مكة
مكة المكرمة

بقلم منصور الحاج/

هناك طرفة شهيرة يتداولها الطلاب الأفارقة في جامعة أفريقيا العالمية بالسودان حيث درست، تقول إن أركان الإسلام الخمسة هي في الواقع ثلاثة بالنسبة لمسلمي أفريقيا، من دون ركني الزكاة والحج لأنهما يخصان الأغنياء والمقتدرين. وعلى الرغم من إقران الشارع لشرطي القدرة المادية والبدنية بمن يجب عليهم أداء فريضة الحج، يحرص الكثير من فقراء المسلمين على إفناء العمر في جمع المال من أجل إنفاقه في رحلة الحج وزيارة المشاعر المقدسة. فعل ذلك جدي الذي مات فقيرا لكنه أبى إلا أن يتكبد المشاق ويسافر عن طريق البر من تشاد إلى مكة ثم يعود إلى قريته من رحلته "الروحية" بلقب "الحاج". نفس ذلك الطريق الوعر سلكته جدتي "سِمبِل" التي كانت تحج على قدميها كل عام حتى بلغت من الكبر عتيا، ولم تعد قادرة على السير مسافات طويلة. وعلى عكس جدي، فقد قررت "سِمبِل" البقاء "قرب بيت الله" لمدة 40 عاما إلى أن توفاها الله في 2005.

هذا الحرص على السفر إلى مكة وإنفاق "تحويشة العمر" على تذاكر السفر ووكالات السفر وشركات الطوافة من أجل الطواف والسعي والوقوف والمبيت ورمي الجمرات، بدلا من التبرع للمشاريع الخيرية التي تهدف إلى إغاثة الملهوفين وإطعام الجائعين وتعليم الجهلاء ومعالجة المرضى طالما كان مصدرا للحيرة بالنسبة لي وهو ما دعاني لطرح السؤال الذي عنونت به هذا المقال.

وبعد تفكير وقراءة وإطلاع ومراجعات وتقييم للسنوات التي قضيتها بين حجاج من مختلف الجنسيات والمذاهب في مكة ومنى وعرفات ومزدلفة، أقول إن السبب وراء هذا الحرص هو فكرة "الخلاص الفردي" وسعي المسلم إلى التطهر من الذنوب والعودة بعد خلاص مراسم الحج خاليا من الآثام والخطايا "كيوم ولدته أمه"، أملا في دخول الجنة والنجاة من النار. بالنسبة لي، لا تختلف فكرة التطهر من الذنوب بعد أداء فريضة الحج عن فكرة صكوك الغفران التي كانت الكنيسة الكاثوليكية توزعها على المسيحيين المذنبين بعد اعترافهم بخطاياهم ودفع مقابل مادي.

إن فكرة أن يكون الهدف الأساسي للمسلم هو النجاة من النار والفوز بالجنة التي يروج لها رجال الدين التقليديون، فكرة بالغة الخطورة تتضح آثار خطورتها في قائمة الأولويات بالنسبة للمسلم. فعندما يصبح السفر إلى مكة من أجل التطهر من الذنوب أهم من التبرع لإنقاذ حياة لاجئ قد يدفعه يأسه إلى المجازفة بركوب قوارب الموت أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، فإننا أمام أزمة أخلاقية، مبررة دينيا وهنا تكمن الكارثة.

لقد أصبت بخيبة أمل حين تجاهل المسلمون دعوتي لإلغاء حج عام 2015 والاستفادة من الملايين التي كان من المزمع إنفاقها في رحلة الحج في حل مشكلة اللاجئين السوريين وتوفير جميع المستلزمات التي تكفل لهم إقامة كريمة. كان من الأولى توفير مخيمات الحجاج في منى وعرفات ومزدلفة للاجئين الذين شردتهم الحرب بدلا من أن يسكنها الميسورون الذين يسعون وراء خلاصهم الفردي من أجل جنة يحلمون بدخولها بعد الممات غير مبالين بالجحيم الذي يعيشه آلاف المشردين والجوعى والمرضى السوريين.

أعرف أن المسلمين يؤمنون أن الحج ركن من أركان الإسلام فرضه عليهم من يؤمنون به، وهم لا يملكون أمام أمره سوى التسليم والتنفيذ وأعلم أن محاولاتي لـ"عقلنة" الشعائر والعبادات أمر يتنافى مع طبيعة الإيمان التي تقتضي التسليم. وهذا الأمر وإن كنت أختلف معه إلا أنني أتفهمه جيدا لكنني لا أتفهم أبدا بعض السخافات التي يرددها رجال الدين ويتقبلها الناس بدون استيضاح أو اعتراض.

من الاجتهادات التي أثارت حفيظتي تصريح للسيد مصطفى القزويني يقول فيه إن الله اختار مكة مكانا للحج ليختبر عباده إن كانوا يصبرون على حرارة الجو فيها ومشقة الوصول إليها وتعاسة أخلاق أهلها، وأن الله لو وضع بيته في جنوب فرنسا مثلا أو كاليفورنيا لما تحققت المشقة المطلوبة ولذهب الناس أفواجا إلى الحج هناك وأقاموا شهورا بدلا من أسابيع. 

ومشكلتي مع مثل هذه الاجتهادات أنها إشكالية وتفتح أبوابا ليس من السهل إغلاقها. فمكة اليوم أشبه بلاس فيجاس من ناحية العمران والبنية التحتية ولم يعد الوصول إليها أمرا شاقا البتة. ربما لا يعلم الشيخ أن هناك فئة من الحجاج فاحشي الثراء يصلون إلى مكة في يوم عرفة، يقفون على الجبل لدقائق قبل مغيب الشمس، يبيتون بمزدلفة ثم يسيرون إلى منى في الصباح فيرمون الجمرات ثم يحلقون أو يقصرون، ثم يطوفون طواف الوداع ثم يعودون أدراجهم في أقل من 24 ساعة بحج يتمنون أن يكون مبرورا وبسعي مشكور وذنب مغفور.

وبمناسبة موسم الحج لهذا العام فإنني أجدد دعوتي للمسلمين إلى إعادة النظر في الأولويات والتفكير في الغاية الأساسية من ممارسة العبادات والشعائر الدينية، ولنتخيل معا للحظة لو أن صلوات المسلمين اليومية محطات للاستزادة الروحية، ولنتخيل معا لو تم استغلال أموال الزكاة في دعم المشاريع الخيرية والإنسانية، ولنتخيل لو قل إنفاق المسلمين على الطعام في شهر رمضان وتم تأسيس بنك "إطعام مسكين" يساهم فيه الذين يطيقون الصيام لكنهم يفضل دفع فدية "إطعام مسكين" كما اقترح المفكر محمد شحرور، ولنتخيل أيضا أن الحج أصبح مؤتمرا للسلام العالمي لا يخص المسلمين فقط بل كل دعاة الحب والسلام كما يقترح الدكتور خالص جلبي.

------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟