وجوه وقضايا

الجانب المظلم من حقيقة الذكاء الاصطناعي

الحرة / خاص - واشنطن
21 مارس 2025

لتقنيات الذكاء الاصطناعي أثر إيجابي على كثير من مجالات حياتنا اليومية، لكن ما قد يخفى عن كثيرين هو تأثيراتها الضارة على الحياة بشكل عام: الحياة على هذا الكوكب.

استهلاك شركة مايكروسوفت من الكهرباء في عام 2023، على سبيل المثال، تجاوز 24 تيراواط، أي أكثر من استهلاك بلد مثل الأردن، أو حتى السعودية.

ويزيد الاستخدام المفرط للطاقة غير النظيفة لإنتاج الكهرباء من تداعيات الانبعاثات الضارة على البيئة. 

إلى جانب الكهرباء، يستخدم قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من المياه لتبريد الأجهزة المعالجة للخوارزميات المعقدة.

الجبهة الأمامية

مراكز البيانات هي الجبهة الأمامية في الصراع نحو تصدر مجال الذكاء الاصطناعي.

هذه المراكز ليست حديثة العهد، فقد أُسس أول مركز معني بالبيانات في جامعة بنسلفانيا الأميركية عام 1945 لدعم ما عُرف حينها كأول كمبيوتر رقمي متعدد الأغراض، "ENIAC" اختصارا.  

هذه المراكز هي العمود الفقري للحوسبة الحديثة المعنية بتخزين كميات ضخمة من البيانات ومعالجتها.

تلك البيانات تكفل استمرار تشغيل كافة المواقع العاملة عبر شبكة الإنترنت، ما يسهل عمل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب.

لكن ظهور الذكاء الاصطناعي، التوليدي منه تحديدا، مثل خدمات "تشات جي.بي.تي" و"جيميناي" مثلا، غيّر "دراماتيكيا" في عمل مراكز البيانات، وفقا لمقال نشره معهد ماساتشوستس للتقنية "أم آي تي". 

واليوم، تتكون تلك المراكز من بنايات صناعية كبيرة، في داخلها مجموعة من الأجهزة الإلكترونية الضخمة.

داخل تلك البنايات هناك أجهزة تخزين البيانات الرقمية وخوادم الاتصالات والحوسبة السحابية، التي تمكن من تخزين ومعالجة البيانات.

بين عامي 2022 و 2023 ارتفعت متطلبات مراكز البيانات من الطاقة، في أميركا الشمالية، من 2,688 ميغاواط إلى 5,341 ميغاواط، وفق تقديرات علماء.

جزء من هذا الارتفاع مرتبط بالاحتياجات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفق "أم آي تي".

عالميا، بلغ استهلاك مراكز البيانات من الطاقة، في عام 2022، 460 تيراواط.

وتحتل مراكز البيانات المرتبة 11 بين الأكثر استهلاكا للكهرباء سنويا حول العالم، وهي مرتبة وسط بين فرنسا (463 تيراواط) والسعودية (371 تيراواط)، وفقا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وبحلول 2026، تشير "أم آي تي"، إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يصل إلى 1,050 تيراواط، ما قد يرفعها إلى المرتبة الخامسة، بين اليابان وروسيا.

الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده ليس العامل الوحيد، يوضح المعهد التقني، لكنه "دافع أساسي" باتجاه زيادة الطلب على الطاقة والمياه. 

تستخدم تلك المراكز كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية، وتكون لديها مصادر طاقة بديلة عند انقطاع التزويد أو في حالات الطوارئ، ما يمكّنها من الاستمرار في العمل.

لكن توفير الطاقة الكافية لتشغيل تلك المراكز أصبح تحديا في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قدّم خطة لتطوير الطاقة النووية في الولايات المتحدة تحظى بدعم لافت من جمهوريين وديمقراطيين على حد السواء، وقد تشكل الحل الأكثر رفقا بالبيئة.

البروفسور آناند راو من جامعة كارنيغي ميلون أوضح لموقع "الحرة" أنه بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطاقة الكهربائية، ظهرت معضلة جديدة أمام تلك المراكز.

الأجهزة الإلكترونية الضخمة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة ترتفع حرارتها إلى درجات عالية جدا، ما يؤثر على قدرتها، وقد يؤدي حتى إلى تلفها.

قد يبدو ذلك غريبا لأول وهلة، ولكن على عكس حاسوبك الصغير الذي يستعمل مروحة أو اثنتين لتبريد رقاقاته الإلكترونية، تستخدم أجهزة مراكز البيانات الماء للتبريد.

تدخل آلاف الغالونات من الماء إلى مبادل حراري يشغل شبكة ضخمة ومتشعبة من الأنابيب والمبردات تمتد إلى كافة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، دون أن يلامس الماء، طبعا، أيا من الدارات الكهربائية.

ومثلما هو الحال بالنسبة للكهرباء، يضع استهلاك تلك الكميات الكبيرة من الماء ضغطا كبيرا على الموارد المحلية للمنطقة حيث تكون مركز البيانات.

بات من الواضح أن استدامة عمل تلك المراكز أصبحت مرتبطة بتأمين موارد كبيرة من الكهرباء والماء.

لكنّ هناك حلولا أخرى، بحسب البروفيسور راو، مثل استخدام النيتروجين للتبريد عوضا عن الماء.

رغم أن النيتروجين متوفر بكميات كبيرة، إذ يمثل نحو 78 في المئة من الهواء في الغلاف الجوي للأرض، فإن استخدامه للتبريد مكلف كثيرا، ما يجعل الماء خيارا اقتصاديا أفضل.

حلول مبتكرة تعيقها "الهلوسة"

عوضا عن بذل جهد كبير في محاولة تبريد الأجهزة الإلكترونية، لماذا لا يتم استخدام أجهزة تطلق حرارة أقل، ما يعني بالضرورة أنها تستهلك كمية أقل من الطاقة؟

قد يخيل إليك أن هذه فكرة مثالية بعيدة عن الواقع، ولكن، مرة أخرى، يتحول الخيال إلى حقيقة.

تجري منذ مدة أبحاث تهدف لتطوير ما اصطلح على تسميته بحواسيب الكوانتوم التي تُعرف أيضاً باسم الحواسيب الكمومية.

اعتماد هذا النوع من الحواسيب على "فيزياء الكم" جعلها قادرة على القيام بعدد ضخم من الحسابات في وقت قصير ما جعلها تستخدم كمية طاقة أقل.

البيانات المعروفة بالإنكليزية بكلمة "بايت" وتعتمد نظام الرياضيات الثنائي المكون من رقمين هما 0 و1، وهو النظام المستخدم في الحواسيب.

لكن حواسيب الكم تعتمد على "الكيوبتات"، التي بإمكانها أن أن تكون في حالتي 0 و1 في نفس الوقت، وهو ما يعرف باسم التراكب الكمومي.

مكنت تلك الخاصية الفريدة هذه الحواسيب من إظهار قدرة كبيرة على فك المعادلات المعقدة وتقديم أجوبة متطورة على أسئلة مركبة، عبر معالجة العديد من المعادلات والمسائل في نفس الوقت.

وبالطبع، استخدمت حواسيب الكم في تطوير النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي، لكن الأجوبة التي قدمتها كانت "غير مستقرة".

وتعبير "غير مستقرة" يعبر عنها أحياناً بـ "الهلوسة"، حسب ما أوضح لموقع "الحرة"، كل من سام رزنيك، الباحث في معهد الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة جورج تاون الأميركية، والبروفيسور راو.

هذه "الهلوسة" البرمجية تتمثل في تقديم نموذج الذكاء الاصطناعي إجابات خاطئة وغير منطقية أو مخالفة للواقع أو عبثية لا معنى لها.

مجتمع الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يسعى لتحسين قدرات حواسيب الكم، للاستفادة من قدراتها الفريدة خصوصا من ناحية الوصول إلى نفس النتائج لكن بجهد أقل ووقت أقصر.

سباق العمالقة

ويتوالى سباق السيطرة على هذه التكنولوجيا التي فتحت أبواب الأرباح المالية الضخمة والسيطرة السياسية وحتى العسكرية، وسط مخاوف من تهديدها حرية التفكير والتعبير.

خلال الأسابيع القليلة الماضية شهدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي نموا صاروخيا وحققت أرقاما فلكية.

ارتفع عدد مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نهاية فبراير بنسبة 33 في المئة مقارنة بنفس العدد في ديسمبر الماضي ليصل إلى 400 مليون مستخدم أسبوعيا.

ومن أهم مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نجد بنك "مورغان ستانلي" الاستثماري وشركات كبرى مثل "تي موبايل" و"مودرنا" و"أوبر".

أما نموذج "ديب سيك" الصيني، فارتفع عدد مستخدميه 12 مرة خلال شهر يناير الماضي، ليصل الآن إلى معدل 700 ألف مستخدم أسبوعيا.

والتحقت شركة "أكس.أيه.آي" بالركب، ومنذ طرحها نموذج "غروك 3" ارتفع عدد مستخدميه من 4.3 مليون إلى 31.5 مليون مستخدم يوميا، وذلك خلال 3 أسابيع فقط.

وزعمت الشركة المنتجة لنموذج "ديب سيك" الصيني أنه يقدم خدمة أقل كلفة ومماثلة لنظيره الأميركي "تشات جي.بي.تي" من شركة "أوبن أيه آي".

سرعان ما خرج نموذج أميركي آخر بعد أقل من شهر، يسمى "غروك 3"، ليقدم قدرات أكبر.

شركة "أكس أيه آي"، التي أسسها إيلون ماسك عام 2023، تقول إن نموذج "غروك 3" هو الأفضل حتى الآن.

ظهور "ديب سيك" شكل صدمة ليس للباحثين المختصين بل للأسواق العالمية وحتى السياسة الدولية.

"ديب سيك" اعتمد تقنية تسمى استخلاص النماذج، يقول رزنيك في حديثه لموقع "الحرة".

تعتمد هذه التقنية على طرح آلاف من الأسئلة على نموذج "تشات جي.بي.تي"، لفهم طريقة تحليله للمعلومات.

أي لفهم طريقة تفكيره، والتعلم منها عبر التدرب على ذلك النموذج.

وبناء على ذلك قام الباحثون الصينيون ببناء نموذج "ديب سيك"، باستخدام الأجوبة المقدمة من "تشات جي.بي.تي".

ومع ارتفاع عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي تتزايد الحاجة إلى مزيد من مراكز البيانات، ما يعني، في المحصلة، استهلاكا أكبر للكهرباء والمياه، وما يصحب ذلك من تآكل لإمكانيات استمرار الحياة على كوكب الأرض.

مفاجآت بالجملة

الباحثان اللذان تحدثنا إليهما يخالفان الاعتقاد السائد بأن الصينيين لا يملكون  قدرات حاسوبية كبيرة نظرا لتأخرهم في مجال الرقائق الإلكترونية.

فمنظومة "ديب سيك" أصبحت تستخدم عددا كبيرا من الرقائق المصنعة من طرف شركة هواوي الصينية.

يكشف رزنيك لنا سرا آخر من خبايا الصراع الخفي للسيطرة على شعلة القيادة في مجال الذكاء الاصطناعي.

نموذج "ديب سيك" يعتمد على قدرات حاسوبية كبيرة، لكن السر يكمن في طبيعة الرقاقات الإلكترونية.

هناك نوعان رئيسيان من الرقاقات الإلكترونية المعتمدة في نماذج الذكاء الاصطناعي.

الرقائق المتقدمة مثل تلك المنتجة من شركة "إنفيديا"، ومقرها ولاية كاليفورنيا الأميركية، تعرف باسم رقائق "جي.بي.يو"، وتستخدم للعمليات المعقدة مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

كلمة "جي.بي.يو" هي الاختصار الإنكليزي لمصطلح "graphic processing unit" أو (GPU) اختصارا، وتعني "وحدات معالجة الصور".

مكنت قدرات تلك الرقائق شركة "إنفيديا" من الوصول إلى قيمة سوقية تعادل نحو 3 ترليون دولار.

رقائق "جي.بي.يو" لم تكن في الأصل معدة للاستخدام في مجال الذكاء الاصطناعي.

"إنفيديا" عملت منذ تأسيسها عام 1993، في مجال الألعاب الإلكترونية أو ألعاب الفيديو، وأرادت الحصول على صور ذات نوعية جيدة، تضفي طابعا أكثر واقعية على ألعاب الفيديو.

في ذلك الوقت كانت شركات التكنولوجيا مثل "إنتل" الأميركية تعمل على إنتاج رقائق حواسيب تعرف باسم "سي بي يو"، وهو الاختصار الإنكليزي لكلمة "سنترال بروسيسنغ يونت"، أو "وحدات المعالجة المركزية".

الرقائق الإلكترونية لوحدات المعالجة المركزية هي الأساس للحواسيب لذلك فهي أكثر انتشارا، لكن طريقة عملها تجعلها أقل تقدما في مجال الحسابات المعقدة.

من خلال التجارب الأولى للنماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي، تبين أن وحدات معالجة الصور المنتجة من شركة "إنفيديا"، هي الأفضل بسبب قدرتها على إجراء العمليات الحسابية المعقدة، مع حجم معالجة أكبر.

تحولت "إنفيديا" من شركة تعمل في مجال ألعاب الفيديو إلى المزود الرئيسي للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

منذ أعوام تشهد الولايات المتحدة والصين نزاعا بشأن الرقاقات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي

المفارقة أن التحول المفاجئ كان سبباً في قوة الصدمة الناجمة عن نجاح نموذج "ديب سيك".

القدرة على تقديم نموذج يستخدم قدرات حاسوبية أقل تقدماً وضع مستقبل شركة "إنفيديا" في مرمى الشك وأثر على التداولات في الأسواق.

وأصبحت رقاقات "إنفيديا" طلبا أساسيا لدى كبرى شركات التقنية مثل "أمازون" و"غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" وغيرها.

لكن الاهتمام بذلك الحدث تجاوز عالم المال والأعمال.

الحرة / خاص - واشنطن

يطالب عمال عدد من المصانع في مصر بتطبيق الحد الأدنى للأجور.
يطالب عمال عدد من المصانع في مصر بتطبيق الحد الأدنى للأجور.

عاد "مصطفى" إلى منزله بعد يوم عمل شاق يجني فيه 4000 جنيه مصري (80 دولارا) شهريا.

يفكر بمستقبل عائلته المكونة من ستة أفراد، وإن كان سيتغير بسبب قرار رفع الحد الأدنى من الأجور. 

ليلة 13 فبراير 2025 (العاشر من رمضان) بدت كغيرها من أمسيات محافظة الشرقية في مصر، لكنها لن تمر بسلام. 

"مصطفى" (اسم مستعار)، كان برفقة تسعة آخرين، أُلقي القبض عليهم من منازلهم بعد حوالي أسبوع من إضراب عمال شركة "الأمير للسيراميك" للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور.

ومنذ ثلاث سنوات تحاول الحكومة "تعويض" العمال عن ارتفاع الأسعار الناجم عن زيادة معدل التضخم السنوي من خلال زيادة الحد الأدنى للأجور.

لكن حتى الآن لا تزال العديد من الشركات، التي لا يوجد حصر دقيق بأعدادها، ترفض تنفيذ القرار الحكومي السابق، وتلجأ إلى الجهات الأمنية لإنهاء أي احتجاج عمالي.

في 9 فبراير 2025، أعلن المجلس القومي للأجور رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص إلى 7000 جنيه (140 دولار) شهريا، بداية من مارس في العام ذاته، وفق وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، رانيا المشاط.

 القانون يستهدف العاملين في القطاع الخاص، الذين يُقدّر عددهم بنحو 24 مليون شخص، وفق المشاط، التي أشارت، في فبراير الماضي، إلى أن 80 في المئة من قوة العمل في الدولة تابعة للقطاع الخاص.

ليست كل الاحتجاجات والإضرابات العمالية في مصر مرتبطة بقرار فبراير وحده، إذ خرجت خلال الأشهر الماضية للمطالبة بتطبيق القرار الحكومي السابق، الصادر في مارس 2024. 

ذلك القرار دعا إلى زيادة الأجور إلى 6000 آلاف جنيه (120 دولار). 

وقوبلت تلك المطالب بتدخل أمني ضد العمال المحتجين، وصلت إلى الاعتقال والحبس، بحسب تقارير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومنظمة "لجنة العدالة" المعنية بحقوق الإنسان في العالم.

ويُعرَّف الحد الأدنى للأجور بأنه أقل مبلغ يمكن أن يدفعه أصحاب العمل إلى العمال بشكل قانوني، بينما يمثل الدخل الأدنى الكافي المبلغ المطلوب لضمان حياة كريمة.

أزمة أخرى يواجهها عمال مصر حاليا وهي موافقة مجلس النواب، في 26 فبراير 2025، على مشروع قانون العمل الجديد من حيث المبدأ، معلناً البدء في مناقشة مواده. 

 الاتحاد العام لنقابات عمال مصر أعلن في بيان رسمي رفضه تعديلات لجنة القوى العاملة بمجلس النواب على مواد قانون العمل، وذكر أن التعديلات "تتضمن مواد تنتقص من حقوق العمال ومكتسباتهم التاريخية، وتضر بالحريات النقابية" و"حق التنظيم".

 كما أكد على أهمية الحوار الاجتماعي للحفاظ على مكتسبات العمال.

ويعد حق الإضراب عن العمل من أبرز ما يثير جدلاً وانتقادات في مصر حول مشروع القانون الجديد، لوجود مواد "تفرض قيوداً" عليه، حسب معارضيه.

أما الحكومة ترى أنه "يحقق التوازن، ويخلق بيئة عمل لائقة تُراعي المعايير الدولية"، كما يشير وزير العمل، محمد جبران.

مطالب مشروعة تقابلها قبضة الأمن

"لأكثر من تسعة أعوام، كرستُ حياتي لهذا المصنع الذي عملت فيه بتفانٍ، رغم أجري الضعيف وتدني التأمينات الصحية والاجتماعية، وبدلا من أن تتم ترقيتي وتكريمي، يتم القبض علي أمام أسرتي"، يقول "مصطفى" في حديثه لموقع "الحرة".

لكن محنة "مصطفى"، 45 عاما، لم تنته عند هذا الحد، إذ فوجئ بعد قرار النيابة إخلاء سبيله في 16 فبراير الماضي، بإصابة والدته بأزمة قلبية إثر القبض عليه ودخولها العناية المركزة.

بداية تلك المحنة كانت مع قرار نحو 3500 عامل بمصانع "الأمير للسيراميك" الإضراب عن العمل، في 7 فبراير الماضي، للمطالبة بزيادة الرواتب إلى الحد الأدنى للأجور، بحسب موقع "لجنة العدالة".

"تقدم العمال بشكوى إلى مكتب العمل ضد الشركة، تضمنت مطالبهم، عقب ذلك انتقلت لجنة من القوى العاملة إلى مقر الشركة، وتوصلت المفاوضات مع الإدارة إلى "صرف 850 جنيهًا للعمال جميعًا"، على أن يتم رفع أجور العمال المتدنية لتصل إلى 5000 جنيه، وسط مطالبات من العمل بتطبيق الحد الأدنى للأجور وهو 7000 جنيه، يقول "مصطفى".

ومع استمرار الإضراب، ألقت قوات الأمن القبض على 10 عمال، كان "مصطفى" من ضمنهم، في 13 فبراير الجاري، بعد بلاغ تقدم به محامي الشركة وحمل رقم "644 إداري"، شمل اتهامات بـ"التحريض على الإضراب، والتخريب، وتعطيل حركة الإنتاج".

وبحسب أحد العاملين بالشركة، فإن "إدارة الشركة ساومتهم على الإفراج عن العمال المقبوض عليهم، مقابل إنهاء الإضراب، وتطبيق توصيات لجنة القوى العاملة بشأن زيادة الرواتب"، وفقا لموقع منظمة "لجنة العدالة".

وأزمة عمال "الأمير للسيراميك" ليست الأولى من نوعها، إذ شهدت مصر خلال الأشهر الماضية وقائع متكررة بسبب امتناع الشركات عن تطبيق الحد الأدنى للأجور، ما دفع العمال للاحتجاج السلمي بالاعتصامات والإضرابات التي قوبلت بالرد الأمني.

وفي 26 يناير الماضي، قبضت الأجهزة الأمنية على 26 عاملا، بسبب إضراب الآلاف من عمال شركة "تي أند سي" للملابس الجاهزة، للمطالبة بزيادة العلاوة السنوية إلى 50 في المئة لمواجهة غلاء المعيشة وتطبيق الحد الأدنى للأجور، بحسب موقع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى غرار ما حدث في "الأمير للسيراميك"، أنهى  عمال شركة "تي أند سي" إضرابهم، في 28 يناير 2025، بعد إقرار الشركة علاوة بلغت 17 في المئة.

 وهو نفس اليوم الذي جرى فيه إخلاء سبيل العمال، وإيقافهم عن العمل لمدة 15 يومًا، ليتفاجأوا بعد ذلك بقرار فصلهم نهائيا، بحسب موقع "مدى مصر".

وفي أغسطس 2024، ألقي القبض على تسعة عمال من شركة "وبريات سمنود" بسبب إضرابهم عن العمل لعدم تنفيذ القرار الرئاسي برفع الحد الأدنى للأجور إلى مبلغ ستة آلاف جنيه، منذ مايو 2024، بحسب موقع "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية".

كما أعلن عمال شركة "غزل المحلة" إضرابا، في 22 فبراير 2024، اعتراضا على استثناء عمال شركات قطاع الأعمال العام من قرار زيادة الحد الأدنى للأجور.

ورصد موقع "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" استدعاء قطاع الأمن الوطني بمحافظة الغربية لحوالي 36 من العاملات والعمال المشاركين بالإضراب واحتجازهم لعدة أيام قبل إطلاق سراحهم بعد التنبيه عليهم بعدم دخول مقر الشركة أثناء الإضراب.

ووجهت لاثنين من عمال شركة "غزل المحلة" تهمتا "الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون"، و"نشر أخبار وبيانات كاذبة تكدر الأمن والسلم العام"، بحسب مواقع صحفية وموقع "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية".

ولم تستجب شركات "الأمير للسيراميك" و"غزل محلة" و"وبريات سمنود" لطلبات "الحرة" للتعليق عبر البريد الإلكتروني.

 "التدخل الأمني في الخلافات العمالية لصالح أصحاب الأعمال والشركات على حساب العمال يعد أزمة كبيرة وخرقا واضحا لحقوق العمال في مصر"، يقول المحامي المتخصص في القضايا العمالية، أيمن محمود بكر، لموقع "الحرة".

ففي الفترة الأخيرة، "تطور دور ضباط الأمن من مجرد إلقاء القبض على العمال لترهيبهم لإنهاء إضراباتهم واعتصاماتهم، إلى دور المفاوض باسم الشركة لإجبار هؤلاء العمال للتنازل عن حقوقهم"، يضيف.

 المحامي الحقوقي انتقد ما وصفه بـ "التعامل الأمني العنيف مع العمال"، خاصة في ظل "ضعف" النقابات العمالية الي تدافع عنهم، بالإضافة إلى توجيه تهم جنائية كبرى بحقهم. 

"حضرتُ بالفعل جلسات لموكلين تم توجيه تهم لهم بالإرهاب، والتي قد تصل عقوبتها لأكثر من 15 سنة"، يضيف.

ماذا يقول القانون؟

يعد الإضراب عن العمل حقاً كفلته المادة 15 من الدستور المصري: "الإضراب السلمي حق ينظمه القانون". 

"نظرا لعدم توفير القانون الأدوات اللازمة للتعامل مع المشكلات العمالية، اندفع أصحاب الأعمال للتهديد بعصا الأمن، بعد إشراك الأمن الوطني في إنهاء الإضرابات العمالية كبديل للآليات الفاعلة لتسوية المنازعات العمالية، إلى جانب التحايل على القانون الحالي أو الاختلاف في تفسير بعض نصوصه المتضاربة أحيانًا"، يقول بكر.

كما أن النصوص القانونية في مشروع قانون العمل الجديد الذي وضعته الحكومة تجعل من الصعب اللجوء إليه، حسب بكر.

فالمشروع "يصب في صالح أصحاب الشركات على حساب العمال من خلال استمرار حظر الإضراب، وهو ما يتيح للقوى الأمنية القبض على القيادات العمّالية المضربة ويسمح للشركات بفصلهم".

ويحدد بكر "الثغرة القانونية" في مشروع القانون ضد الإضرابات،

إذ يشترط مشروع القانون الجديد أن يتم إبلاغ الجهات المختصة قبل الإضراب بـ10 أيام. 

كما يوصي بألا يلجأ العمال للإضراب إلا بعد استنفاد كل الطرق الأخرى، وكذلك أن يحدث فقط داخل المؤسسة، والتي سيغلقها صاحب العمل وقتها في وجه العمال، يوضح بكر.

وهنالك عنصر غائب عن مشروع القانون، وهو نص الإبلاغ عن الإضراب قبل تنظيمه، رغم أنه موجود في القانون الحالي رقم 12 لسنة 2003، وفق المحامي.

لكن المشروع يزيد في التفاصيل الأخرى الخاصة بالتنظيم، وفق بكر، مثل إلزام العمال بإعلان زمن إنهاء الإضراب.

 "هذا نص شديد الغرابة"، ينوّه المحامي، "لأنه من الطبيعي أن ينهي العمال الإضراب بمجرد الاستجابة لمطالبهم، وهذا مرتبط بموقف الإدارة".

أما المواد الخاصة بالإضراب في مشروع القانون الجديد يمكن اعتبار أنها تُجرِّم الإضراب بشكل غير مباشر، عن طريق حظره في المنشآت الحيوية التي تقدم خدمات أساسية".

وتلك تشمل، وفق قرار رئيس مجلس الوزراء للعام 2003: منشآت الأمن القومي، والإنتاج الحربي، والمستشفيات، والمراكز الطبية، والصيدليات، والمخابز، ووسائل النقل البري والبحري والجوي، ومنشآت المياه والكهرباء والغاز والصرف الصحي والاتصالات والموانئ والمطارات والمؤسسات التعليمية. 

"تقريبًا مش باقي غير القهاوي"، يقول بكر.

كلمات "مطاطية" توقف عندها بكر في التعديلات المقترحة مثل "حظر الإضراب في الظروف الاستثنائية"، على حد تعبيره. 

وترفض منظمة "دار الخدمات النقابية"، المعنية بشؤون العمال في مصر، نصوص مشروع القانون الخاصة بالإضراب.

ولم تستجب وزارتا الداخلية والقوى العاملة في مصر إلى طلبات "الحرة" للتعليق عبر البريد الإلكتروني.

"نموت أحسن!"

(4500 جنيه، إضافة لـ600 جنيه حافز، و600 أخرى بدل وجبة)، كان إجمالي الأجر الشهري لـ "محمد"، في شركة "تي أند سي". 

الشركة أقرّت بعدها علاوة 17 في المئة بعد إضراب العمال، في يناير الماضي، للمطالبة بتنفيذ الحد الأدنى للأجور.

الآن يتجاوز أجر "محمد" (اسم مستعار) الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الحكومة، في مايو الماضي، (6000 آلاف جنيه).

وفي انتظار تحقيق وعود بزيادته ليتجاوز أيضا حاجز الحد الأدنى للأجور المفترض تطبيقه في مارس المقبل، والبالغ (7000 آلاف جنيه).

ومع ذلك يشعر محمد، الأب لطفلتين، أن مستواه المادي في تراجع مستمر وقد لا يكفي قوت يومه في أحيان كثيرة بسبب موجة الغلاء التي تشهدها البلاد.

"المرتب مش بيكفي لنصف الشهر، ومش عارف لولا مساعدة زوجتي لي، كنا هنعيش إزاي؟"، يقول لموقع "الحرة".

"الزيادات التي تقرها الشركة والحكومة لا تتناسب مع مستويات ارتفاع الأسعار في جميع السلع والخدمات، فنحن نبدو وكأننا نسير إلى الخلف"، يضيف العامل الأربعيني شاكيا صعوبات الحياة خاصة في وجود أطفال.

"قبل بضعة سنوات لم يكن عندي مشكلة مع أسعار الطعام، ولا حتى فواتير الكهرباء والغاز، رغم أن مرتبي (راتبي) كان أقل مما هو عليه الآن بالنصف تقريبا، لكن مع الزيادات الأخيرة، يزداد وضعي سوءا، ولم أعد أتحمل التكاليف اليومية بمفردي، لذلك قررت زوجتي مساعدتي".

"محمد" يطالب بزيادات حقيقية مرتبطة بأرض الواقع.

"نريد أجراً صافياً بقيمة 10 آلاف جنيه، وليس بالحصول على 7 آلاف جنيه مع حسومات تخفض الأجر إلى 5 آلاف جنيه".

ولم ترد شركة "تي أند سي" على طلب الحرة التعليق عبر البريد الإلكتروني.

يشعر "مصطفى"، العامل بـ"الأمير للسيراميك"، بالوجع ذاته.

"بعد الاستقطاعات، يصل صافي أجري إلى 4000 جنيه (80 دولار)، والمفروض أن يكفي هذا المبلغ أسرة مكونة من 6 أفراد! إحنا كدا نموت أحسن!".

سابع زيادة خلال 3 سنوات

وبجانب رفع الحد الأدنى للأجور، قرر المجلس القومي للأجور في مصر، في 9 فبراير الماضي، رفع قيمة العلاوة الدورية للعاملين بالقطاع الخاص.

هذه العلاوة أُقرّت بحد أدنى، 3 في المئة من أجر الاشتراك التأميني، وبما لا يقل عن 250 جنيها (5 دولارات) شهريا.

 المجلس، الذي ترأسته وزيرة التخطيط، رانيا المشاط، وضع أيضا حدا أدنى للأجر للعمل المؤقت (جزء من الوقت)، بحيث لا يقل عن 28 جنيها (0.56 دولار) صافيا في الساعة، بحسب موقع "الهيئة العامة للاستعلامات" التابع للحكومة.

يأتي الإجراء يأتي في إطار الاستجابة للمستجدات الاقتصادية الراهنة، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مصر، بحسب المشاط.

وقالت الوزيرة إن ذلك يتسق مع المعايير الدولية، فمنظمة العمل الدولية تؤكد على ضرورة مراجعة الحد الأدنى للأجور على أساس دوري، لحماية القوة الشرائية للأسر، واستيعاب التغيرات الاقتصادية التدريجية.

وتعتبر هذه هي الزيادة السابعة في الأجور خلال ثلاث سنوات. 

الحد الأدنى للأجور بمصر تدرّج منذ إقراره في يناير 2022 من 2400 جنيه وصولا إلى 6000 في مارس 2024.

وهي زيادة تجاوزت 50 في المئة، أي ما يعادل حينها 194 دولارا، مقابل الزيادة الأخيرة البالغة 7000 آلاف جنيه في فبراير الجاري، (140 دولارا) حاليا، بحسب موقع "الهيئة العامة للاستعلامات" التابع للحكومة.

ورغم الزيادات السابقة في الحد الأدنى للأجور، يقول خبراء الاقتصاد إن القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور تراجعت بمرور الوقت بسبب زيادة التضخم وانخفاض الجنيه أمام الدولار بأكثر من نصف قيمته.

التضخم السنوي بلغ 23.95 في المئة في أوائل عام 2025، بعد أن انخفض من أعلى مستوى له على الإطلاق عند 38 في المئة في سبتمبر 2023، ما أدى إلى ارتفاع النفقات الأساسية، مثل: الغذاء والسكن والنقل. 

أما مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، الذي يتتبع تغيرات الأسعار مع مرور الوقت لعدد محدد من السلع، ارتفع من 105.6 في يناير 2020 إلى 243.5 في يناير 2025.

 في المقابل، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك من 2011 إلى 2016 فقط من 111 إلى 175.5.

تقرير "للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، بعنوان "موازنة فائدة الديون.. التقشف لنا والأرباح للدائنين" يعكس الأمر ذاته.

فرغم ارتفاع قيمة الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في المشروع الجديد لموازنة 2024-2025 بنسبة 20في المئة على أساس سنوي، إلا أن القيمة الحقيقية للدعم انخفضت بنسبة 11 في المئة بسبب تأثيرات التضخم، وفق التقرير.

"هذه تعتبر الزيادة السابعة في الأجور خلال ثلاث سنوات، لكنها لن تعالج بشكل كافٍ تدهور مستويات المعيشة كما يأمل بعض المسؤولين. ولا تتناسب زيادة الحد الأدنى للأجور ، رغم أهميتها، مع التضخم"، يقول الخبير الاقتصادي، كريم سعد الدين، لموقع "الحرة".

ففي فبراير 2024، تم رفع الحد الأدنى للأجور إلى 6000 جنيه مصري شهريًا، وكان سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي حينها حوالي 30.85 جنيه مصري للدولار، ما جعل الحد الأدنى يعادل تقريبًا 194 دولارًا أميركيًا، يوضح.

"وبحلول فبراير 2025، ومع تحديد الحد الأدنى الجديد للأجور بـ7000 جنيه مصري، بلغ سعر الصرف الرسمي للدولار حوالي 50.54 جنيه مصري للدولار، ما يجعل الحد الأدنى الجديد يعادل تقريبًا 138.5 دولارًا أميركيًا".

بالتالي فالزيادة إلى 7000 جنيه من 6000 جنيه "هي انخفاض بحوالي 44.5 دولار، ونظرا إلى أن سعر الدولار الآن 50 جنيه، فالخسارة بالجنيه 2527".

ولذلك يرى الخبير الاقتصادي أنه "رغم الزيادات العديدة خلال السنوات الماضية، يترك الحد الأدنى الجديد للأجور المستفيدين منه في حالة أسوأ مما كانوا عليه قبل عقد من الزمن".

ويطالب الحكومة بضرورة وضع حد أدنى للأجور تعوض به مستوى التضخم وانخفاض قيمة العملة والانهيار الاقتصادي، لاحتواء أزمات العمال قبل أن تنفجر.

حدد مرجع "أنكر" الأجر المناسب للمناطق الحضرية في مصر عند 12,448 جنيها مصريًّا شهريًّا في عام 2024.

ويظل الحد الأدنى الجديد للأجور، الذي يبلغ 7000 جنيه، بعيدا عن هذا المؤشر، ما يجعل أصحاب الأجور يكافحون لتلبية احتياجاتهم الأساسية. 

ويعكس تقرير "عمال في دوامة الأزمة" الصادر عن "دار الخدمات النقابية والعمالية" نفس النقطة.

أجور العاملين في القطاع العام تراجعت إلى 3.4 في المئة من الناتج المحلي في موازنة 2023-2024، بعد أن شكّلت 4.6 في المئة في موازنة 2021-2022.

"وتعتبر رواتب العاملين في القطاع العام أفضل من نظرائهم في القطاع الخاص"، يضيف.

وتطرق الخبير الاقتصادي، سعد الدين، إلى معضلة تهرب الشركات من تطبيق الحد الأدنى للأجور.

"قرار تطبيق الحد الأدنى للأجور صدر بالثغرات ذاتها التي كانت موجودة في العام الماضي، وأبرزها استثناء القرار للمنشآت التي يعمل فيها 10 عمال فأقل". 

ويعمل في هذه المنشآت 62.9 من إجمالي العاملين بالقطاع الخاص، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

"القرار السابق، الذي طُبّق في مايو الماضي، سمح لأصحاب العمل بتقديم طلبات للحصول على استثناءات تفيد تعثرها، كما أتاح لهم اعتبار كل عناصر الأجر بما فيها من عمولات ومنح وبدلات ونصيب العاملين من الأرباح والمزايا العينية ضمن الحد الأدنى للأجر"، يضيف الخبير.

كما انتقد سعد الدين "تحميل العمّال حصة صاحب العمل من التأمين، ما يجعل المبلغ المُطبّق من الأجر بعد الخصم من 4400 إلى 4500 جنيه".

ووفقا لقانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019، فإن العامل وصاحب العمل، يلتزمان بحصة من أجر العامل للاشتراك التأميني (التأمينات الاجتماعية).

وتبلغ ​​الحصة التي يلتزم بها المؤمن عليه بواقع 9 في المئة من أجره شهريا، فيما تبلغ الحصة التي يلتزم بها صاحب العمل 12 في المئة من أجر المُؤمّن عليهم من العاملين لديه شهريا.

"أزمة متفاقمة" يعاني منها القطاع الخاص في مصر بسبب تراجع الوضع الاقتصادي المرتبط بزيادة التضخم وانخفاض العملة، وفق ما ذكره عضو الغرفة التجارية بالقاهرة، محمد كريم يحيى، في حديثه لموقع "الحرة".

وذلك مقابل زيادة الحد الأدنى للأجور التي يقرها المجلس بشكل متكرر خلال السنوات القليلة الماضية، يوضح.

ويوضح أن القطاع الخاص يختلف كليا عن الجهاز الإداري للدولة الذي ينجح في تطبيق الزيادة سنويا من خلال الميزانية العامة للدولة.

العديد من الشركات الخاصة تواجه في السنوات الأخيرة تعثرات مادية وتراجعا في الأرباح، ما يُعيقها عن تطبيق الحد الأدنى للأجور بشكل فوري، يقول يحيى. 

أما الحكومة لم تكن تضغط في الماضي لتطبيق قرار الحد الأدنى للأجور وكانت تقدم استثناءات لظروف اقتصادية، على حد تعبيره.

ويضيف أن الحكومة قررت إلغاء الإعفاءات والاستثناءات السابقة لأيّ قطاع خاص من تطبيق زيادات الأجور. 

وتحدث عن المحاولات الحالية لسد الفجوة بين القطاع الخاص وزيادة الأجور التي تقرها الحكومة، من خلال "إعطاء مهلة للشركات غير القادرة، أو مساعدة بعضها على تطبيق القرار، أو تلقي وعودا بتطبيق الحد الأدنى بشكل تدريجي".

"خلال الأعوام الماضية، زاد الحد الأدنى للأجور بنسبة كبيرة تفوق قدرات بعض الشركات، كما أن الزيادة الأخيرة شملت رفع الحد الأدنى لقيمة العلاوة الدورية للعاملين بالقطاع الخاص إلى 250 جنيها شهريا (نحو 5 دولارات)، ولأول مرة يضع المجلس حد أدنى للأجر للعمل المؤقت، بحيث لا يقل عن 28 جنيها مصريا (حوالي نصف دولار) في الساعة" يوضح.

ويرى أنه من الضروري التنسيق "بهدوء وحكمة" بين قرارات الحكومة وما يمكن للقطاع الخاص أن يستوعبه.

فالعاملون في القطاع الخاص يمثلون حاليا قوة اجتماعية لا يستهان بها، إذ يصل عددهم إلى 24 مليون فرد مقابل 5 ملايين فقط في القطاع الحكومي، يوضح.

وهذا يثير مخاوف دوائر صناعة القرار من ترك هذه الفئات تعاني من ظروف معيشية صعبة دون أن تتدخل الحكومة بحزم ضد المستثمرين الذين يعارضون تطبيق قرارات زيادة الأجور، يضيف يحيى.

ولا يحلم مصطفى ومحمد وغيرهما من عمال مصر "بأكثر من حياة كالحياة،" بتعبير الشاعر محمود درويش. 

ينتظرون يوما ما تُسمع فيه أصواتهم التي لا تطالب بغير الحق في عيشة كريمة على قدر ما يقدمونه من "جهد وتفانٍ" في عملهم، الذي يعتبر الأساس في نمو أي دولة.