مظاهرات في ميدان التحرير بالقاهرة ضد الرئيس السابق محمد حسني مبارك في شباط/فبراير عام 2011
مظاهرة في ميدان التحرير بالقاهرة ضد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في شباط/ فبراير عام 2011

بقلم رضوان زيادة

يشير مفهوم التحديث إلى نموذج للانتقال التدريجي من مجتمع "تقليدي" إلى مجتمع "حديث". وتسعى النظرية إلى تحديد المتغيرات الاجتماعية التي تسهم في التقدم الاجتماعي والتنمية في المجتمعات، وتسعى إلى شرح عملية التطور الاجتماعي. إن نظرية التحديث لا تشدد فقط على عملية التغيير، بل أيضا على الردود على هذا التغيير. كما أنها تنظر إلى الديناميات الداخلية مع الإشارة إلى الهياكل الاجتماعية والثقافية والتكيف مع التكنولوجيات الجديدة.

 يعتبر كتاب دانيال ليرنر بعنوان " تجاوز المجتمع التقليدي: تحديث الشرق الأوسط" من أوائل الكتب التي وضعت نظرية نفسية اجتماعية للتحديث. واستند الكتاب إلى الأبحاث التي مولتها وزارة الخارجية الأميركية في أواخر الأربعينيات. فقد كان الغرض الأصلي من البحث هو تحديد ما إذا كان الناس في الشرق الأوسط يستمعون إلى إذاعة صوت أميركا، والتأكد من ردود أفعالهم على البرامج المختلفة لهذه المحطة. وفي منتصف الخمسينيات، أعاد ليرنر تحليل البيانات في ضوء تصور جديد يدور حول فكرة أن القيم الغربية والأفكار التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية يمكن أن تساعد في تحويل بلدان الشرق الأوسط من الدول التقليدية والبدائية إلى بلدان ذات بنى اجتماعية حداثية وقائمة على أسس حديثة من التنظيم الاقتصادي والسياسي.

ناقش ليرنر فكرته الواسعة المتمثلة في التغيير الاجتماعي التقليدي إلى الحديث، والذي تحفزه وسائل الإعلام. ويتألف المنطق الذي يقوم عليه التحول من الحجج التالية: "لا يوجد مجتمع حديث يعمل بكفاءة من دون نظام متطور لوسائل الإعلام". كما أن وسائل الإعلام الجماهيري "مفتوحة للجماهير الكبيرة وللأفكار والتجارب الحديثة؛ ويجري الانتقال" نحو التحديث بشكل تدريجي بفضل انتشار وسائل الإعلام ودخول التقنية الحديثة. ولذلك انتهى إلى أنه "لابد للغرب أن يسعى نحو بناء الشرق الأوسط بحيث يصبح الإسلام في حالة دفاعية كاملة أمام روح العقلانية والروح الإيجابية" التي تتجسد في المؤسسات الديموقراطية على النمط الغربي".

 على نظرية التحديث هذه، بنى مارتن ليبسيت نظريته حول الروابط بين الديموقراطية والتنمية. فإن الديموقراطية ستتبع في نهاية المطاف التنمية الاقتصادية، وتحديدا عندما يصل معدل الدخل إلى المعدل المتوسط ​​الذي سيعزز هيكل الطبقة الوسطى، وعندها ستظهر الديموقراطية بعد أن تمر المجتمعات بمرحلة التحديث، وتحقق "جميع الجوانب المختلفة للتنمية الاقتصادية - التصنيع والتحضر والثروة والتعليم - مترابطة ترابطا وثيقا لتشكل عاملا رئيسيا واحدا له علاقة سياسية بالديموقراطية"، الأمر الذي سيجعل عدد المواطنين ذوي الدخل المتوسط المرتفع يتطلب مشاركة سياسية أعلى، وبالتالي يمكن تحقيق تغيير ديمقراطي ناجح، وقد تمكن ليبيست من إثبات نظريته هذه في عدد من الدول الاستبدادية السابقة التي تمكنت من الوصول إلى المستوى المتوسط ​​للدخل مثل إسبانيا والبرتغال في السبعينيات من القرن الماضي، وفي وقت لاحق كوريا الجنوبية.

 نظرية ليبسيت هذه تربط التغيير الديموقراطي مع نمو أو تطور الطبقة الوسطى من خلال التنمية الاقتصادية، وقد درس ليبيست التحول الديموقراطي في كوريا الجنوبية كدليل على نظريته من خلال مظاهرات الطلاب التي شهدتها كوريا الجنوبية في عام 1988 والتي أدت في نهاية المطاف إلى انتقال ديموقراطي مستقر في كوريا الجنوبية بعد سلسلة من الانقلابات والحكم العسكري استمرت بين الخمسينيات والثمانينيات بعد الحرب الكورية. كان ليبسيت أول من لاحظ ما أسماه العلاقة الإيجابية المتبادلة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية، فوفقا لتعبيره "كلما كانت الأمة اقتصادياً أقوى، كان التحول الديموقراطي أسرع".

 انتقد النشطاء الديموقراطيون نظرية ليبسيت هذه لأنها أعطت تبريراً للغرب وخاصة مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليان لدعم الحكومات الاستبدادية، فقد كانت الحجج التي تسوقها هذه المؤسسات دوما أن الحكم الاستبدادي يخلق بيئة اقتصادية وصناعية سليمة في بيئة اجتماعية وثقافية هشة، ولذلك لابد من تقديم الدعم الضروري لهذه الأنظمة غير الديموقراطية حتى تتطور اقتصاديا وتنمو الطبقة الوسطى فيها بشكل يقود إلى التحرر السياسي.

وكما أشرنا، فإن ليبيست برهن على وجود علاقة متبادلة إيجابية بين التطور الاقتصادي والديموقراطية وأثبت أن الديموقراطيات عموماً تكون أقرب لأن يكون مستوى تطورها الاقتصادي أعلى من اللاديموقراطيات.

صعود الطبقة الوسطى لا يفسر الانتقال "الجيد" أو "السيئ" لعملية التحول الديموقراطي، أو بعبارة أخرى فإن "الانتقال السلس" للسلطة لا يعتمد فقط على درجة النمو الاقتصادي وحجم الطبقة الوسطى في بلد ما، وإنما يتأثر بشكل حقيقي بإمكانية وجود مؤسسات تقود عملية التحول الديموقراطي في الطريق الصحيح، وفي الحقيقة يمكننا اختبار هذه النظرية ومدى صلاحيتها في حالة بلدان الربيع العربي وخاصة في تونس ومصر.

فالعلاقة بين الطبقة الوسطى والتحول الديموقراطي هي علاقة طردية وإيجابية دوماً، ولما كانت المجتمعات العربية هي في طبيعتها شابة، فيشكل دور الشباب العربي في صعود الطبقة الوسطى أو هبوطها عاملا حاسماً في عملية التحول الديموقراطي.

فالمجتمع التونسي هو مجتمع يكون فيه الشباب أكثر من 30 في المئة من السكان تقريباً، كما أنه مجتمع متجانس دينيا وإثنيا تقريباً، فكلهم مسلمون مالكيون وعرب، نسبة الأقلية اليهودية في جزيرة جربة التونسية أقل من 1 في المئة من السكان، وقد نشأ نوع من التفاوت الطبقي والاجتماعي بسبب الفجوة المتزايدة بين النخبة السلطوية الحاكمة خلال سنوات حكم بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي وبين بقية شرائح المجتمع، وهو ما ولد شعورا لدى الأغلبية التونسية بعدم الإفادة من النمو الذي حققته تونس خلال العقود الماضية، لكن يبقى متوسط ​​دخل الفرد التونسي الأعلى تقريبا بين البلدان العربية وبين دول شمال أفريقيا، وهو الفرق الأكثر أهمية بين تونس والدول العربية الأخرى التي تعاني من نسبة عالية جدا من الفقر والأمية.

فالثورة التونسية إذاً ربما تمثل دليلا إضافيا على صحة نظرية ليبسيت التي تربط التغيير الديموقراطي مع نمو أو توسع الطبقة الوسطى من خلال التنمية الاقتصادية.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.