أسعار البيض شهدت ارتفاعا حادا في الولايات المتحدة
أسعار البيض شهدت ارتفاعا حادا في الولايات المتحدة

في يوم أحد، استقل عمار البدران سيارته. إلى جواره زوجته، فيما أجلس أطفاله الثلاثة في المقعد الخلفي.

إنه الموعد الأسبوعي لشراء طلبات المنزل.

تعيش الأسرة في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا، جنوب شرقي الولايات المتحدة.

البيض عنصر أساسي في كثير من أطباق العائلة عراقية الأصل.

يستهلك الخمسة نحو 24 بيضة أسبوعيا.

قبل أشهر، كان عمار يشتري دزينتي البيض من متاجر كوسكو مقابل 7 دولارات.

أسعار أغلب المنتجات في ذلك المتجر عادة مخفضة.

لكنك تحتاج لاشتراك سنوي بقيمة 65 دولارا، كي يسمح لك بدخول المتجر.

أخذت أسعار البيض في الارتفاع تدريجيا دون سبب مُعلن.

ظن عمار أن السبب هو موسم الإجازات: من نوفمبر إلى أوائل يناير.

وجد نفسه يدفع 3 دولارات إضافية على نفس عدد البيضات.

سألتُه: هل توقفت عن شراء البيض أو ربما تقليل الاستهلاك؟

أجاب: "ما نقدر، بسبب الأطفال".

اللقطة الأولى

أمرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) بسحب ما يزيد عن ربع مليون بيضة من متاجر كوسكو في خمس ولايات بينها جورجيا، لاحتمالية تلوثها ببكتيريا السالمونيلا.

حتى الآن، لم ترفع(FDA) قرارها.

قرر عمار البحث عن بديل، رغم أن القرار يخص نوع محدد من البيض: Organic Pasture Raised.

هذا البيض يأتي من دجاج تربى في المزارع المفتوحة، ولم يتعرض لمبيدات أو هرمونات صناعية وفق المعايير المنظِمة.

وقع الاختيار على متجر كروجر، "12 بيضة بـ 9 دولارات"، يقول عمار.

ثمة مشكلة إضافية. لا يسمح المتجر للمستهلك بشراء أكثر من دزينة بيض في اليوم الواحد.

في المتجر عُقلت لافتة كُتب عليها: "بسبب نقص البيض على مستوى البلاد، قررنا تقييد البيع إلى 12 بيضة (كرتونة) للشخص الواحد، يوميا".

عَرِف عمار أن الأزمة تعود إلى تفشي إنفلونزا الطيور.

باتت العائلة تذهب جماعة للمتجر لشراء البيض. يشتري عمار طبقا، وتشتري زوجته الآخر، ثم يفترقان لدى الدفع حيث يحاسب كل منهما على حدة.

البيضة الروسية

صباح يوم ثلاثاء في ولاية كاليفورنيا، كانت ماكنزي فوموينا روبيش في المطبخ تعد الفطور لعائلتها، فبناتها يحببن البيض مقليا.

قبل يوم قادت ماكنزي السيارة إلى مدينة أوشن سايد على بعد 20 دقيقة، لتتلقى هدية غالية.

ادخرت لها أمها عددا من البيضات وضعتها دجاجات عشر تربيها في حديقة منزلها الخلفية.

شعرت ماكنزي بامتنان شديد. في كاليفورنيا، بات طبق من 24 بيضة يُكلفها 30 دولارا.

"قبل إنفلونزا الطيور كان بإمكاني شراء 150 بيضة مقابل 41 دولارا"، أخبرتني.

بدأت ماكنزي تكسر البيضات في طبق قبل أن تلقي بها إلى المقلاة.

بين البيضات واحدة غريبة الشكل، "طويلة على غير العادة".

كسرتها. "ماذا؟"، صاحت!.

وجدت ماكنزي بيضة ثانية أصغر ترقد داخل البيضة الغريبة.

كأنها دمى ماتريوشكا الروسية، التي تحاكي الأمومة: الدمية الأم تحمل بداخلها دمية أصغر (الطفل).

هرعت إلى الهاتف، التقطت فيديو.

على حسابها على إنستغرام نشرته تحت عنوان: "هكذا يبدو الفوز باليانصيب هذه الأيام".

عام 2023 جربت ماكنزي شعور الفرحة غير المتوقعة.

آنذاك فازت بلقب برنامج المسابقات التلفزيوني "The Great American Baking Show" للخبازين الهواة.

عَلّمت ماكنزي نفسها الخَبز وأتقنته تحت وطأة وباء كورونا.

الآن، مع تفشي إنفلونزا الطيور بدأت تجرب بدائل البيض في وصفاتها.

اكتشفت أن بإمكانها استبدال البيض بصلصة التفاح في كعكات بعينها: رغيف الموز(Banana bread)

"ربع كوب من صلصة التفاح يعادل بيضة واحدة"، تقول ماكنزي.

كلاكيت تاني مرة

عام 2006 عمّ هلع في مصر بسبب إنفلونزا الطيور.

حينها كنت أقطن قرية بمحافظة القليوبية، شمالي البلاد.

ما من بيت في القرية إلا وكان يربي نوعا من الطيور: الدجاج، الحمام، البط، الأوز.

أسطح المنازل في مصر عادة ما تُستخدم ساحات لتربية الطيور في أقفاص.

حملات التوعية بالعدوى أغرقت التلفاز.

تحدثتْ أغلب البرامج التلفزيونية ونشرات الأخبار عن الإجراءات الحكومية لمكافحتها.

شاعت في القرية أنباء عن غرامات ستفرضها الحكومة على من لا يذبح دجاجاته.

أتذكر جيدا أن أغلب أقاربي ذبحوا ما لديهم من طيور حتى فاضت ثلاجاتهم.

الآن بعد 19 عاما، أعيش الدراما ذاتها، لكن ببصمة هوليودية.

أعيش في شقة صغيرة في قلب العاصمة واشنطن. أقرب متجر إلى بيتي اسمه "Trader Joe’s"، أو بالمصرية: "دكانة عم جو".

اشترى بيض المراعي أو كما يسمى بالإنجليزية "Pasture-raised"، بعد بحث وتفحيص وتمحيص تبين أنه الأعلى قيمة غذائية.
حين وصلت هنا قبل 3 سنوات كان سعر الدزينة من هذا النوع يقترب من 3 دولارات. الآن لا يقل السعر عن 6 دولارات! وليتني أجده.

أذهب يوميا إلى المتجر، لأجد الأرفف فارغة.

اتصلت بهم قبل أيام.

- هل لديكم بيض اليوم؟ لا أريد أن آتي وأعود فارغة اليدين.

أجاب رجل على الهاتف: آسف، سيدتي، لقد نفد ما لدينا من البيض اليوم.

- متى يتوفر البيض إذا؟

- تعال غدا بمجرد أن نفتح عند التاسعة صباحا بالضبط.

المشهد المحذوف

يقود الناشط الأميركي الشهير جين باور حملة لتوعية الناس بإنفلونزا الطيور وأسباب تفشيها.

يلفت الأنظار إلى مشهد منسيّ وربما حُذف سهوا.

في إحدى منشوراته على إنستغرام، كتب: "أكثر من 99 في المئة من حيوانات المزرعة في الولايات المتحدة تتم تربيتها في مزارع صناعية تشكل أرضًا خصبة لمرض إنفلونزا الطيور وغيره من مسببات الأمراض".

"تتكدس آلاف الحيوانات، وفي بعض الحالات ملايين الحيوانات، في حظائر مليئة بنفاياتها، ودون نوافذ، ما يعرض الحيوانات والعمال لخطر الإصابة بالأمراض".

لجين (62 عاما) صوت مسموع في الأوساط الأميركية المعنية بصحة وسلامة الغذاء.

لعب دورا بارزا في معركة قضائية استمرت ثماني سنوات، انتهت بسن قانون كاليفورنيا لعام 2012، الذي يحظر إنتاج وبيع كبد البط والأوز: "فوا غراه" (foie gras).

وقتها لفت جين الانتباه إلى مشهد "تزغيط" البط والأوز (أي تسمينها)، للحصول على كبد أكبر عشرة أضعاف من الحجم الطبيعي.

لإنتاج (فوا غراه)، يقوم العمال بإدخال أنابيب في حلق البط أو الإوز وإطعامها قسراً كميات كبيرة من الحبوب.

العملية تسبب آلاما وضغوطات كبيرة للطائر. تؤدي لإصابته بمشاكل صحية محتملة، بينها أمراض في الكبد ذاته.

اتصلتُ به متسائلة عن سبب عودة إنفلونزا الطيور من جديد.

أخبرني: "عندما تزدحم المزرعة بآلاف الطيور، فإنها تنتج الكثير من الفضلات، وكلما زاد روث الحيوان ارتفعت احتمالية انتشار الجراثيم".

"قطاع تربية الطيور والحيوانات في الولايات المتحدة يعتمد بشكل كبير على المضادات الحيوية"، يضيف.

"لكن الفيروسات تتطور، تصبح أكثر ضراوة وأكثر قدرة على التغلب على الأدوية واللقاحات التي صممت للسيطرة عليها".

وبهذا فإن "الحيوانات كما البشر، يجب أن تعيش في بيئة صحية، حيث يتوفر هواء نقي ومياه نظيفة، لا محيط غارق بالميكروبات".

سألتُه عن بيض المراعي، وما يروج بأن الدجاج يُربّى في الهواء الطلق.

رد: "أنا لا أثق بالملصقات الدعائية.. الطريقة الوحيدة لمعرفة كيفية معاملة الحيوانات وظروف معيشتها هي زيارة المزرعة".

يشجع الناشط في مجال حقوق الحيوان الناس على زيارة المزارع القريبة منهم.

"الدور الذي يمكن أن نلعبه كمستهلكين، هو أن نصوت بأموالنا: بدعم الشركات التي لا تؤذي الحيوانات، ولا تخلق خطر الإصابة بالأمراض، ولا تضر بالبيئة، ولا تنتج طعامًا ضارًا بصحتنا".

نهاية فبراير هذا العام، أعلنت وزيرة الزراعة الأميركية، بروك رولينز، استراتيجية بقيمة مليار دولار للحد من إنفلونزا الطيور، وحماية قطاع الدواجن، وخفض أسعار البيض.

بيان للوزارة أوضح أن "تطوير لقاحات وعلاجات جديدة، فضلا عن تعزيز المراقبة البيولوجية"، من أبرز ما ستركز عليه الإستراتيجية المعلنة.

وجوه وقضايا

هوس "زيادة الوزن".. الكورتيزون في ميزان الصحة والمجتمع!

غادة غالب - واشنطن
19 فبراير 2025

من فستان الفرح، إلى قاعة الزفاف، وحتى وجهة شهر العسل، كل شيء كان جاهزا في أدق تفاصيله، فلم تغفل أماني أية جزئية مهما كانت بسيطة؛ كيف لا و"هذا حلم العمر" بالنسبة لها، الذي انتظرته طوال ثلاثة وثلاثين عاما.

لكن الزفاف الذي كان من المقرر عقده في ديسمبر الماضي، تم تأجيله إلى أجل غير مسمى، أو بالأحرى إلغاؤه.

"لم يتحمل جسد أماني فرحتها الكبيرة"، على حد قولها، إذ اكتشفت "انقطاع الطمث أو دورتها الشهرية بشكل تام" بسبب تناولها لأدوية تحتوي على مادة الـ"كورتيزون" بهدف زيادة وزنها.

حالة أماني ليست معزولة، فقد انتشرت في الآونة الأخيرة في مصر تركيبات زيادة الوزن التي تحتوي على مادة الكورتيزون لعلاج النحافة بين الفتيات والشباب على حد سواء.

تصف بعض عيادات علاج السمنة والنحافة هذه التركيبات لزبنائها، رغم ما تتسبب فيه من أضرار صحية كبيرة ورغم تحذيرات وزارة الصحة المتكررة على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

عادت هذه الظاهرة مجددا إلى الضوء خلال الأيام القليلة الماضية، بعد حديث بلوغر معروفة عن تناولها لأقراص كورتيزون بهدف زيادة وزنها، وهي التصريحات التي عادت ونفتها بعد هجوم من رواد مواقع التواصل، وتحديدا من العديد من الأطباء، الذين شددوا على خطورة هذا الأمر.

تواصل موقع "الحرة" مع أحد الأطباء بعد عدة منشورات كتبها على حسابه على موقع "فيسبوك" حذر فيها من مخاطر أدوية الكورتيزون التي تصفها بعض العيادات لـ"علاج النحافة"، وبدوره أوصلنا بمريضتين تضررتا من تناولها، هما أماني ومارينا.

أماني: حبة كورتيزون كسرت قلبي

في غرفة نوم صغيرة بإحدى شقق منطقة كوبري القبة بالقاهرة، ترقد أماني، ٣٣ عاما، موظفة في مصلحة الضرائب المصرية، على فراش مقابل لدولاب عُلّق عليه فستان زفافها الذي يذكرها بـ"كسرة قلبها"، كما تصف لموقع "الحرة".

وتلخص قصتها قائلة: "أنا طول عمري بعاني من النحافة الزائدة، وسمعت من زميلة لي في العمل أن بعض العيادات تصف أدوية تزيد الوزن بشكل سريع، فلجأت إلى إحداها على أمل إيجاد علاج لي يحل مشكلتي قبل زفافي".

"حسبي الله ونعم الوكيل في كل دكتور بيأذي الناس، بس برده أنا اللي غلطانة"، تتحسر أماني.

تجد أماني في مثل هذه العبارات التي ترددها بشكل متكرر عزاء لها عند روايتها لمعاناتها، فتقول: "ذهبت قبل موعد زفافي بعام، والدكتورة قالت لي إنني أعاني من نحافة مزمنة والكورتيزون أسرع علاج لزيادة الوزن، وبالفعل بدأت العلاج. ورغم إدراكي لآثاره الجانبية، إلا أن الطبيبة طمأنتني".

لم تنجح محاولات أماني المضنية في التماسك، فأجهشت بالبكاء وهي تستكمل قصتها: "مع الوقت بدأت أشعر بالفعل بتحسن، وبدأت شهيتي للطعام تزداد، وزاد وزني تدريجيا، لكنني فوجئت قبل زفافي بشهرين بانقطاع دورتي الشهرية تماما".

بالنسبة لأماني وغيرها، في مجتمع مثل المجتمع المصري، فإن انقطاع الطمث، وتحديدا قبل زفافها، يعد شهادة وفاة لفرصها في الزواج، ما دفعها للتواصل مع طبيب آخر، والذي قال لها إن "تناول الكورتيزون لمدة تزيد عن 6 أشهر تسبب في مثل هذا العرض الجانبي".

تواصلت "الحرة" مع طبيب أماني، وهو استشاري أمراض النساء والتوليد وتأخر الإنجاب. يقول طارق عبد الكريم إن "الكورتيزون يؤثر على طريقة تخزين الدهون في الجسم، ويلجأ إليه البعض كوسيلة سريعة لزيادة الوزن، لكن نتائجه خطيرة، لأنه لا يؤدي إلى زيادة حقيقة وطبيعية، بل إلى تراكم الدهون في مناطق معينة مثل الوجه، ما يسبب انتفاخه أو Moon Face، بالإضافة إلى تجمع الدهون في أعلى الظهر والرقبة، فيما يعرف بـ"حدبة الجاموس" أو Buffalo Hump".

وتطرق عبد الكريم إلى دور عقار الكورتيزون بشكل عام، قائلا إن "الأدوية التي تشمل الكورتيزون والهيدروكورتيزون والبريدنيزون مفيدة في علاج الالتهابات مثل التهاب الأمعاء والمفاصل والربو والطفح الجلدي وغيرها من الحالات. وتعمل أيضًا على تثبيط الجهاز المناعي، ويمكن أن يساعد هذا في السيطرة على الحالات التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجته عن طريق الخطأ، أو في حالات نقل الأعضاء، لكن الكوتيزون يحمل أيضًا العديد من الآثار الجانبية".

وفيما يتعلق بالآثار الجانبية وتحديدا تلك المتعلقة بحالة أماني، يقول الطبيب المعالج إنه "يمكن أن تتداخل الكورتيزونات مع التوازن الهرموني في الجسم، بما في ذلك تنظيم الكورتيزول والهرمونات الأخرى المشاركة في الطمث. ويمكن أن يؤدي هذا إلى اضطرابات في الدورة الشهرية، مثل تأخرها، أو نزيفًا غزيرًا، أو مثلما حدث في حالة أماني انقطاعها تماما".

وللتبسيط أكثر يشرح الطبيب آن " الكورتيزونات تعمل عن طريق محاكاة هرمونات التوتر الطبيعية في الجسم، مثل الكورتيزول، ويمكن أن تؤثر هذه التقلبات الهرمونية على الغدة النخامية أو الغدد التناسلية (HPG) التي تتحكم في الدورة الشهرية. ونتيجة لذلك، قد تلاحظ الفتيات تغيرات في توقيت أو تدفق فترات الحيض".

ويضيف أن "تأثير عمل الكورتيزونات يمكن كذلك أن يحاكي استجابة التوتر في الجسم، والتي قد تؤثر على الهرمونات التناسلية وتسبب اضطرابات مؤقتة في انتظام الدورة الشهرية".

ويوضح أن "النساء المصابات بحالات سابقة مثل متلازمة تكيس المبايض (PCOS)، أو اختلالات الغدة الدرقية، أو بطانة الرحم، يكن أكثر عرضة للتغيرات في دورتهن الشهرية عند التعرض للكورتيزونات".

وفي إحدى الدراسات، عانت 51٪ من النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث من الحيض المبكر أو المتأخر بعد حقنة الكورتيزون. وفي دراسة أخرى، عانت 2.5٪ من النساء من جميع الأعمار من نزيف مهبلي غير طبيعي بعد حقنة الكورتيزون، بحسب المركز الأميركي للأشعة السينية.

ويعود عبدالكريم للحديث عن حالة أماني، التي وصفها بـ"النادرة"، قائلا إنه "في الطبيعي تعود الدورة الشهرية إلى طبيعتها في غضون أسابيع بعد توقف استخدام أدوية الكورتيزون، لكن حالة أماني استثنائية لأنها قبل تناول الكورتيزون كانت مصابة بفرط تنسج الغدة الكظرية الخلقي، وفي هذه الحالة يمكن أن يسبب العلاج التقليدي بالكورتيزون انقطاع الطمث أو قلة الطمث في أكثر من 25٪ من الحالات".

وفرط التنسج الكظري الخلقي(CAH) ، بحسب موقع "مايو كلينيك"، هو الاسم الطبي لمجموعة من الحالات الوراثية التي تُصيب الغدد الكظرية وهي زوج من الأعضاء بحجم حبة الجوز تقع فوق الكلى. وتُفرز هذه الغدد هرمونات مهمة وتشمل الكورتيزول الذي ينظم استجابة الجسم للمرض أو الإجهاد.

لكن الطبيب المعالج يطمئن على حالة أماني، قائلا إنها "حاليا منتظمة على علاج هرموني، وحتى الآن النتائج مبشرة، وربما تحتاج إلى عملية جراحية، لكن هذا ليس مؤكدا".

وتتمسك أماني بالأمل في نجاح علاجها، لكنها تحذر غيرها من الفتيات من الانجرار وراء كل "تريند"، على حد قولها، خاصة إذا كان من أجل إرضاء المجتمع ومعاييره.

بعد تراجع خطيبها عن الزواج منها، لا يسع أماني سوى أن تسترجع تعليقات الكثيرين على شكل جسدها وكيف يُفترض أن يكون، قائلة: "كنت عايزة أبقى حلوة في نظرهم، وتحديدا خطيبي ووالدته، لكن متخيلتش إني كدا بدمر نفسي من خلال شوية الأقراص دي".

مارينا: الكورتيزون منحني السكري بدل عريس

لا تختلف قصة مارينا كثيرا عن أماني، فالدافع واحد وهو محاولة إيقاف تعليقات منتقدي شكل جسدها "النحيف" في محيطها ومجتمعها، وطريقة الحل واحدة أيضا وهي اللجوء إلى أقراص الكورتيزون من أجل زيادة الوزن، وبالطبع، فالنتيجة أيضا واحدة وهي الإصابة بمرض مزمن.

"الناس كانوا بيقولوا إني لو تخنت شوية هبقى أحلى وهيجيلي عرسان أكثر"، بأسلوب ساخر يحمل في طياته حزناً عميقاً، بدأت مارينا حديثها لموقع "الحرة"، "بس مقالوش إني لو أصبت بالسكر، مش هيجيلي عرسان خالص".

على مدى سنوات، طرقت مارينا، ذات الـ28 عاما، أبواب العديد من الأطباء لرغبتها في زيادة وزنها، وعندما لم تشهد تحسنا، لجأت إلى العطارات لأخذ وصفات شعبية غير طبية، لكن أيضا بدون جدوى.

وتحكي مارينا أنها كانت تشاهد فتيات عبر تطبيقات فيديو يتحدثن عن تناولهن للكورتيزون لزيادة الوزن، وفي إحدى المرات كانت تحضر درسا في الكنيسة وصادفت إحدى قريباتها التي رشحت لها عيادة في المعادي تعطي دواء سحريا وفعالا لعلاج النحافة.

توجهت مارينا للعيادة، التي وصفتها بأنها "شهيرة ودوما مليئة بالمرضى الذين يترددون عليها"، وتقول إن طبيبا في هذه العيادة أوصى بتناولها لأقراص الكورتيزون كعلاج سريع لمشكلة النحافة التي تعاني منها، دون أن يطلع على أية تحاليل أو يسألها عن تاريخها المرضي.

تضيف مارينا أنها "شهدت نتائج جيدة وزاد وزني بشكل سريع، لكن بعد 8 أشهر، بدأت أشعر بأعراض مختلفة مثل الإعياء والإرهاق المستمر والعطش الشديد وكثرة التبول، وعاد وزني للانخفاض مجددا، وعندما توجهت للطبيب، طلب مني إيقاف جرعات الكورتيزون".

"أوقفت الكورتيزون، لكن التعب كان يزداد"، تستكمل مارينا قصتها، "بعد هذا اليوم، انقلبت حياتي تماما وبدلا من العريس جاءني ضيف آخر لا أريده وهو السكري". ومع استمرار شعورها بالإعياء، توجهت مارينا إلى طبيب آخر، وقامت بإجراء بعض التحاليل، فكانت المفاجأة هي إصابتها بداء السكري من الدرجة الثانية.

حالة مارينا يشرحها لموقع "الحرة" استشاري الأمراض الباطنية والسكري والغدد الصماء، أحمد الحصري، ويقول إنها "كانت تعاني قبل تناول الكورتيزون بحالة مرضية تنتشر بين الكثير من الناس وهي مقاومة الأنسولين، والذي يجب التعامل معها بحرص لأنها قد تتحول إلى داء السكري".

ويضيف أن "التحاليل المخبرية تظهر إذا كان الشخص لديه مقاومة للأنسولين، وعليه حينها مراقبة مستويات السكر في الدم باستمرار، وإجراء تغييرات في نمط الحياة، مثل تناول نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة بانتظام وإدارة التوتر".

أما عن علاقة الكورتيزون بمرض السكري، فيشير الطبيب إلى أن "الكورتيزون يزيد من مقاومة الأنسولين، ما يجعل من الصعب على الجسم استخدام الجلوكوز (السكر) من الدم. كما يمكن أن يحفز الكبد لإنتاج المزيد من الجلوكوز، ما يرفع مستويات السكر في الدم".

وتطرق إلى حالة مارينا، قائلا: "عادةً يحدث ارتفاع مستويات السكر في الدم في غضون أيام قليلة من بدء علاج الكورتيزون، وقد يستمر التأثير لعدة أسابيع أو حتى أشهر بعد إيقاف الدواء، اعتمادًا على الجرعة ومدة العلاج. ولذلك فإن الأشخاص مثل مارينا الذين لديهم تاريخ من مرض السكري أو ما قبل السكري هم أكثر عرضة لخطر زيادة مستويات السكر في الدم مع الكورتيزون".

وتحدث الحصري عن خطورة تناول الكورتيزون بدون داعي مرضي، موضحا أنه يمكن أن يسبب آثارًا جانبية مختلفة، بما في ذلك احتباس السوائل، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع مستويات السكر في الدم، والأرق، وتغيرات المزاج (مثل القلق والتهيج)، وترقق الجلد وظهور الكدمات، وضعف العضلات.

وحذر الطبيب من انتشار عيادات التجميل والتخسيس وغيرها في مصر والتي تلجأ إلى "وسائل علاج غير صحية من أجل تحقيق مكاسب مادية"، وطالب بالمزيد من الرقابة والمحاسبة الفعالة.

وبسبب انتشار هذه الظاهرة، حذرت وزارة الصحة في مصر أكثر من مرة خلال السنوات الماضية عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك المواطنين من استخدام تركيبات زيادة الوزن التي تحتوي على الكورتيزون، موضحة أنه يسبب ضعف المناعة واضطراب الدورة الشهرية عند السيدات وزيادة حب الشباب وشعر الوجه، كما يؤثر بشكل مُضر على مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم.

وأكدت وزارة الصحة على ضرورة استخدام الكورتيزون للأغراض العلاجية المصرح بها فقط، مشيرة إلى أن الوزن ينخفض مرة أخرى عند المريض بمجرد إيقاف تناول الكورتيزون.

ولا تنكر أماني ومارينا معرفتهما المسبقة بخطورة الكورتيزون، لكنهما فضلتا إسكات أصواتهما الداخلية مقابل إرضاء المجتمع، ربما مع عدم إدراك كل منهما للثمن الذي ستدفعانه والذي ربما كاد أن يكلفهما حياتهما.

ويبقى السؤال: بعد دفع هذا الثمن الباهظ، هل رضي عنهما المجتمع؟

 

غادة غالب