سوريون يتظاهرون في لبنان ضد ضد الرئيس بشار الأسد_أرشيف
سوريون يتظاهرون في لبنان ضد ضد الرئيس بشار الأسد_أرشيف

حسن منيمنة

الواقع المؤسف هو أنه لم يعد للثورة السورية سبيل واضح لتحقيق الهدف الذي قامت من أجله، أي الانتهاء من نظام الاستبداد والطغيان والقتل، الذي حرم المواطن حقه في الحرية والكرامة والحياة على مدى عقود. ليس هذا تسليم للنظام وداعميه بالانتصار، فالنظام قد سقط، من أكثر من وجه، في درعا في آذار 2011 حين انصب بجبروته على أصابع صبية طالبوا بالحرية، دون أن يتمكن من استعادة قدرته على الترويع. ولكنه إقرار بأن المعارضة أو المعارضات السورية قد عجزت عن طرح البديل المقنع لمجتمع قدّم التضحيات الجسام. والمسؤوليات لمآل الثورة في سورية تتوزع على أطراف عدّة، بعضها لما ارتكبه من أخطاء، وبعضها الآخر لما تمنّع عن أداء خطوات كانت مطلوبة. على أن الحركات الإسلامية بمختلف توجهاتها، أي بما لا يقتصر على التكفيري والجهادي منها، تتحمل مسؤولية رئيسية في تحريف مسار الثورة في سورية. وإذا كان على الراشد من هذه الحركات أن يعيد تقييم تجربته في سورية، وأن يعمد بالتالي إلى إعادة صياغة خطه السياسي ليتراجع عن زعم  أحقية الاستئثار بقرار المسلمين من السوريين، فإن على سائر التوجهات السياسية ألا تتجاهل محاذير الطروحات الإسلامية (وغيرها من التوجهات المستقاة صراحة أو ضمناً من رصيد ثقافي فئوي) في تأطيرها للحياة السياسية في المرحلة التي أجلّت وحسب، أي مرحلة ما بعد نظام الاستبداد.

 

إطار الثورة السورية هو الربيع العربي، وهي التسمية المناسبة ـ رغم الاعتراضات الواهية ـ للحراك المجتمعي الداعي إلى الحرية والكرامة والعدالة، والذي انطلق في نهاية عام 2010 في تونس، ليطال مصر وليبيا والبحرين واليمن وسورية. في أكثر من موقع، جاء افتراض الريادة للحركات الإسلامية، سواء من جانب دعاتها أو من جانب مموليها، ليضخّم من جحمها ميدانياً ولينزع عن الحراك الطابع المطلبي الإصلاحي المدني الذي أطلقه، ويُحلّ محله صيغة عقائدية ملتبسة. وحيثما حدث ذلك، كانت النتيجة سقوطاً للمكاسب التي تحققت، بل عودة ذات زخم للسلطوية بأشكال غير مسبوقة. وهذه العودة هي تحديداً ما يرجوه ويجهد من أجله النظام في دمشق، ومعه من يمسك زمام أموره، أي روسيا وإيران. ولا شك أن لهذه الثلاثية (موسكو، طهران، دمشق) دورا في التمكين المتعمد للتوجهات الإسلامية القطعية والمتشددة، لنقل المواجهة، أمام الجمهور السوري كما أمام الرأي العام العالمي، من معادلة النظام في وجه الشعب إلى معادلة الوطن في وجه الإرهاب. إلا أن المكائد في هذا الاتجاه ما كانت لتنجح لولا أن الحركات الإسلامية برمّتها قد نشطت بدورها في تحريف مسار الثورة، وإعادة صياغتها بما يتواءم مع خطابياتها.

 

إدانة تنظيم "الدولة الإسلامية" أمر سهل. فهذا التنظيم إذ يعتنق منهجاً متشدداً وعقيدة قطعية، يرفض الوطنية على أنها دعوة جاهلية، ويعتبر أية دعوة للإصلاح السياسي كفراً وردّة. بل إن الجدل في أوساطه كان حول الإقرار بأن "الأصل في الناس الشرك" من عدمه، مع ما يستتبع ذلك من إباحة قتلهم. وبغضّ النظر عن التوصل إلى البت بهذه المسألة العقدية، فإن التنظيم قد عامل السوريين في الأراضي التي وقعت تحت قبضته بقهر وقسوة وشدة لا تختلف عمّا شهدوه من نظام الأسد إلا بعلنيتها وفظاظتها. فتكررت المشاهد التي يظهر فيها "مهاجرون" منضوون في صفوف هذا التنظيم وقادمون من أقاصي الأرض، يفتكون بأهل البلاد، الناشط منهم في الثورة كما النائي بنفسه عن أي موقف سياسي، تحت ذريعة تلبسهم بنواقض الإسلام، أو دون أية ذريعة على الإطلاق.

 

وإذ كانت الحركات الإسلامية الأخرى تصدح بالنقد والنقض لمنهج تنظيم الدولة، وتتبرأ من آرائه وسلوكه، بل تطرح نفسها في أحيان كثيرة علاجاً له، فإن هذا التنظيم يشكل امتداداً طبيعياً لمواقفها وطروحاتها في أكثر من موضوع وأكثر من حالة. ولم يكن نادراً أن تعمد هذه الحركات إلى الاقتداء بالسوابق التي أرساها تنظيم الدولة في "الرمي من شاهق" وغيره من أساليب التفنن في "تطبيق الحدود".

 

فالتمايز بين «تنظيم الدولة» وبين سائر الفصائل السلفية الجهادية، سواءً منها التي انحدرت من تنظيم القاعدة، تحت أسماء متتالية، "النصرة وفتح الشام وهيئة تحرير الشام"، أو التي انتظمت محلياً، مثل "جند الأقصى"، هو في سعيها إلى بعض الإقرار بأولوية الطابع المحلي لجهادها، رغم استقدامها للمهاجرين والأموال من الخارج، وكذلك في تعويلها على "الحاضنة الشعبية" والسعي مبدئياً إلى استرضاء الجمهور بدلاً من أسلوب تنظيم الدولة في إرهاب "الرعية" وقهرها. أما المضمون السلفي في إخضاع السياسة للدين، وإخضاع الدين للتشدد، فقناعة مشتركة ليست موضوع خلاف. ولكن الانتظام الذي حاولت هذه الفصائل إظهاره، كنقيض للفوضى والاستهتار بالحقوق كما كان الغالب على سلوك معظم الفصائل الأخرى، سرعان ما تلاشى، ليبقى التشدد والتعدي على حقوق المواطنين باسم الدين.

 

وفي حين أن الحياة الدينية الإسلامية في سورية هي نسيج واسع من التجربة التاريخية والفكرية بأشكالها وصورها المتعددة، فإن النشاط الجهادي في سورية قد استقر على وجوب اعتناق السلفية دون غيرها، وصولاً إلى تكفير ما عداها. فحتى التنظيمات التي يمكن اعتبارها وريثة لجماعة الإخوان المسلمين أو امتداداً لها، أشهرت السلفية كعقيدة وكممارسة، وانغمست في جدل عقدي وكلامي مع "الروافض" و "القبوريين"، بما يتعارض مع الماضي والحاضر السوريين. وبدلاً من أن تعمد الفصائل غير المتآلفة مع هذه القراءات القطعية إلى الوضوح، لجأت بدورها إلى الزي الإسلامي، الذي أرادته تحصيناً إزاء السلفية الجهادية، فكان في غالب الأحيان تمهيداً لها. فباستثناء بعض الفصائل في «قوات سوريا الديمقراطية»، على ما تنضوي عليه هذه التجربة من إشكالات وتعميات تضعها خارج مسار الثورة السورية، فإن شعارات الفصائل كافة، بما فيها "الجيش الحر" الذي كان يعوّل عليه ليكون منصة وطنية جامعة، اتخمت بالتفاصيل الإسلامية.

 

والقضية ليست الشكل وحسب. فواقع الحركات الإسلامية في أرجاء العالم يغلب عليه القصور في المضمون. أي أن هذه الحركات، بحكم اقتصار غالبها على المعارضة والهامش، لم تطور رؤية سياسية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية تتعدى شعارات "الإسلام هو الحل" وتحريم الربا وفرض الحجاب. ففي حين أن مطلب الإصلاح الذي يحقق للمجتمع الحرية في إطار الوحدة الوطنية كان جلياً في أصوات الثورة السورية في مرحلتها الأولى، فإن إلقاء الرداء الإسلامي على هذه الثورة لم يضعضع مطالبها وحسب، بل أفشل سعيها. وسواء كان الأمر استقطاباً للشرائح التي أهملها النظام أو دفع بها نحو الشحة التعليمية، أو استمالة للتمويل المتوفر من جهات لها أغراضها وقراءاتها، فإن اللون الإسلامي للثورة السورية أفقدها طابعها الوطني، وأقصر جمهورها على ما هو أقل من الأوساط السنية العربية، إذ لا تنتظم هذه الأوساط بوحدة مصالح تلقائية، ولا يغلب عليها الميل الإسلامي ابتداءً.

دون الانتقال من الإفراط بتغليب لا مبرر له للحركات الإسلامية، إلى التفريط بمقدار التأييد للتوجهات الإسلامية في المجتمع السوري، لا بد من مراجعة يشترك فيها الجميع، إسلاميون وعلمانيون وغيرهم، لمنع تكرار التنفيس الذي طال الثورة السورية نتيجة المبالغات والتجاوزات من الحركات الإسلامية. وإذا كان بعض هذه الحركات يوازي النظام في إجرامه، وهي بالتالي مرفوضة ابتداءً، فإن بعضها الآخر جزء أصيل من المجتمع السوري، ولكن عليه أن يدرك أنه الجزء وليس الكل، وإن يراجع مسؤوليته في تنفيس الثورة. فالطريق لا يزال طويلاً وشاقاً أمام السوريين لتحقيق الإطار الحر العادل، ولا يمكن المضي قدماً دون الوضوح في المسؤولية عن هدر التضحيات التاريخية للشعب السوري.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.