كتاب الأمثال البغدادية
كتاب الأمثال البغدادية

بقلم نبراس الكاظمي

دعونا نبدأ بقصة لا تصدّق. تعرفت على السيد مايك آلبين في أحد المؤتمرات سنة 2015. كلانا من صنف المدخنين، وكما يفعل المدخنون في هكذا مواقف وهم يقفون في أماكن مخصصة للتدخين خارج الأبنية بحكم القانون، ابتدأنا نتجاذب الحديث الذي أدى، في أحد انعراجاته، إلى قيام مايك بتكليل وصفه للأستاذ إدوارد سعيد بعبارة "لعنة الله!"

كان مايك يتحدث بالعربية وبالتحديد العامية البغدادية وهي لهجة أتقنها عندما بدأ دراسة اللغة العربية حال ذهابه إلى بغداد وهو شاب في نهاية الستينيات كي يُعلّم الإنكليزية في كلية بغداد التي أسسها "الفاثرية"، أي الرهبان اليسوعيين المرتبطين بجامعة جورجتاون في واشنطن. ولكن مايك غادر العراق عندما قامت الحكومة القومية بتأميم الكلية سنة 1969، ووضعها تحت إدارة عراقية. أخذته الأيام الى إتقان لغات أخرى، مثل الفرنسية والتركية والفارسية، وإلى حياة مهنية قضاها ما بين الكتب بوصفه أحد مدراء قسم الشرق الأوسط في مكتبة الكونغرس العامرة، تخللتها فترات طويلة عاشها في القاهرة. وبعد أكثر من 30 عاما، تقاعد مايك وها هو يتابع شؤون تلك الديار من خلال المؤتمرات المنعقدة في واشنطن، حيث تعرفت عليه.

لم أكن أدري ماذا قصد مايك بـ "لعنه الله"، فأنا أيضا من المناوئين لسعيد ولكنني مضطر إلى ممارسة التَقيّة في شأنه لأن إدوارد سعيد أشبه بالأيقونة المقدّسة لدى الكثير من الأكاديميين المهتمين بالشرق الأوسط في أميركا، وخصوصا في شق اليسار السياسي وهو الشق الطاغي في الجامعات والمراكز البحثية المختصة بالمنطقة. لم أجارِه في الموضوع حينه، ولكنني أدركت بأنني قد حظيت بالتعرف على شخصية ثرية بالتجارب والمواقف وعليّ أن أتابع هذه العلاقة. اتفقنا على اللقاء لاحقا بعد المؤتمر، وهو اتفاق شأنه، في العادة، شأن الكثير من الترتيبات التي لن ترتقي إلى التنفيذ والتي تُقال في مناسبات كهذه ولكن مع مايك كنت فعلا أبغي متابعة الأحاديث التي بدأناها.

قام مايك بإدراج عنواني ضمن مجموعة بريدية يراسلها بين حين وآخر، لتناول مواضيع نقاشية حول الشرق الأوسط. ولكن في الأيام التي تلت المؤتمر، خسرت أحد الأصدقاء الأعزاء عليّ، وأحد أهم معلميّ السابقين، الدكتور أحمد الجلبي، ولم أكن راغبا في التواصل مع أي أحد في الفترة التي تلتها. ولكن مايك، في أحد نقاشاته الإلكترونية عرّف نفسه مفتخرا، بأنه من المستشرقين، وحينها اتضح لي ما كان يقصده تجاه إدوارد سعيد، لأن الأخير كان المحرّك الأساسي في جعل كلمة "مستشرق" كلمة جارحة في الأثير الأكاديمي والإعلامي. احتفظت بهذه المعلومة عن ميول مايك الفكرية بل عن شجاعته في الإجهار برأيه، إذ كان يتبلور لديّ وقتها مشروع فكري لمراجعة نتاج المستشرقين وترجمة بعض مما لم يترجم إلى العربية، في محاولة لإعادة النظر في التاريخ الإسلامي.

وكان الشروع في هذا الأمر هو مدعاة اتصالي بمايك بعد ثلاثة أشهر من تعرفي عليه، وترتيبنا للقاءٍ أولي كي نتباحث في كيفية انطلاقه. اتفقنا على أن نلتقي في بيته، وعند خروجي من منزلي، تذكرت بأن الواجب الاجتماعي يحتم عليّ أن أذهب إليه حاملا هدية، خصوصا وأنني سأدخل بيته للمرة الأولى. والهدية التي أقدمها للناس عادة عبارة عن كتاب، وإذا كان المتلقي كُتُبيا عتيدا مثل مايك، فخير على خير. ولكن مكتبتي في أميركا تفتقر إلى ذاك النمط من الكتب، أي الكتب المناسبة للإهداء، ولم يتيسر لديّ إلا بعض العناوين. وفي عجالتي كي أصل إلى الموعد في الوقت المحدد، نظرت إلى رفوفي فوجدت كتابا يليق بمايك، وهو كتاب لدي نسخة أخرى منه في مكتبتي ببغداد، بل كنت قد صورته سابقا وأنزلته للتحميل على موقع مدونتي "إمارة وتجارة" منذ أكثر من خمس سنوات. أي أن إهدائي هذا الكتاب لن يترك الحُرقة النفسية التي غالبا ما تتملكني عند مفارقة الكتب.

هممت إلى السيارة متأبطا الجزء الأول من كتاب "الأمثال البغدادية" للمؤلف الشيخ جلال الحنفي، والصادر في بغداد سنة 1962، وهو كتاب ظريف من طرف مؤلف وناشط مهم علينا الرجوع إلى نتاجه "المدني" في مراحل لاحقة من هذا العمود. وعند تشغيلي محرك السيارة، انتبهت إلى أن هناك توقيعا لم أستطع فك رموزه لمالك الكتاب السابق، مكتوب باللغة الإنكليزية، بل مؤرخ سنة 1968 ويشير إلى "كلية بغداد". قلت لنفسي يا لها من مفارقة أن آخذ هذا الكتاب إلى شخص كان يدرس هناك في تلك السنوات، ولربما كان يعرف مالك الكتاب.

انطلقت إلى بيت مايك، ولكن في الطريق، انتابتني حيرة من نفسي، "متى أصبح هذا الكتاب في حيازتي؟ "كنت متأكدا من أن وجود هذا الكتاب في مكتبتي يسبق سنة 2003، عندما عدت إلى العراق وشرعت في إنشاء مكتبة توأمية هناك لمكتبي الأميركية، بل كنت أذكر أنني اقتنيت الجزأين الأول والثاني في بغداد، لأنني سابقا لم يكن لدي إلا الجزء الأول هذا. ولكن، إن كان الكتاب في حيازتي منذ ذاك الحين، فهناك احتمال بأنه من كتب الجلبي التي "استعرتها" أو بالأحرى استحوذت عليها، من مكتبته في واشنطن، وإن كانت من كتب صديقي الراحل، فهي من اليسير المتبقي الذي يربطني به، أي أن الكتاب يحمل في ثناياه آصرة عاطفية وذكريات لن أسمح لنفسي بمفارقتها، خصوصا وأن تبادل الكتب كان بمثابة طقوس صداقة دأبنا عليها أنا والجلبي حتى بعد خصومتي السياسية معه (ولنا عودة على هذه الطقوس في مواضع أخرى).

ولكن، ملكية الكتاب مؤرخة في سنة 1968 أي أنها من فترة زمنية جاءت بعد تتلمذ الجلبي في كلية بغداد ذاتها، وهذا التوقيع لا يشبه توقيعه، فبقي الأمر محيرا لي، أي كيف انتهى هذا الكتاب إلى مكتبتي، وأنا على بُعد دقائق من بيت مايك وليس لدي إلا هذا الكتاب الجالس إلى جانبي في الكرسي المحاذي. وما كان لدي الوقت كي أبحث عن هدية أخرى خصوصا وأن الموعد كان يقترب، وما أعرفه عمن يعملون في المكتبات، أنهم يكرهون التأخير.

ركنت سيارتي أمام منزل مايك، وبخطوات متثاقلة، حملت الكتاب إلى عتبة داره، استعدادا للفراق، الذي بات فراقا أليما إن كان الكتاب فعلا من بقيّة الجلبي لديّ.

ضغطت على زر الجرس، وجاء مايك عابسا إلى الباب، وربما كنت قد تخلفت عن الموعد خمس دقائق، وفي كل الأحوال لا أعرف الرجل جيدا، وليس لدي قياسات سابقة لفهم عبوسه ذاك، فمددت الكتاب إليه رأسا كنوع من الاعتذار، وما إن استلمه، رفع رأسه متجهماً، صائحا "هذا كتابي! أنت سرقت كتابي!"

في لحظتها، خصوصا وأن عائدية الكتاب كانت أمرا مشكوكا فيه بالنسبة لي، وهمّا استحوذ على تفكيري أثناء الرحلة، شعرت بالذهول والذنب الآني، لربما أنا فعلا سرقته من مايك قبل أن أتعرف عليه! ولكن دار في ظني أيضا أن مايك ربما كان "يداهرني" أو يناكدني بسبب الإشارة إلى "كلية بغداد" على غلاف الكتاب. ولكنه كان منفعلا بحق وهو يقول، "هذا كتابي، انظر، هذا هو توقيعي!" وفي لحظتها، فعلا بدت "الخربشة" وكأنها تقول "م. آلبين". شعرت بذنب مضاعف، وكأنني تقصدت اختيار هذا الكتاب، من خلال حيلة مخابراتية وخطة محبكة منذ أمد طويل، كي أوقع المسكين مايك في شراك مشروعي الجديد، واستمالته عاطفيا من خلال إرجاع كتابه.

ولكنني في ذهولي حينها، كنت متماشيا معه، أتصرف، في أوج ارتباكي وخجلي غير المنطقي، وكأن الامر مجرد مزحة من جانبه. انصرف مايك لبرهة، وعاد بكتاب آخر، مؤرخ سنة 1971، وعليه "الخربشة" أي التوقيع ذاته! يا لها من صدفة غريبة، بل عجيبة! ولم ينتهِ الأمر هنا، لأن مايك وجد في طيات الكتاب وريقة مكتوب عليها بيت من الشعر العربي الفصيح، وتعرّف عليها وقال لي بأنها بخط أستاذه العراقي، لا يسعني تذكر اسمه الآن، الذي كان يدرسه العربية!

كان مايك مذهولا أيضا، ولكن تصرفاته اللحظية كانت توحي بالمشاكسة أكثر من الغضب، ولكن الاتهام كان كبيرا عند وقوعه، "سارق كتاب"، وهذه من الكبائر! "كاسر" مايك ريبتي في نفسي عندما أفصح بأنه ترك هذا الكتاب، مع باقي كتبه في بغداد، عندما غادرها سنة 1969 إلى باريس لإكمال دراسته، خصوصا بعد طرد الكادر الأميركي من الكلية. ولا يدري أو لا يتذكر ماذا حصل لكتبه من بعد ذلك. وفي تلك الدقائق، جاءنا هذا الحس الغريب، الذي ألقى بظلاله على جلستنا المخصصة للتباحث في مشروع التاريخ الإسلامي إذ كيف عاد هذا الكتاب إليه بعد 47 سنة؟ بل كيف تناولته الأيدي من بقايا مكتبته، إلى مكتبة أخرى، إلى حقيبة ما، لربما كانت من حقائب الجلبي، الذي أخذها إلى بيروت، وثم إلى عمّان، وثم إلى لندن، وثم إلى واشنطن، وانتهى به المطاف إلى مكتبتي، وفي عجالة من أمري، تناولته من بين الرفوف، ووضعته إلى جانبي في السيارة، وها هو الكتاب قد عاد إلى صاحبه، وحتى الأمانة التي داخله، تلك القصاصة والبيت الشعري، حافظت على نفسها طيلة تلك الفترة، ولم تخرجها أي من الأيادي، ولم تتطاير أثناء التصحّف، وعادت هي أيضا لمن كان يدرسها؟!

في لحظتها، بدا الأمر وكأن الكون قد تآمر كي تتوطد صداقتنا أنا ومايك، وانطلاق شراكتنا في المشروع. فأنا كنت آخر حلقة من رحلة هذا الكتاب، وقدره، والذي يبدو أنه كان تواقا للعودة إلى مايك، ولربما في طياته حكمة أرادت أن توصل نفسها إليه وهو في هذا العمر، وبعد مرور عقود من الزمن وتقلباته، فلم يكن مايك في شبابه مؤهلا لفهمها، ولكنها الآن عادت كي تطرح نفسها أمام عينيه.

فهل للكتب أقدارٌ؟ ربما. لا يوجد لدي أدنى شك بأن النسخة هذه من كتاب الأمثال البغدادية كان لديها قدرها الخاص. ولا أعرف ماذا تعني هذه القصة، خصوصا وأنا من الشكاكين، بل من العلمانيين، الذين يفترض بنا أن نبحث عما هو منطقي وواضح في كل المواقف والأحداث، ولكن لا يسعني إلا أن أضع هذه التجربة تحت بند "الألغاز المحيّرة" لأن ما هو منطقي وواضح يقول إن هذا الموقف يستحيل أن يحصل من دون تدبير مسبق ومؤامرة ماكرة، وإن كنت قد سمعت عنه من شخص آخر، لربما سيكون هذا انطباعي واستنتاجي، ولكنني كنت في صلب الحدث، وشاهدا على إصرار هذا الكتاب، هذا الجماد من الحبر والورق، على المضي في رحلته، وقد تآمر عليّ وجعلني أداة وسيطة لتحقيق مبتغاه.

ولكنني سعيد باستغلال كهذا، فهل هناك كتب أخرى تروم التآمر وتحقيق أقدارها هي الأخرى؟ لنرَ. وهذه، يا عزيزي القارئ هي اللبنة الأولى من قصة هذا العمود، وستليها أخريات. ولكن، إلى ذلك الحين، أدعوك للنظر إلى نسخة مايك السحرية من كتاب الحنفي، ولك ان تحمّلها من هذا الرابط، وربما لم ينتهِ قدر الكتاب عند إعادته إلى مايك، وإنما كان مدعاة لهذا العمود، كي تكون أنت حلقة أخرى في رحلته:

http://02e37fc.netsolhost.com/site/Alamthal_albaghdadiyyah_alhanafi2.pdf

ــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man walks past a mural as the spread of coronavirus disease (COVID-19) continues, in the Fremont Street section of historic…

هناك شبه إجماع أن العالم بعد جائحة كوفيد-19 لن يكون كما كان عليه قبلها.

كثر يخشون "التغيير المرتقب"، لأنّ مقدماته التي بدأت تتكوّن غير مشجّعة على الإطلاق، بل... مرعبة.

الخائفون من التغيير يشعرون بعجزهم عن تصحيح المسار والتحكم بمجرى الأمور، فيلجؤون إلى استنباط أي فكرة حتى يخففوا عن أنفسهم عناء التوجس من الآتي.

يدفع هؤلاء الخائفون إلى المقدمة مفهوم "النسيان" لدى الإنسان. في اعتقادهم أن هذه "النعمة" قد تعيد العالم، رويدا رويدا، إلى ما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا المستجد. حجة هذا البعض على ذلك أنّ التأملات الفردية، في أثناء مراسم دفن قريب أو نسيب أو صديق، عن سخافة الطموح وعبثية الصراع، سرعان ما تتلاشى مع عودة المرء إلى يومياته.

لكنّ أصحاب "النبوءة التغييرية"، ومن بينهم مخضرمون ومجرّبون وخبراء وعلماء ومؤرخون، لا يقيمون وزنا للتجارب الفردية في استنباط ما سيكون عليه المستقبل، لأن الفرد، مهما كانت فرادته، فمنطقه ووجدانياته وتفاعلاته مع الحوادث، تختلف كليا عن آليات صناعة القرار في الدول، وهي التي تفرض نفسها وإيقاعها على الأفراد والجماعات والشعوب.

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر"، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت

إذن، فالتغيير، في عرف هؤلاء، ليس خيارا، بل قدرا. العوامل المتحكمة به كثيرة وقوية وضاغطة، من بينها: التدهور الاقتصادي، الأزمة المالية، ارتفاع المديونية، نمو البطالة، انخفاض الاستهلاك، الاستياء من "العوملة"، سيئات الـ"نيوليبرالية"، وعدم فاعلية التجمعات الإقليمية.

بناء عليه، أي مستقبل ينتظرنا؟

المشهد "أبوكاليبسي": كورونا فيروس سيقضي على ما تبقى من عقبات أمام ازدهار "الشعبوية" التي بيّنت تجارب التاريخ أنها "رحم الحروب"، وسيُنقذ أعتى الديكتاتوريات، في ظل تعويم النظريات المعادية لكل أشكال الديمقراطية.

في واقع الأمر، إن عوارض "وباءي" الشعبوية والديكتاتورية سبقت ظهور "كورونا فيروس"، لكنّ الديمقراطية كانت تملك ما يكفي من مناعة للصمود، وليس للتصدّي.

و"الشعبوية" كانت قد دخلت، على سبيل المثال، إلى "الاتحاد الأوروبي" من بوابة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، كما على البرازيل من بوابة رئيسها جايير بولسونارو. وتعزّزت النظم القمعية مع الصمت الكوني على إعلان الرئيس الصيني نفسه "رئيسا مدى الحياة"، فيما كاد يسلّم الجميع ببقاء النظام السوري، على الرغم من الأدلة الوافرة على حجم الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه.

ومع انتشار جائحة "كوفيد-19"، تعزّزت الشعبوية والديكتاتورية، فبات، مثلا، مقبولا هذا التزوير وتداعياته الخطرة مستقبلا، في بعض الدول والأنظمة، بخصوص مدى التفشي الفعلي كورونا فيروس بين السكان، في إطار ادّعاء الشعبويين بطولات وهمية وقدرات خارقة، يدعمها إعلام "ممسوك" وجماهير مرعوبة تلهث وراء "حبل النجاة"، حتى لو كان خادعا وكاذبا، كما بات متاحا، وعلى سبيل المثال أيضا وأيضا، حتى في الأنظمة التي ترفع لواء الديمقراطية، وبحجة الخوف على حياة المواطنين، أن يتم رصد حركة جميع الناس، من خلال التحكم بداتا الاتصالات، في مشهد كوني أعاد إلى الأذهان، وبقوة، نهج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

أمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب

والأدهى أن هذه الاتجاهات يكثر مؤيدوها والمدافعون عنها والمروّجون لها. وهذا بديهي، لأنه من النتائج المباشرة، للتعامل مع جائحة "كوفيد-19" على أساس أنها عدو وليست مرضا، وأن مواجهتها هي حرب وليست مكافحة.

وإعلان الحرب على العدو، يحتاج إلى عقيدة، إلى بروباغندا، والأهم إلى... جنرالات. ومن يظهر أنه الأقوى والأفعل يفرض وجهة نظره على الآخرين.

وفي هذا السياق "الحربي"، يتميّز الشعبويون لأنهم الأكثر حرفية في البروباغندا، ويتعاظم الديكتاتوريون لأنهم الأكثر أهلية لاستغلال شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيما يُرهق الديمقراطيون الذين يخضعون لقواعد أنظمتهم حيث الشفافية، الانتقاد، التهجّم، تسخيف الإنجاز، تضخيم نقاط الضعف، المساءلة البرلمانية، انطباعات الرأي العام، الاستحقاقات الانتخابية، استطلاعات الرأي المستقلة، ومروحة واسعة من الحريات ومن بينها حرية الإعلام والتعبير.

هذا المسار المساند للديكتاتوريات، والذي بدأ يتبلور في حمأة أزمة كورونا، سوف يترسخ ويتطوّر في المستقبل، فالدول التي تدافع عن الديمقراطية ومبادئها، ستجد نفسها "منعزلة" عن مشاكل الكون، لتركّز اهتمامها ومواردها في محاولاتها تعويض ما لحق بها من خسائر فادحة، كما هي حال فرنسا التي تتحدّث عن إمكان وصولها إلى تلك الوضعية التي كانت عليها في العام 1945، أي بعد سنوات من الاحتلال النازي وبعيد تحريرها بأضخم العمليات العسكرية في التاريخ.

أما الدول الفقيرة والمأزومة، فسوف تشهد تفاقما في أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يرفع نسبة الفقر إلى مستويات تاريخية، ويقدّم هموم الرغيف على مبادئ الحرية والأنظمة الناشئة عنها.

وأمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب.

وآفة الصمت التي ستزدهر مجددا، سبق واختبرت شعوب كثيرة تأثيراتها القاتلة، ولعلّ سوريا، في ظل نظام آل الأسد، أكبر الشواهد عليها.

فمن يتصفّح "الشق السوري" من كتاب الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية السفير برنار باجوله "الشمس لا تشرق أبدا في الشرق" يصيبه الإحباط من الديمقراطية وحاملي ألويتها.

هذا الدبلوماسي ـ الأمني لم يكن هامشيا في مركز صناعة القرار في فرنسا، إذ كان مقربا من أربعة رؤساء فرنسيين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكان آخرهم فرانسوا هولاند.

ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟

في كتابه الصادر قبل سنة، يروي باجوله مستندا إلى ما عاشه كرقم 2 في السفارة الفرنسية في دمشق ومن ثم ما عرفه كرئيس لجهاز المخابرات الخارجي، (يروي) أمورا من المخجل أن تكون قد مرّت على فرنسا وحلفائها في "العالم الحر" مرور الكرام، كنوعية الاعتقالات والابتزاز والتشليح والاغتيالات والمجازر والطائفية والعائلية والسرقة والفساد و"العقد النفسية" و"الإتجار" بالعداء لإسرائيل والإرهاب.

هذه الوقائع المدوّنة في السجلات الرسمية، بالتفاصيل والأسماء والحقائق، مرّت كأنها أحداث رواية متخيّلة، عندما كانت الدول منشغلة بالتفتيش عن "عظمتها" وغارقة في "الواقعية السياسية" ولاهثة إلى تقاسم "الجبنة الاستثمارية"، فماذا تراه سوف يحصل، عندما "تعزل" الدول نفسها، بعد مرور عاصفة كورونا، من أجل لملمة خسائرها الفادحة؟

ليس من فراغ أو عن عبث، أنّ المخضرم هنري كيسنجر، ومن خلال مقاله الأخير (3 أبريل) في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد دعا "الديمقراطيات في العالم إلى الدفاع والمحافظة على القيم التي ورثتها من عصر الأنوار"، مشددا على "وجوب أنّ يعالج قادة العالم الأزمة الراهنة، فيما هم يبنون المستقبل".

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر" حتى تحفظ حياتها، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت.

والحالة هذه، ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟