Russian President Vladimir Putin chairs a meeting on dealing with consequences of a fuel spill in the Krasnoyarsk Region, via…
تدرك موسكو جيدا أن طريق الحل في سوريا لم تعد سالكة

تاريخيا لم تستطع آلة الحرب السوفياتية حسم مواجهتها مع "المجاهدين" الأفغان، الذين تنقلوا كالأشباح في جبال ووديان أفغانستان الوعرة. وبعد 6 سنوات على الغزو تمكنت الفصائل من قلب الموازين العسكرية لصالحها تدريجيا بعد حصولها على صواريخ أرض ـ جو "ستينغر" التي عطلت التفوق الجوي السوفياتي وكانت أحد أهم عوامل الهزيمة في أفغانستان. 

في سوريا رفضت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تسليم فصائل الجيش السوري الحر صواريخ مضادة للطائرات، ما سمح للقوات الجوية الروسية حسم جزء كبير من المعركة لصالحها بعد 4 سنوات على تدخلها، لكنها بالرغم من انتصاراتها الميدانية لم تستطع تحقيق انتصارها السياسي وإنهاء الصراع على سوريا لصالحها.

فبعد 9 سنوات على الثورة، وأربع على تدخلها المباشر، تواجه قوات القيصر الجديد أشباحا من نوع آخر، لا تملك لا القدرة على مواجهتها ولا إمكانية هزيمتها. فسلاح العقوبات الأميركية المعروفة بقانون "قيصر" الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع هذا الشهر، ينقل الصراع على سوريا إلى مواجهة من نوع آخر لا تعتمد على الترسانة العسكرية ولا على الدبلوماسية الدولية، حيث قوة الضغوط الاقتصادية التي سيطبقها قانون "قيصر" على النظام السوري وحلفائه، كفيلة بإفراغ كافة انتصارات هذا الحلف الجيوسياسية والعسكرية من مضمونها، وتعيده إلى نقطه البداية أي بحث مستقبل النظام ورأسه.

هذا التحول في الهيكلية الروسية في سوريا، يعزز الاعتقاد بأن موسكو ماضية في سياسة الاستحواذ الكامل على ما تبقى من الدولة السورية

تدرك موسكو جيدا أن طريق الحل في سوريا لم تعد سالكة، وأنها الآن مليئة بمطبات "قيصر" وشروطه التعجيزية، وأن النكسات على مشروعها تتوالى، بعدما طوت واشنطن فكرة إعادة تعويم الأسد، وقطعت الطريق على محاولة أوروبية ـ عربية لإعادة تأهيل النظام، ووضعت خطوطها الحمر حول عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية، ولم تعترف بمسار أستانا كبديل عن مسار جنيف، بالرغم من أن كافة الأطراف قد وضعت بنوده على الرف، وهي الآن تدق المسمار الأخير  في نعش الرؤية الروسية للحل من خلال فرض عقوبات صارمة ليس فقط تقضي على مشاريع إعادة الإعمار بل باتت بمثابة حرب اقتصادية شاملة على محور دولي وإقليمي، تضع كل حركته تحت مجهر عقوباتها، دون اعتبار لكافة التحولات السياسية والعسكرية في سوريا.

حجم عدم اكتراث واشنطن بما تعتبره موسكو بحكم المسلمات الاستراتيجية، عبر عنه مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنغير الذي طالبها بمغادرة سوريا، شنكير قال في آخر تصريح له قال "أعتقد أن إدارة أوباما رحبت بدخول روسيا إلى سوريا، معتقدة أنها ستضع موسكو في موقف صعب، ولكن روسيا قلبت مسار الحرب وسمحت لنظام الأسد بالبقاء هناك حتى الآن وإبقاء روسيا بعيدة عن الشرق الأوسط هو حجر الأساس في السياسة الأميركية منذ 45 عاما".

بعد 9 سنوات على الثورة، وأربع على تدخلها المباشر، تواجه قوات القيصر الجديد أشباحا من نوع آخر، لا تملك لا القدرة على مواجهتها ولا إمكانية هزيمتها

تحت ضغوط "قيصر" والعقوبات، سارع الكرملين إلى إعادة هيكلة حضوره في سوريا عبر ترقية سفيرها ألكسندر يفيموف وإعطائه امتيازين، الأول صفة سفير فوق العادة، يمسك بصلاحيات تخوله توقيع الاتفاقيات وإجراء المشاورات دون الرجوع إلى خارجيته، والثاني تسميته مبعوثا خاصا للرئيس روسي، وهي ميّزة نوعية تؤهله إلى أن يوقع الاتفاقيات ويتخذ القرارات باسم الرئيس الروسي مباشرة دون الرجوع لأي جهة أو مؤسسة رسمية في بلاده، وهي صلاحيات تضع توقيعه إلى جانب توقيع رئيس النظام السوري، ما يؤهله إلى التصرف كمندوب سامي يملك صلاحيات ما فوق السيادة الوطنية السورية.

هذا التحول في الهيكلية الروسية في سوريا، يعزز الاعتقاد بأن موسكو ماضية في سياسة الاستحواذ الكامل على ما تبقى من الدولة السورية، وتعمل على تثبيت حضورها لأمد طويل على حساب الأطراف الأخرى، التي اعتمد تدخلها في سوريا على مبررات المشاركة مع نظام الأسد، بينما تصرفات موسكو الأخيرة تؤكد أن ليس لديها أيه اعتبارات لا للنظام ولا لرئيسه.

قرار الكرملين تعيين مندوب خاص للرئيس في سوريا، هو إعلان عن بداية مرحلة ثالثة من تدخلها، التي بدأت أولا مع بداية الثورة سنة 2011 عبر حراكها الدبلوماسي من خلال وزير خارجيتها سيرغي لافروف ونائبه لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مخائيل بغدانوف الذي شارك في مفاوضات جنيف، أما المرحلة الثانية فقد بدأت عندما قررت موسكو التدخل العسكري المباشر في سبتمبر 2015 ونقل ملف سوريا إلى وزارة الدفاع عبر الثنائي وزير الدفاع سيرغي شيغو ومبعوث الرئيس الخاص لسوريا ألكسندر لافرينتييف القادم من خلفية استخباراتية ويعتبر من مهندسين مسار أستانا، إلا أن المسارين السابقين والمسار الجديد لم ولن يوفروا لموسكو حلولا ترضي قيصرها بعدما باتت كل حلوله عاجزة على مواجهة شبح يحمل الاسم ذاته.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.