جانب من أثر إعصار إرما، أرشيف
جانب من أثر إعصار إرما، أرشيف

بقلم منصور الحاج/

في الوقت الذي تجتاح فيه الأعاصير المدمرة عدة دول في منطقة الكاريبي وبعض الولايات الجنوبية في أميركا الشمالية، وفي الوقت الذي يواجه فيه الملايين خطر الموت وفقدان الأحبة وأغلى الممتلكات، يطل علينا دعاة الكراهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأدعية يبتهلون فيها إلى ربهم بأن يريهم في أميركا عجائب قدرته ويحرضونه على تدمير الأميركيين وتشتيت شملهم.

إن ظاهرة أدلجة الظواهر الطبيعية وإيجاد تبريرات دينية لحدوثها ليست بالأمر الجديد فكتب التاريخ تزخر بالقصص والروايات التي تحكي علاقة الشعوب المختلفة بالشمس والقمر والنجوم والرياح والأمطار. ومع مرور الوقت واتساع آفاق الإنسان ومداركه وازدياد معرفته بحقيقة تلك الظواهر وأسباب حدوثها تضاءلت التفسيرات العقائدية ولم تعد رائجة إلا في أوساط المجتمعات البدائية الفقيرة علميا ومعرفيا والتيارات الدينية التي تتمسك بتفسيرات أيدلوجية للظواهر والكوارث الطبيعية. ففي حادثة كسوف الشمس التي حدثت الشهر الماضي وبينما كان العالم يتابع بشغف ظاهرة تعامد الشمس والقمر هرع المسلمون إلى المساجد من أجل التضرع إلى الله، فالكسوف، بحسب معتقدهم، هو بمثابة إنذار من الله وتخويف لعباده من "عقوبة انعقدت أسبابها" وعليهم اللجوء إلى الصلاة والدعاء حتى لا تقع.

ليس المسلمون فقط من لديهم تفسيرات عقائدية للظواهر الطبيعية، فعلى سبيل المثال يؤمن الكثير من المتدينين المسيحيين في أميركا الذين يعتقدون بالعودة الثانية للمسيح أن الإنسان ليس له يد في ظاهرة التغير المناخي ولا يعترفون بالحقائق العلمية التي تقول عكس ذلك من منطلق أن لهذا الكون خالقا هو أعلم بخلقه وسيتكفل بإصلاحه إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك وأن تدخل البشر في شؤون الكون سيسهل قدوم المسيح الدجال. 

أتفهم تماما أن يؤمن الناس بمعتقدات دينية تتعارض مع التفسيرات العلمية للظواهر الطبيعية، فحرية الاعتقاد أمر تكفله القوانين وينص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن ما لا أستطيع استيعابه هو تلذذ البعض وسعادتهم بالدمار والقتل والتشريد الذي تسببه الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والحرائق والبراكين بحق شعوب ومجتمعات لأنها تدين بدين مختلف أو بسبب مواقف وسياسات حكوماتها أو بسبب "معاصي" أهلها كما حدث في أعاصير التسونامي التي ضربت دول جنوب آسيا في عام 2005 واعتبرها رجال دين سعوديون كالشيخ فوزان الفوزان ومحمد المنجد إنها بسبب الفساد الأخلافي والانحلال والمنكرات.

إن من المؤسف أن تتطابق أمنيات ودعوات أنصار تنظيم "داعش" و"القاعدة" مع أمنيات ودعوات أئمة ورجال دين ودعاة يتحدثون ليل نهار عن سماحة الإسلام وأنه دين رحمة وعن رب لطيف بعباده وأحن عليهم من الأم على أبنائها. فمن الأدعية التي قرأتها لأحد أنصار "داعش" على موقع "تليغرام" دعاء نشره بعد توارد الأنباء عن أن إعصار "إرما" قد قفز إلى الدرجة الخامسة على مقياس الأعاصير "اللهم زدهم فلن تشفى صدورنا حتى نرى أميركا كالموصل أضعافا أضعافا!" فيما كتب آخر "اللهم أهلكهم ولا تبق منهم أحدا ولا تذر".

كما جاءت تغريدة المستشار السعودي سعد بن عبد الله بن غنيم مطابقة، فقد كتب على حسابه بموقع "تويتر" تحت وسم "إعصار إرما": "اللهم إنا نستودعك المبتعثين وكل المسلمين والضعفاء، اللهم اجعل شدته وبأسه على الظلمة والفجرة وأعداء الإسلام وأرهم ضعفهم وقوتك". وهناك آلاف التغريدات المماثلة التي تعتبر "إرما" جنديا من جنود الله وتتمنى أن يدمر أميركا ويبيد شعبها ويقضي على قوتها.

وفي المقابل هناك أيضا تغريدات دعا فيها أصحابها بأن يخفف الله قوة الإعصار وأن يلطف بعباده ويرحمهم وانتقدوا أدعية الكراهية وأمنيات الموت والهلاك وسخروا من أصحابها ومن نظرتهم السطحية للكوارث الطبيعية.

إن التفسيرات العقائدية للظواهر الطبيعية لا تستند إلى العقل أو المنطق وإنما إلى الدين وإلى أسس إيمانية محضة أو أهواء وأمنيات شخصية أو جماعية أو طائفية أو إلى مواقف سياسية. فقد يعتبر بعض رجال الدين أن مقتل الآلاف من غير المسلمين في كوارث طبيعية عقاب إلهي بسبب كفرهم أو فساد أخلاقهم لكنهم قد يبحثون عن مبررات أخرى في ما لو كان القتلى مسلمين، أو كان من ضمنهم أقرباء لهم أو منتمون إلى قبيلتهم أو طائفتهم الدينية أو مسؤولون في النظام السياسي الذي يحكم في بلادهم.

وبدلا من تمني الموت والهلاك لكل من يختلفون عنا في كوارث طبيعية وبدلا من التلذذ والتشفي في معاناتهم، لماذا لا ندعو بالخير والرحمة وأن يعم السلام والاستقرار جميع أرجاء العالم، فإعمار الأرض يتطلب أن تتضافر جهود جميع سكان الأرض والعمل سويا ومساعدة الفقراء والمساكين والنساء والأطفال الذين عادة ما تحصدهم الكوارث الطبيعية لافتقادهم القدرة المادية أو لعجزهم بدنيا على مغادرة منازلهم. إن لم نستطع إنقاذهم فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهم هو الدعاء لهم بالسلامة والرحمة لا بالموت والدمار. فكر قليلا قبل أن تدعو وقبل أن تؤمِن على دعوات أئمة الكراهية على من يتعرضون لخطر الموت فربما ستواجه المصير نفسه يوما ما وربما تتعرض بلادك أو مدينتك أو أسرتك لكارثة طبيعية وتتمنى حينها لو أنك دعوت بالسلامة والنجاة لغيرك.

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

(FILES) In this file photo taken on May 17, 2020 people are seen practising social distancing in white circles in Domino Park,…
دوائر مخصصة لضمان التباعد المطلوب بين زوار أحد منتزهات بروكلين

في مواعيد شبه متقاربة فيما بينها، بدأت العديد من دول العالم قبل أيام تخفيف قيود إجراءات الحظر الذي فرضته لأكثر من شهرين على الحياة العامة بسبب انتشار فيروس كورونا، مع التشديد الصارم على ضرورة التقيد بشروط السلامة العامة وسبل الوقاية الفردية والتباعد الاجتماعي.

في تتبع ورصد لعدد من التقارير الإعلامية المصورة التي رافقت تخفيف هذه القيود على الأرض في عدد من الدول، الغربية منها بشكل خاص، لوحظ في معظمها عدم وجود الازدحام المتوقع حدوثه في الشارع بعد هذه الفترة الطويلة من المكوث في المنزل، والذي اعتبره العديد من الناس بمثابة عقوب حبس، مما يفسر أن السماح القانوني بالخروج لم يترافق مع الثقة والاطمئنان المطلوبين، وما زال الخوف العام مهيمنا، بل إنه تمكّن من النفس البشرية التي تسلل إليها مثل جرثومة خوف أحكمت إطباقها، وغيّرت من السلوك السيكولوجي الجمعي، وفرضت ضمن أبرز تداعياتها، نمط حياة مستجد، يمكن استشفاف معالمه وتوصيفه، بمرحلة الدخول في غربة بشرية حديثة، قد يختبرها الفرد لعقد زمني قادم، في أقل تقدير.

يمكن قراءة معالم بعض ملامح هذه الغربة وآليات ترجمتها، من خلال الإجراءات العملية والوقائية التي تنوي معظم دول العالم اتباعها في الحياة العامة كما أعلن، مثل النقاط الفاصلة في الحافلات، أو مثل الفواصل الزجاجية التي ستفرض بين الجالسين على مقاعد الحدائق العامة، أو بين مكاتب الموظفين، أو بين طاولات المطاعم. 

أية متاهة وضعنا فيها هذا الفايروس الغريب، الذي أكد لنا هشاشتنا اللامتناهية!

وقد تفرض لاحقا بين تلاميذ المدارس، وبينهم وبين أساتذتهم، أو على منصات ومنابر الخطابة، أو في أي مكان يتوجب الفصل فيه بين جانبين. بما يعمم ويرسخ فكرة الفواصل الزجاجية المنتشرة سابقا قبل كورونا، التي تفصل عادة بين الزبائن وموظفي البنوك، أو كوات دفع الفواتير أو شبابيك قطع التذاكر، والتي وضعت أساسا لتجنب السرقات وسلامة الموظفين، لكنها تكتسب اليوم معنى مضافا لوجودها، وهو الخوف من الأنفاس المتبادلة، جراء أي تماس أو تقارب إنساني.

واحدة من الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية مع بدء تخفيف قيود الحظر، أظهرت متنزه بروكلين الشهير في نيويورك، وقد رسمت على مساحات العشب الواسعة فيه دوائر كثيرة بمقاسات متساوية، يفترض أن يجلس في كل دائرة منها، فرد واحد، أو أسرة واحدة. وبقدر ما بدت الصورة الملتقطة من الجو مثيرة وملفتة تشكيليا، بقدر ما توحي بتوجه الإنسان ليصير حبيس هذه الدائرة المغلقة، الحقيقية، والوهمية بآن واحد.

دائرة مغلقة، تشبه فيما تشبه، بعض تفاسير فلسفة الدوائر، مثل رحلة الإنسان من مولده إلى مماته، تحرره بالولادة من الرحم الدائري المغلق وعودته إلى رحم الأرض المكورة. مثل رحلة تيه البشرية الأزلي، التي ما انفكت تطرح أسئلتها الوجودية بلا أجوبة يقينية ضمن دائرة المتاهة الكونية الكبرى، لتبدو هذه الدائرة المغلقة المستجدة، التي سيصير الفرد حبيسا ضمن سياجها الحقيقي/الوهمي، وكأنه صار حبيسا لهذا الفيروس بذاته، الدائري بمظهره المخبري أيضا.

ولأن الخوف تمكّن من نفس الفرد وغيّر سلوكه السيكولوجي، سيجعله مثل رهين محبس الفيروس، يدور مثل نقطة أو نواة في فلكه، ويخضع لشروطه وأحكامه، وأية محاولة متهورة لاختراق حدود الدائرة والتحرر منها، قد تعني تعريض نفسه للأذية، أو التسبب بأذية للآخر، ولتجنب هذه الأذيات المحتملة، سيرضى، وبإرادته الكاملة، البقاء داخل دائرته، لما ستشكله له نفسيا من حماية ووقاية، وعدم الاقتراب من دوائر الآخرين.

ترجمة ما تقدم، تعني احتمالات تعزيز الحذر والتوجس والعنصرية والكراهية وعدم الانفتاح وعدم التقبل، ضد الآخر، والآخر ضدك

ترجمة ما تقدم، تعني احتمالات تعزيز الحذر والتوجس والعنصرية والكراهية وعدم الانفتاح وعدم التقبل، ضد الآخر، والآخر ضدك، وبالتالي احتمال نشوء حالة جمعية من الانفصام مع المجتمع والمحيط، اللذين سيظل التبادل من خلالهما ضمن فضاءات العالم الافتراضي، لكن إنسانيتنا المفترض أنها مؤسسة على التلامس والاحتكاك بمعانيهما السامية، قد تظل حبيسة دوائر الخوف، إلى أن يتغير أمر ما، أشبه بمعجزة، يعيد الثقة التامة بإمكانية التحرر البشري الجديد، وتحطيم الدائرة المغلقة والخروج منها.

في تأمل التبدلات الجوهرية التي طرأت على العالم منذ أشهر وقلبته رأسا على عقب، يبدو الأمر أحيانا أشبه بفيلم سوريالي يتماهى مع أفلام الخيال العلمي، أفلام كنا نشاهدها كمتفرجين، لكننا اليوم نشارك فيها كممثلين بأدوار محددة، والدوائر التي وجد كل فرد ذاته في داخلها، إذا أضفنا إليها مساحة فضاء الدائرة، ستبدو، ببعض الخيال، وكأننا نعيش ضمن كرات بلورية، كل منا في كانتون كرته وحلقاتها، أشبه بالكواكب الشمسية، الاقتراب من كرة الآخر، يعني احتمال انفجار مدمر، ولأن عدو هذا الفيروس هو الصابون، ويبدو الأمر مضحكا في الحقيقة، صرنا حبيسي كرات، هي أشبه بفقاعات الصابون الهشة.

أية متاهة وضعنا فيها هذا الفايروس الغريب، الذي أكد لنا هشاشتنا اللامتناهية!