عناصر في قوات سورية الديموقراطية
عناصر في قوات سورية الديموقراطية

بقلم عبد الحفيظ شرف

ليس من الغرابة بمكان أن يحدث تطور في طبيعة العلاقات الإيرانية التركية رغم الاختلافات التاريخية بين البلدين والصراع العميق للإمبراطورية الفارسية ومنافستها العثمانية للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط و بسط النفوذ فيها. فهي منطقة حيوية واستراتيجية بالنسبة لكلا الطرفين المتناقضين، ولكن أنقرة وطهران تتعاملان ببراغماتية عالية المستوى. فمنذ اللحظة الأولى لملامح هذا التقارب في العقد الحالي وبالرغم مما شهدته هذه العلاقات من مسوغات تباعد فرضتها الأزمة السورية وما تلاها من اصطفاف واضح لكل بلد إلى جانب أحد أطراف الصراع الرئيسية، استمرا في تعزيز التقارب التجاري والاقتصادي دون أن يتأثر ذلك بالمواقف السياسية والعسكرية المختلفة، ولكن في ظل الزيارة الأخيرة لرئيس الأركان الإيراني تم رسم خطوط جديدة لهذه العلاقات وأوجد الطرفان نقطة تقاطع لمصالحهم المختلفة ليصبح التعاون سياسيا وعسكريا كما أعلن الطرفان، ما يعتبر نقطة تحول استراتيجية وتحرك سياسي غريب من نوعه وبالتأكيد له دلالات خطيرة.

هذا التقارب دخل مرحلة جديدة في خطوة لم يسبقها تمهيد سياسي أو حتى إعلامي بعد زيارات متبادلة لرئيسي أركان البلدين وما أعقبه من تفجير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مفاجأة لم يفهم مغزاها عن عمل عسكري وشيك تتعاون فيه العاصمتين ضد ما سماه بالمنظمات الإرهابية التي تتربص بحدود البلدين في إشارة واضحة إلى الأكراد .

السؤال الكبير هنا: ما المغزى من كل هذه التحركات؟ وكيف لتركيا وللرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يتحالف مع من شارك في زعزعة أمن المنطقة بأسرها؟ وشارك في قتل وتشريد مئات آلاف السوريين؟ ومول الجماعات الإرهابية كحزب الله اللبناني؟ وأيد سياسيا وعسكريا عدوه الأول في سورية وهو النظام السوري؟ وكيف له أن يتناسى كل الشعارات التي رفعتها تركيا على مدار السنوات الست الماضية ليتعاون وبشكل مفاجئ مع صديق عدوه الأول ومع ممول عدوه الأول والمدافع الشرس عن عدوه الأول. وهل يعقل أن الخطر الذي يمثله الأكراد لتركيا هو أكبر من الخطر الذي يمثله بشار الأسد لتركيا؟ والسؤال الأكبر هل يمكن أن نرى تغيرا دراماتيكيا في الموقف التركي من النظام السوري بحجة الحرب ضد الأكراد؟ كل هذه المسائل أضعها هنا بصيغة التساؤل ولكنني أعتقد أننا سنراها قريبا في ظل المحاولات القائمة لتشكيل تحالفات جديدة في المنطقة تخدم بالدرجة الأولى تطلعات إيران في المنطقة ويحاول أن يرسل من خلالها أردوغان رسالة شديدة اللهجة إلى واشنطن.

لاشك أن لموعد هذا التقارب الإيراني التركي دلالة كبيرة وتحديدا أنه يستبق موعد الاستفتاء الكردي المرتقب للانفصال عن العراق وتشكيل دولة كردية، والتي يرفض قادتها تأجيله أو إعادة النظر فيه حتى الآن. وهذه الدولة القادمة تشكل خطرا استراتيجيا كبيرا في نظر الأتراك والإيرانيين فهم ينظرون إلى ما أبعد من مجرد إقليم كردستان في العراق ويعتقدون أن ذلك سيكون بداية لانفصال الأكراد عن تركيا وعن إيران وبالذات أن الأكراد يشكلون حدود إقليمهم في سورية ويتعاونون مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب بل ويعتبرون رأس الحربة في محاربة الإرهاب في سورية.  كما يتزامن كل هذا مع تزويد الولايات المتحدة المستمر لقوات سورية الديموقراطية في الشمال السوري بالعتاد والسلاح في ظل معركة الرقة الحالية والتجهيز لمعارك في دير الزور وغيرها من أماكن سيطرة داعش. وقد أثبت الأكراد نجاحا كبيرا في التعامل مع المجتمع الدولي وأصبحوا أهلا للثقة بالنسبة لواشنطن وحلفائها وهذا ما يقيد حركة أردوغان الذي يريد أن يقتلع الأكراد من الشمال السوري.

هذا التغير التركي المفاجئ يريد الرئيس التركي من خلاله إرسال رسالة واضحة إلى واشنطن بأنه سينتقل إلى الطرف الآخر من المعادلة الدولية إذا ما استمرت الولايات المتحدة بدعم الأكراد في سورية، وكأنه يبحث عن دور أكبر لتركيا والفصائل التي تدعمها في سورية وتحجيم دور الأكراد الذين يعتمد عليهم التحالف الدولي كقوات معتدلة على الأرض السورية. ولكن هل تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على الفصائل المدعومة من تركيا وهي بغالبيتها فصائل لا ترتضي الديموقراطية كطريق للحكم وتميل إلى التشدد الديني والأيديولوجي ولديها أفعال وجرائم ضد الإنسانية مشابهة لأفعال وجرائم النظام السوري الذي ارتكب فظائع في حق الإنسانية ضد شعبه وأهله.

 كل يغني على ليلاه، ولكن المصالح تحكم العلاقات الدولية، فما بالك في مصلحة تتخلص بمقتضاها من خصم مشترك الأمر الذي يدفع تركيا العضو في حلف الناتو لأن تسلك سلوكا قد يزعج شركائها هناك، وإن كان التقارب في هذه المرحلة لا يقتضي بالضرورة استبدال الشركاء وإحداث تغيير جذري في التحالفات الدولية، باعتقادي،  ولكنه رسالة للشركاء بإعادة الحسابات. بالمقابل يبقى لطهران التي تدعم الإرهاب في المنطقة رؤاها ومصالحها، ولكنها أيضا في غنى عن كيان كردي تراه مهددا لها أو على أقل تقدير مزعجا لبرامجها ومشاريعها الإقليمية، حتى وإن لم يكن ذات يوم حزب بيجاك الكردي في إيران يشكل خطرا لها بنفس مستوى التهديد الذي يلحقه حزب العمال الكردستاني بتركيا، لكنها ذريعة قد تتقاسمها مع أنقرة خصوصا إذا ما امتد تعاونهما العسكري ليشمل مناطق في سورية.

خصما الأمس في سورية حليفا اليوم وإن بقيا على النقيض تماما على الأقل ظاهريا في رؤيتهما لملف الأزمة السورية، لنصبح أمام رؤية جديدة ولكن بملامح وتفصيلات ترسمها المفاوضات السريعة والعاجلة بين البلدين ولكن السؤال هنا هل ستؤثر مثل هذه التحالفات على الحل في سورية سلبا أو إيجابا وهل يمكن أن يرضخ أردوغان لعدوه اللدود بشار الأسد ليتخلص من الأكراد ؟ أم هل تترك إيران حليفها وصديقها الوفي بشار الأسد لتتحالف مع تركيا؟ أم أن القضية هي مجرد تحالف مؤقت في قضية محددة للغاية والتي قد تؤمن عدم رضوخ أردوغان للأسد بعد سنوات خصام ولكن تحقق مصلحته التي يراها في إبعاد الأكراد عن الحدود الجنوبية لبلاده، وبالمنحنى ذاته تضمن مصالح إيران دون الحاجة لتغيرات جذرية في موقفها السياسي والعسكري من سورية؟ فكيف ستكون الصورة على الأرض في المستقبل القريب؟ هذا ما ستجاوبنا عليه الأيام القليلة القادمة. 

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.