٣٠ دولار)، وللأسرة المكونة من ٤ أفراد ٥٨٥٨٧ جنيه (١،١٧١ دولار)، بينما يصل الحد الأدنى للأجور إلى ٧٠٠٠ جنيه (١٤٠ دولار) شهريا قبل الضرائب.

وبدأ التضخم في الارتفاع الشديد عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا. وبلغ ذروته عند 38% في سبتمبر 2023 وصولا إلى حوالي 24 في المئة في نهاية يناير الماضي.

وزيادة التضخم تزامنت مع سحب المستثمرين الأجانب مليارات الدولارات من مصر، وبالتالي انخفضت العملة المحلية (الجنيه) أمام الدولار بأكثر من نصف قيمتها.

وحذر الخبير الاقتصادي، محمد نادي، من أن خطط الحكومة بشأن رفع الدعم بشكل كامل عن الأسر قد "تلعب دورا في هبوط كثيرين من الطبقة المتوسطة إلى المنخفضة، فضلا عن زيادة أعداد الفقراء وكذلك المتسربين من التعليم".

ويرى أن "التراجع الاقتصادي ورفع الدعم من شأنهما أن يؤثرا سلبيا على معدلات الإنجاب في الطبقة المتوسطة التي ستضطر إلى الالتزام بسياسة الطفل الواحد، وفي الوقت نفسه ستزداد الأمية في الطبقة المنخفضة أو الدنيا، وهذا بدوره سيؤثر عكسيا على معدلات الإنجاب بالزيادة بين أبناء هذه الطبقة".

ويوضح أنه "باختصار وبحسبة اقتصادية بسيطة، فإن الدول التي اتبعت سياسات مشددة للانخفاض السكاني، مثل أوروبا، وحتى الصين واليابان حاليا، تواجه حاليا تهديدا اقتصاديا كبيرا، لعدم وجود الأيدي العاملة والكفاءات العقلية اللازمة لاستمرار أي نمو اقتصادي".

وقال إن العنصر البشري من أهم عوامل الإنتاج لأي دولة، وأن النمو السكاني يمكن أن يكون نعمة إذا تم استغلاله لرفع معدلات الإنتاج والدخل القومي، لكن في حالة مصر فإن معدل النمو السكاني يفوق معدل النمو الاقتصادي، ما يشكل ضغطا على موارد البلاد.

ويؤكد الخبير الاقتصادي على ضرورة أن "تستغل الحكومة هذه القوة البشرية الهائلة والشابة لرفع معدلات الإنتاج والنمو الاقتصادي، ورفع الضغوط عن كاهل الطبقات المتوسطة ودعمها لأنها تعتبر رمانة ميزان أي مجتمع متحضر ومتقدم".

غادة غالب

وجوه وقضايا

بعد سقوط الأسد.. ما مصير طالبي اللجوء السوريين في أميركا؟

غزوان الميداني- واشنطن
25 فبراير 2025

وصل  إلى الولايات المتحدة لقضاء إجازة، وبعد أيام اضطر إلى تقديم طلب لجوء سياسي.

ولا يزال السوري رامي عبد الحميد، منذ أكثر من 10 أعوام، ينتظر قرارا من السلطات الأميركية بشأن طلبه.

والآن، بعد سقوط نظام بشار الأسد، أصبحت أوضاع اللاجئين السوريين، ولا سيما غير المحسومة، أكثر تعقيدا.

كان عبد الحميد وزوجته وابنتاه، يقيمون في السعودية، حين قرروا زيارة أميركا.

أراد أن يصطحب ابنتيه إلى مدينة الملاهي، دزني لاند، في كاليفورنيا. لكن بعد أيام على وصوله، تلقى بالبريد الإلكتروني إبلاغا بأنهاء عقد عمله في المملكة؛ وإقامته أيضا. 

"تزامن ذلك مع تردي الوضع في سوريا،" يقول لموقع "الحرة". 

"أعدموا أخي ميدانيا، واعتقلوا أختي، وكنت مطلوبا لفرعين أمنيين".

تحول عبد الحميد منذ تلك اللحظة "من زائر إلى حائر"، على حد تعبيره.

لم يكن مهيئا للبقاء في أميركا، لكن كان عليه أن يسعى لتأمين وضع قانوني لأسرته في هذا البلد.

"قدمت طلب لجوء في سبتمبر 2013، إلى جانب معاملات أخرى مثل طلب الحماية المؤقتة (TPS) وتصريح عمل"، يقول.

تقول المحامية الأميركية المتخصصة في شؤون الهجرة، ليندن ويت، لموقع الحرة: إن "برنامج الحماية المؤقتة (TPS) يمنح وضعاً قانونياً مؤقتًا للأفراد القادمين من دول تشهد نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية، تمنع عودتهم بأمان" إلى البلد الأم.

خلال الأعوام الماضية، أجرى عبد الحميد مقابلات عديدة، خصوصا في عامي 2016 و2022، مع إدارة الهجرة.

"أخذوا صورنا وبصماتنا، وبياناتنا الحيوية، الـ "biometrics".

"تواصلتُ مع بعض أعضاء الكونغرس، والسيناتور المسؤول عن ولاية فيرجينيا (حيث يقيم الآن)، وكذلك أرسلت إلى البيت الأبيض أشرح وضعي وأطلب المساعدة".

"وراجعت كل مكان له علاقة بموضوع اللجوء، إلا أنني لم أتلقَ رداً حاسماً، ولا يزال الانتظار مستمراً،" يتابع.

تراجع ملحوظ

منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، تغيرت سياسات الولايات المتحدة في ما يتعلق باستقبال اللاجئين السوريين، بشكل ملحوظ.

في البداية كانت السلطات المعنية بالهجرة تبت في طلب اللاجئ السوري، في الرفض أو القبول، في مدة محددة لا تتجاوز 24 شهر.

مع امتداد الأزمة السورية، ارتفع عدد طالبي اللجوء من السوريين في الولايات المتحدة. وتباينت معدلات قبول الطلبات مع مرور الوقت.

في السنوات الأولى من الأزمة، كانت الموافقة على الطلبات تصل إلى 81%، لكنها انخفضت إلى 46% في عام 2014. 

وصارت مراجعة طلبات اللجوء وحسمها تستغرق سنوات. 

ما الأسباب؟

أدى تصاعد المخاوف الأمنية، وخاصة بعد ظهور تنظيم داعش في سوريا وسيطرته على مساحات شاسعة من أراضيها في تلك الفترة، إلى تعزيز عمليات التدقيق الأمني لملفات طالبي اللجوء في أميركا.

وتأثرت أيضا معالجة الطلبات.

ومع زيادة عدد المتقدمين بطلبات اللجوء، واجه النظام الأميركي (السيستم) تحديات لوجستية أدت إلى تراكم ملفات اللجوء والتأخر في دراستها والبت فيها.

وانعكست التغيرات في السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة على نهجها في قبول اللاجئين. وكان تأثير ذلك سلبيا على معدلات قبول اللاجئين السوريين.

اليوم.. مع رحيل الأسد، ووصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة لولاية ثانية، يتساءل اللاجئون السوريون وأولئك الذين يخضعون للحماية المؤقتة (TPS) في أميركا، عن مصيرهم.

إعادة تقييم

قد تعيد السلطات الأميركية تقييم الوضع في سوريا لتحديد ما إذا كانت الظروف لا تزال تستدعي استمرار برنامج الحماية المؤقتة للسوريين. 

إذا قررت السلطات أن الظروف في سوريا قد تحسنت بما يكفي، فقد تنهي العمل ببرنامج الحماية المؤقتة، فيتأثر وضع المستفيدين منه.

تقول المحامية، ليندن ويت، "عندما تمر دولة ما بتغيير كبير، كما حصل في سورية، فقد يؤثر ذلك على طلبات لجوء مواطينها".

"إذا اعتبر قاضي الهجرة أن الظروف في البلد الأصلي لطالب اللجوء قد تغيرت ولم يعد خوفه من العودة إلى بلده مبررا، فقد يؤدي ذلك إلى رفض طلب اللجوء لبعض الحالات"، تقول.

لكنها تستبعد أن تخصص الحكومة موارد مالية لإعادة النظر في حالات اللجوء بهدف إلغائها بسبب تغير الظروف في بلد المنشأ". 

"عادة ما يكون التركيز على إعادة فتح القضايا التي تتعلق بوقوع احتيال. أما المرحلة الأكثر احتمالا التي يحصل فيها إعادة تقييم طلب اللجوء من جانب الحكومة هي عندما يتقدم اللاجئ المعترف به بطلب للحصول على الإقامة الدائمة".

وتضيف ويت "بشكل عام، فإن الحماية المؤقتة لا تمنح الأشخاص المقيمين في الولايات المتحدة حق التقدم للحصول على الإقامة الدائمة، في حين يستطيع اللاجئون الذين تمت الموافقة على طلبات لجوئهم التقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة بعد مرور عام على منحهم اللجوء".

ماذا سيحدث في سبتمبر 2025؟

وعن طالبي اللجوء السوريين، تقول المحامية: "حالياً، تنتهي صلاحية الحماية المؤقتة للسوريين في 30 سبتمبر 2025، ومن غير المرجح أن يتم تمديدها، خاصة أن الإدارة الحالية قد ألغت بالفعل برامج حماية أخرى مثل تلك الممنوحة لفنزويلا".

وتوضح السيدة ويت: "إذا تم إلغاء اللجوء، يمكن لوزارة الأمن الداخلي (DHS) البدء في إجراءات الترحيل، لكن الشخص سيكون له فرصة للمثول أمام قاضي الهجرة وتقديم أسباب قانونية للدفاع عن وضعه، وربما محاولة إثبات استمرار الخوف من الاضطهاد في بلده الأصلي".

مصير مجهول

حتى الآن، لم تصدر الحكومة الأميركية بيانات رسمية تحدد التغييرات المحتملة في سياساتها تجاه اللاجئين السوريين أو المستفيدين من الحماية المؤقتة. ومن المتوقع أن يتم تقييم الوضع الأمني والإنساني في سوريا بعناية قبل اتخاذ أي قرارات.

وقد تتأثر أوضاع اللاجئين، عموما، بالسياسات التي ستتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب. فنهج "أميركا أولاً" الذي يتبناه قد يؤثر على سياسات اللجوء والهجرة، إلا أن التفاصيل الدقيقة لم تتضح بعد.

ولا ينظر اللاجئون السوريين إلى فكرة العودة إلى الوطن، من منظار واحد.

فبينما ينظر بعضهم بإيجابية إلى الفكرة، يساور آخرين القلق نظرا للتحديات العملية والاعتبارات الواقعية المرتبطة بالعودة.

فغياب المبررات الأمنية للجوء، لا يعني أن الطريق معبد للعودة.

وضع الاقتصاد السوري يعاني من تضخم تجاوز 300%، وفقا لصندوق النقد الدولي 2024. وهناك غياب للبنية التحتية، حيث أن 60% من المستشفيات و70% من المدارس مدمرة، وفقا لتقرير البنك الدولي.

"السوريون في بلاد اللجوء درسوا وأسسوا أعمالهم ومساراتهم المهنية وتمكنوا من الاندماج في المجتمعات التي لجؤوا إليها،" يقول عبدالحميد.

مدوا جذورا في التربة الجديدة، وبالتالي، فالحديث عن العودة، بالنسبة لعضهم، مثل محاولة اقتلاع شجرة من جذورها.

"صار لي أكثر من 10 سنوات هنا،" يقول عبد الحميد.

"أطفال درسوا هنا، وكبروا هنا، وما زلت أنتظر".

غزوان الميداني